ملخص
رفض آبي التحليلات التي تربط الخلاف الحالي بين أسمرة وأديس أبابا بطموحاته الأخيرة للوصول إلى البحر الأحمر، وقال "يزعم البعض، ويعتقدون، ويحللون أن المشكلة بين الحكومتين الإثيوبية والإريترية نشأت لأن الحكومة الإثيوبية أثارت قضية البحر الأحمر. هذا غير صحيح". وأضاف أن التوترات كانت موجودة قبل نقاش الوصول إلى البحر بفترة طويلة، و"بدأت مع بداية حرب تيغراي".
نفى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أثناء استجوابه في البرلمان الأسبوع الماضي أن تكون بلاده تلقت أي قروض أو تمويل أجنبي لبناء سد النهضة الكبير، مما بدا أنه رد غير مباشر على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتدى دافوس الاقتصادي الشهر الماضي، التي قال فيها إن الولايات المتحدة مولت السد الإثيوبي، في حين يحجب كثيراً من المياه عن مصر ودول حوض النيل.
قال آبي أحمد "لم نتلقَّ أي بير واحد (عملة إثيوبيا) من القروض أو المساعدات المالية من أي مصدر أجنبي لبناء هذا السد الكبير. لقد أنجزناه من خلال الالتزام القوي للإثيوبيين المقيمين في البلاد وفي الشتات، بالتبرعات السخية". وأضاف خلال جلسة البرلمان أن "ملف سد النهضة أمر سيادي، ولن يكون ورقة في يد أي قوة"، في إشارة إلى حديث ترمب الذي عرض مبادرة أميركية للتفاوض حول حصص المياه والقضايا الفنية بين كل من مصر وإثيوبيا.
وتأتي تصريحات آبي أحمد في البرلمان مناقضة لتصريحات سابقة كان أدلى بها في لقاء جماهيري زعم فيها أن قيمة تبرعات الإثيوبيين لبناء السد لم تتعدَّ 12 في المئة من كلفته، وأن على الإثيوبيين أن يكفوا عن الاعتقاد بأن السد قد بُني بتبرعاتهم العامة.
ويرى مراقبون لشؤون منطقة القرن الأفريقي تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي الأخيرة بمثابة رفض للوساطة الأميركية التي اقترحها ترمب في ملف النيل، مرجحين أن تكون أديس أبابا انزعجت من العرض الأميركي لجهة الانتقادات التي وجهها ترمب لبناء السد أثناء عرضه للوساطة، إذ أكد أن السد بُني بأموال أميركية، فضلاً عن أنه يحجب المياه عن مصر، وأضاف أن التوصل إلى اتفاق ملزم بين كل من مصر وإثيوبيا كان ينبغي أن يسبق تشييد السد.
شهادة للتاريخ
من جهته رد وزير الخارجية الإثيوبي السابق غيدو أندرجاتشو بشهادته حول التصريحات التي ذكرها آبي أحمد في البرلمان، وطلب فيها شهادة الوزير السابق للخارجية حول أسباب التوتر مع إريتريا، ومزاعم ارتكاب الجيش الإريتري لانتهاكات واسعة أثناء حرب تيغراي في الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 إلى نوفمبر 2022.
وقال الوزير في شهادة مكتوبة نشرها في صحف عدة إنه يستجيب لدعوة رئيس الوزراء للشهادة من أجل التاريخ، مشيراً إلى أن المعلومات التي وردت في خطاب آبي أحمد، تتضمن "ادعاءات باطلة تماماً، بل هي محض افتراء". وأوضح أنه استقال من وزارة الخارجية بعد أيام معدودة من إعلان الحرب في تيغراي، وأضاف أن "الحقائق التي أعرفها مختلفة تماماً، عما ورد في الخطاب، وأوضح موجهاً خطابه لرئيس الوزراء "إذ لا يمكنني أن أكون شاهداً موثوقاً لمثل هذا الادعاء. وإن كنتم تبحثون عن شاهد تتناقض شهادته مع الحقائق، فعليكم البحث عن شخص آخر".
ووصف الوزير السابق خطاب آبي أحمد بأنه محاولة لتحريف الحقائق، من أجل اختلاق مبرر لإلحاق ضرر جديد بالبلاد، مشيراً إلى أن الجيشين الإريتري والإثيوبي عملا جنباً إلى جنب كجيش واحد، طوال فترة الحرب، وأن الانتهاكات التي يزعم ارتكابها في تيغراي تخص جميع الأطراف، معتبراً أن أي محاولة لتوجيه التهم لطرف واحد، ليست سوى محاولة مكشوفة للتهرب من المسؤولية. وأشار إلى أن الحقيقة الوحيدة في الخطاب أنه بالفعل زار العاصمة الإريترية في يناير (كانون الثاني) 2021 لكن بمهمة مغايرة، موضحاً أنه حمل رسالة شفوية من رئيس الوزراء موجهة إلى الرئيس الإريتري تضمنت ثلاث نقاط رئيسة، الأولى تتعلق بتقديم التهنئة لنجاح التحالف العسكري الإريتري الإثيوبي في إلحاق الهزيمة بجبهة تيغراي، والثانية تقديم الشكر للجيش الإريتري لإيوائه الوحدات الإثيوبية الفارة من الهجوم المنظم الذي فرضته الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والثالثة تتعلق بضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الحملات الإعلامية الموجهة ضد النظامين.
مزاعم الانتهاكات
كان رئيس الوزراء الإثيوبي أعاد تدهور العلاقات بين بلاده وإريتريا إلى المراحل الأولى من الحرب المدمرة التي استمرت لعامين في إقليم تيغراي، زاعماً أن القوات الإريترية ارتكبت انتهاكات واسعة ومارست "قتلاً جماعياً في مدينة أكسوم"، موضحاً أن تلك الممارسات هي التي خلقت فجوة في العلاقات بين البلدين، وكانت سبباً مباشراً للتوتر وليس مساعي إثيوبيا الأخيرة للوصول إلى البحر الأحمر.
ورفض آبي التحليلات التي تربط الخلاف الحالي بين أسمرة وأديس أبابا بطموحاته الأخيرة للوصول إلى البحر الأحمر، وقال "يزعم البعض، ويعتقدون، ويحللون أن المشكلة بين الحكومتين الإثيوبية والإريترية نشأت لأن الحكومة الإثيوبية أثارت قضية البحر الأحمر. هذا غير صحيح". وأضاف أن التوترات كانت موجودة قبل نقاش الوصول إلى البحر بفترة طويلة، و"بدأت مع بداية حرب تيغراي".
ووفقاً لآبي، حدث أول شرخ كبير بعد "استيلاء القوات الفيدرالية على مدينة شيري" في المرحلة الأولى من الحرب. وأضاف "بعدما طهرنا مدينة شيري في الجولة الأولى من الحرب، لحق بنا الجيش الإريتري، ودخل المدينة، وبدأ بتدمير المنازل والمباني. حينها بدأت المواجهات، على رغم أننا لم نتحدث عنها في ذلك الوقت". وأضاف أن الوضع ازداد سوءاً مع تقدم الحرب عبر مدن تاريخية في وسط تيغراي. وتابع "عندما تقدمنا عبر أكسوم، اشتد التوتر مع دخول القوات الإريترية وتنفيذها عمليات إعدام جماعية للشباب". وأضاف "لقد فككت القوات الإريترية المصانع وقامت بنهبها" في مدينة شيري، بينما "اقتلعت ما أمكن نقله من مصنع الأدوية ودمرت الباقي"، في عدي غرات، ما دفع العلاقات إلى حافة الانهيار.
وزعم آبي أحمد أن الحكومة الفيدرالية امتنعت عن مواجهة إريتريا آنذاك بسبب إرهاق قواتها العسكرية، "لم تكن لدى الجيش الإثيوبي القدرة على القتال على جبهات متعددة"، مشيراً إلى أن القوات كانت تركز على ملاحقة جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) مع توطيد السيطرة على الأراضي التي تم الاستيلاء عليها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي معرض حديثه عن تصريحاته باعتبارها توثيقاً تاريخياً لا تحولاً في السياسة، قال إنه سعى مراراً وتكراراً إلى وقف الانتهاكات عبر القنوات السلمية. وأضاف "عندما قتل الشباب في أكسوم، وعندما نهبت أدوا وأديغرات، أرسلت عديداً من المبعوثين إلى إريتريا". وتابع "لقد أوفدت وزير الخارجية السابق جيدو أندارجاشيو أكثر من مرة، برسالة واضحة إلى أسمرة، تقول: لا ترهبوا شعب تيغراي، ولا تنهبوا ثرواتهم، فالمعركة مع جبهة تحرير شعب تيغراي، وليست مع شعب تيغراي". وواصل "عندما فشلت تلك الجهود، أرسلت نائب رئيس الوزراء آنذاك، ديميكي ميكونين"، مضيفاً أن الوزيرين "لا يزالان على قيد الحياة، ويمكن التواصل معهما، وبإمكانهما الإدلاء بشهادتهما حول مهمتهما إلى أسمرة"، داعياً الوزيرين السابقين إلى الشهادة من أجل التاريخ.
يذكر أن رئيس الوزراء آبي أحمد في كلمته أمام البرلمان في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كان أعاد أسباب الخلاف مع إريتريا إلى رفض أسمرة مساعدات قدمتها دولة صديقة، تتعلق بالتجهيزات اللازمة لميناء عصب الإريتري، كي يتسنى لإثيوبيا الاعتماد عليه بدلاً من انحصار خياراتها في ميناء جيبوتي في البحر الأحمر.
تكتيك لحرب جديدة
بدوره قال جوهر محمد السياسي الإثيوبي والحليف السابق لرئيس الوزراء إن خطاب آبي أحمد في البرلمان قد فتح جراح تيغراي التي لم تندمل، مشيراً إلى أنه "أقر للمرة الأولى، بوقوع جرائم بشعة ضد شعب تيغراي، وعلى رغم أن رئيس الوزراء لم يقر بمسؤوليته المباشرة عنها، وحاول إلقاء اللوم على الجنود الإريتريين، فإن الاعتراف بحدوث انتهاكات واسعة وقتل جماعي يمثل بداية مهمة لتثبيت الحقائق التي ظلت حكومته تنكرها طوال الأعوام الستة الماضية". وأشار إلى أن تحميل المسؤولية لطرف ثالث لن تعفي الوزير الأول من المسؤولية، وأوضح أن الاعتراف يطرح قضية المسؤولية عن الجرائم المرتكبة، مؤكداً أن آبي أحمد يتحمل الجزء الأكبر منها، سواء في تمهيد الطريق للحرب أو في ما جرى خلالها. وتابع "أولاً، بدافع طموحه لترسيخ سلطته الاستبدادية، استغل المرحلة الانتقالية، وأشرف، بل وقاد، الأزمة السياسية التي أغرقت البلاد في حروب أهلية متعددة. ثانياً، حول التقارب مع إريتريا بعد عام 2018، وهي لحظة كان من الممكن أن ترسي دعائم سلام دائم، إلى تحالف عسكري قصير النظر موجه ضد تيغراي. ثالثاً، يتحمل آبي أيضاً المسؤولية الرئيسة عن بدء وقيادة عملية (نزع الإنسانية) عن شعب تيغراي قبيل الحرب وخلالها. فمن خلال خطاباته، وتمكينه لخطابات دعاة الحرب المليئة بالكراهية في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة، روج للدعاية التحريضية السامة. لقد جعلت هذه البيئة العنف الجماعي ليس ممكناً فحسب، بل مقبولاً سياسياً".
ويرى السياسي الإثيوبي أن آبي أحمد يتحمل المسؤولية ليس فقط عن الأفعال المرتكبة، بل أيضاً عن السرديات التي يتم الترويج لها والصمت الذي فرضه نظامه، مستدركاً "لا شك أن الجنود والقادة الإريتريين مسؤولون عن بعض الجرائم المرتكبة بعد عبورهم الحدود، بدعوة من الحكومة المركزية في أديس أبابا، إلا أن إلقاء اللوم على إريتريا وحدها، لا يعفي آبي من مسؤولية دعوتهم في المقام الأول، مما حول فرصة ذهبية للسلام إلى حملة حرب مشتركة ضد جزء من شعبه".
وأضاف "من المؤكد أن جميع أطراف الحرب في تيغراي ارتكبت جرائم ضد المدنيين، بما في ذلك الجيش النظامي الإثيوبي، والميليشيات الحليفة له خلال الحرب، فضلاً عن القوات الإريترية والقوات التابعة للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، ويكمن الاختلاف فقط في الدرجة والخطورة". وأوضح أن "ثمة حقيقة يجب أن تبقى واضحة: فبينما شاركت جهات عديدة في جرائم ضد شعب تيغراي، كان آبي أحمد هو المهندس الرئيس. لم يكتفِ بالإشراف على الحرب، بل كان مؤيدها المتحمس. وبصفته الرجل الذي افتخر بتوجيه مسار الحرب، وبصفته المحرض الأبرز والأكثر إصراراً عليها، سيتصدر آبي قائمة المتهمين إذا ما حان يوم الحساب والعدالة". وأشار إلى أن الهدف الكامن وراء الاعترافات الأخيرة التي أدلى بها رئيس الوزراء الإثيوبي في خطابه، تمثل تكتيكاً مثيراً للفتنة وخطر يهدف إلى إعادة تشكيل التحالفات تمهيداً لحرب أخرى يتم الإعداد لها.
رفض الوساطة الأميركية
من جهته رأى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيدوان أن الجزء الأهم في خطاب آبي أحمد يتمثل في رده غير المباشر على دعوة الرئيس الأميركي لمفاوضات جديدة حول سد النهضة الإثيوبي مع مصر. وقال إن الخطاب تضمن موقفاً إثيوبياً قوياً، دحض ادعاءات الولايات المتحدة بتمويل سد النهضة الإثيوبي، إذ إن الإشارة إلى أن السد قد تم تشييده بقدرات وأموال إثيوبية يعد رداً قوياً لتصريحات دونالد ترمب. وأضاف أن اعتبار آبي لملف سد النهضة "كقضية سيادية لا تملك أي قوة الحق في التصرف فيها" يمثل مؤشراً إلى رفض الوساطة الأميركية، بخاصة أن تصريحات الرئيس الأميركي في عرض الوساطة تضمنت إشارات سالبة في شأن أحقية إثيوبيا في بناء السد، فضلاً عن اعتمادها على "سردية حجب مياه كثيرة عن مصر"، إذ إن ترديد هذه الفكرة تمثل تبنياً واضحاً للسردية المصرية الرسمية، في حين يفترض ألا يميل الوسيط لتبني سردية أي طرف من أطراف النزاع.
ورجح المتخصص الإثيوبي أن يكون ترمب يحاول تسجيل النقاط على غرمائه من الحزب الديمقراطي بتحميلهم مسؤولية بناء السد، والإضرار بمصالح الولايات المتحدة المتعلقة بتحالفها الاستراتيجي مع مصر.
ويضيف بيهون أن "المتابع لتصريحات ترمب يتأكد من أن طرح الوساطة أتى في ظرف تكتيكي يتعلق بالأجندات السياسية الداخلية، ومحاولات الإدارة الحالية إظهار خصومها الديمقراطيين في موقف العاجز والضعيف عن حلحلة قضايا دولية وإقليمية، علاوة على سعي ترمب من أجل تكثيف قائمة القضايا والنزاعات الدولية التي تدخل في حلها"، منوهاً بأن الرئيس الأميركي لديه رغبة جارفة للحصول على جائزة نوبل للسلام، من خلال إحصاء عدد النزاعات التي تدخل فيها، ومن ثم يسعى إلى عقد صفقة جديدة للسلام في القرن الأفريقي، إلا أن إدارته تفتقد للمقومات اللازمة لذلك وأهمها الحياد الإيجابي تجاه سرديات وحجج كل طرف.