Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 وداعا للمحادثات الخاصة

سوق أجهزة التسجيل الذكية ستصل إلى أكثر من 300 مليار دولار في عام 2033

مبيعات النظارات الذكية قد تصل إلى 20 مليون دولار حول العالم في 2029 (غيتي)

ملخص

يزداد عالمياً استخدام أجهزة التسجيل الذكية للأحاديث واللقاءات بالصوت والصورة، فتعالت الأصوات المنادية بتقنين استعمال هذه التقنية لحماية خصوصيتنا وتجنيبنا الغرق في عصاب التجسس الإلكتروني الذي أصبحنا نعتقد بوجوده في جميع الأجهزة التي نستخدمها.

في المرة المقبلة التي يدعوك فيها صديق إلى لقاء تأكد أن كلامك لا يلتقط، ولقاءكما لا يوثق بالصوت والصورة، فعصر المحادثات الخاصة قد انتهى مع الإنتاج المتسارع والكبير لتقنيات التصوير والتسجيل. ربما لا يقلق من التجسس إلا من ارتكب مخالفة أو جرماً أو خطأ، ولكن هل يمكنك تجاوز الإحساس بالخوف من البوح بما يدور في خلدك تجاه الآخرين أو مكاشفة صديق في شأن مشكلة تعيشها وتحاول حلها.

تقنية الذكاء الاصطناعي رفدت أدوات تسجيل الصوت والصورة بخيارات طورتها بسرعة كبيرة، فأصبح لقاؤك مع صديق أو زميل في العمل أو أي شخص، عرضة للاختراق عبر نظارات طبية أو شمسية تحفظ كلامك وحركاتك لساعات وليس دقائق فقط. وعندما تعود إلى المنزل يصلك عبر الإيميل أو الهاتف مادة فيلمية أو صوتية للقاء أو نصاً يتضمن كل ما بحت به وقلته وكأنه محضر تحقيق في الشرطة.

في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس أخيراً، تسابقت الشركات على عرض إنتاجاتها من أجهزة الاستماع والتصوير القابلة للارتداء، ويمكنها نسخ وتلخيص المحادثات الشخصية، مؤسسات مثل "ميتا" و"أمازون" و"أوبن إي آي" وغيرهم، باتوا يوفرون خيارات كثيرة من الأدوات التي يروجون لها في سياق تسهيل العمل والوظائف على الأشخاص، فيما هي مجرد تقنيات مراقبة وانتهاك للخصوصية.

في إطار تطبيع استخدام تلك التقنيات باتت شركات مثل "غوغل" و"زووم" و"مايكروسوفت" يسمحون للموظفين بإرسال أجهزة تسجيل إلى الاجتماعات بدلاً من الحضور الشخصي. ربما يبدو الأمر خياراً عملياً طالما كان عملك هو توثيق الاجتماع وتدوين الملاحظات والتوجيهات التي وردت فيه، ولكن السؤال، ألا يغير التوثيق (الرقابة) إلى هذا الحد من صورة تعاطي البشر مع بعضهم، ويحيط الناس بدائرة خوف إضافية.

توثيق الاجتماعات الرسمية هي وظيفة قائمة بحد ذاتها منذ عقود، وحتى الأمس القريب كان العاملون فيها معرضين للخطأ دائماً، أو مضطرين للاستماع إلى أجهزة التسجيل التقليدية مرات وساعات كي يتمكنوا من تسجيل مجريات اللقاء، بالتالي ما وفرته التكنولوجيا الجديدة اليوم لهم من تقنيات وأدوات تختصر عليهم الجهد والوقت، هي محط ثناء وتقدير، ولكن ماذا عن اللقاءات التي لا تستدعي الحفظ والتسجيل.

أن تتجنب إبداء رأيك في لقاء رسمي أو اجتماع عمل هو بحد ذاته تقييد لحرية التعبير، ولكن الطامة الكبرى تكمن عندما تجد نفسك مضطراً إلى تحفظ في الكلام والبوح خلال الاجتماعات غير الرسمية أو اللقاءات الخاصة. فيصبح هاجسك الأول عند مواعدة شخص في مكان عام أو حتى في منزلك، أن تتفحصه بالنظر وربما باللمس والأجهزة للتأكد من خلوه من أدوات التجسس الرقمية التي باتت تأخذ أشكالاً مختلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ربما تكون نظارات أو قلماً أو مشبكاً للشعر أو الملابس أو ربما تكون ساعة أو تطبيقاً على هاتف خليوي أو شاشة غير مرئية.. إلخ. قائمة طويلة من الخيارات ليس فقط تسجل صوتك أو ملامح وجهك، وإنما أيضاً ترسل هذه البيانات إلى وحدات تحليل تديرها شركات الذكاء الاصطناعي من أجل أن تحلل شخصيتك وتحدد عاداتك اليومية وسلوكك الشرائي أو مزاجيتك في التعامل مع الأماكن والبشر والأشياء والسلع.  

تتوقع دراسات متخصصة أن يزيد حجم سوق أجهزة التسجيل القابلة للارتداء عالمياً من نحو 56 مليار دولار في 2026 إلى أكثر من 300 مليار عام 2033. وهي أرقام يجب أن تشعرنا جميعنا بالقلق لأننا كما يقول كريس بيدريغال الرئيس التنفيذي لشركة "غرانولا" المتخصصة في هذه التقنيات، "لا نريد أن نعيش في عالم جميع الناس فيه يحملون ميكرفوناً أو كاميرا تسجل حركتنا وأصواتنا باستمرار".

لم يعد متاحاً منع استخدام تقنيات التسجيل المدعمة بالذكاء الاصطناعي، مثل كل الأجهزة التي جادت بها هذه التقنية على البشر، لكن على الأقل يمكن تقنين استخدامها، وضبط تداولها بجملة تشريعات تحصر توظيفها بمهام العمل في حدود ضيقة، فتحمي بذلك خصوصية البشر وتحررهم من عصاب الرقابة التكنولوجية الذي بات يلاحقهم، ويصيب البعض بفوبيا تحول بينه وبين كل إنتاجات العلم في هذا المجال.

مكتب مفوض المعلومات في بريطانيا يقول إن "استخدام تطبيقات وأجهزة التسجيل بالذكاء الاصطناعي يخضع لقوانين حماية البيانات التي تشترط موافقة الأفراد وإبلاغهم بنية وكيفية استخدام التسجيلات"، حيث إن ليس كل الأجهزة المستعملة في المجال تحوي مؤشرات ضوئية تدل على بدء التسجيل، أي إنها قد لا تكون ظاهرة، كما أن استعمالها يجب أن يكون محصوراً بغرض وظيفي وليس شخصي.

في الولايات المتحدة يشترط أيضاً موافقة جميع الأطراف المعنية باللقاء على التسجيل، حتى أصحاب العمل عليهم أن يفصحوا للموظفين والحاضرين في الاجتماعات الرسمية ليس فقط عن وجود التسجيل، وإنما أيضاً مجال استخدام البيانات التي جمعت من خلاله. ونتيجة لهذه القوانين بات لزاماً على المؤسسات العامة والخاصة وضع إشارات واضحة تظهر استخدام الذكاء الاصطناعي في توثيق أي اجتماع.

في الماضي كان الناس يصفون الرقابة البوليسية في بعض الدول باستدعاء مثل شعبي يقول "الجدران لها آذان". اليوم أصبحت الآذان تحيط بنا وتنتشر في كل تفاصيل المكان ومكوناته. لم يعد التجسس عملاً محصوراً بالسلطات الأمنية، ولا أمراً يقلق الساسة وتجار المخدرات والشخصيات العامة فقط، أصبحنا جميعاً هدفا وأداة تجسس في الوقت ذاته، والقلق من بعضنا بعضاً سيُحال إلى مصائر سيئة للبشرية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير