ملخص
على رغم الضجة حول الذكاء الاصطناعي، يثبت الواقع أنه بعيد من الكمال، من حساب عدد شيفرات العشب إلى التنبؤ بمصير البشرية، تتباين إجاباته بصورة مذهلة، مما يكشف عن أنه مجرد جامع بيانات بلا منطق، لا عبقري خارقاً كما يصور.
ثمة كتاب صدر أخيراً لا يزال يتصدر واجهات كثير من المكتبات، عنوانه "إذا صنعه أي شخص، فسيفنى الجميع، قضية ضد الذكاء الاصطناعي الخارق" If Anyone Builds It, Everyone Dies: The Case Against Superintelligent AI. وقد قوبل بحفاوة كبيرة — إن كان الحماس هو الوصف المناسب للتفاعل مع تنبؤات تتحدث عن انقراض البشرية على يد ذكاء اصطناعي شرير.
وعلى رغم كوني كاتباً في مجال التكنولوجيا مأخوذاً بالاهتمام الكبير الذي شهده الذكاء الاصطناعي التوليدي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فإنني أصبحت أقل يقيناً مما إذا كان سيسبق تغير المناخ إلى القضاء علينا جميعاً. حتى الآن، يبدو لي أداة شديدة الفائدة - أشبه بمحرك بحث معزز، إن شئت - لكنه ما زال، في جوهره، وبصورة مطمئنة، غبياً.
وحتى لو حاول السيطرة على كل شيء، أظن أنه سيفسد الأمور كما نفعل نحن البشر، ولكن بوتيرة أسرع.
وذات مساء، كنت أشاهد مباراة سيئة في كرة القدم حينما جاء على لسان أحد المعلقين أن أحد المدافعين "قدم مجهودا استثنائياً على كل متر من أرض الملعب حرفياً "على كل شيفرة عشب في الملعب".
وبوصفي متابعاً مثابراً للموقع "نادي الرجال المملين" Dull Men’s Club، وبدافع الملل، بدأت أتساءل عن عدد شيفرات العشب في الملعب، فسألت صديقي الثرثار "تشات جي بي تي". ملأ الشاشة بحسابات مطولة، وخلص إلى أن العدد يبلغ 140 ملياراً. أعجبني ذلك. لا أذكر أنني رأيت يوماً شيئاً وصل إلى رقم 140 مليار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أرسلت تلك المعلومات إلى أخي، وهو شغوف بالعلوم قبل أن ينتقل إلى الصحافة ويمتلك دراية بالأعداد أكثر مني بكثير. وسألته عن تخمينه الخاص في شأن عدد أوراق العشب، فأجاب "لا أعرف. ربما بضع مئات الملايين؟". أجبته بالنفي، وأخبرته عن العدد. رد بالقول، "هذا هراء. من أفاد بذلك؟". رددت بأنه "تشات جي بي تي".
وجاء الحكم النهائي والمتعمق للرجل، "ومع ذلك، هذا هراء".
وبعد ذلك، سألت عدداً من أصدقائي في الذكاء الاصطناعي عن وجهات نظرهم.
وأفاد تطبيق "كلود" بأن العدد يراوح ما بين ثلاثة وخمسة مليارات. وأورد برنامج "ديب سيك" الصيني بأنه مليارين. وقدر الذكاء الاصطناعي في "غوغل" الرقم بما يراوح ما بين 900 مليون إلى ما يربو على المليارين. ورد "غروك"، برنامج الذكاء الاصطناعي الرث والمخادع من إيلون ماسك، بأن ذلك العدد يصل إلى 1.3 مليار. وأفاد تطبيق الذكاء الاصطناعي "بيربليكستي" بأن العدد "نحو 250 مليون" شيفرة عشب. وأخيراً، عدت إلى "تشات جي بي تي" الذي أجرى عملية إعادة حساب سريعة وأصبح يذكر الآن أن العدد يراوح بين 150 مليون وما يزيد على 500 مليون ورقة "بحسب كثافة العشب في المضمار".
إذاً، إن التكنولوجيا اللامعة الذكاء إلى حد أن بعض أفضل عقول البشر في العالم توقعت أنها قد تبيد الإنسانية، لا تفعل أساساً سوى نفس عمليات الجمع، وتأتي بإجابات تراوح ما بين 150 مليوناً و140 ملياراً، مع ملاحظة أن العدد الأخير يفوق الأول بما يزيد على 900 مرة.
وإن ذلك لهامش مذهل الاتساع في الخطأ. وفعلياً، يبدو ذلك جنوناً مع ملاحظة أن الأمر يتعلق بجمع يقع ضمن المعارف الأساسية للبشر، مع استعمال آلة حاسبة.
تقول شركة "جورج ديفيز تيرف" في بدفوردشير، وهي أول مورد كبير للعشب يظهر في نتائج "غوغل"، ويبدون أهل خبرة في هذا المجال، على موقعها الإلكتروني إن المتر المربع من العشب يحوي ما يصل إلى 200 ألف شيفرة. لاحظوا التعبير "ما يصل إلى". أي الحد الأقصى.
ولدى البحث في فضاء الإنترنت، يتبين أن مساحة ملاعب كرة القدم تراوح "ما بين 7140 و10800 متراً مربعاً". بالتالي، باستخدام آلة حاسبة مكتبية، نستطيع القول بشيء من الثقة بأن الملعب العادي لكرة القدم يحوي ما يراوح ما بين 1.4 و2.1 مليار شيفرة عشب. ولم يكن ذلك صعباً.
ثمة على الأرجح أسباب كثيرة جعلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية تخطئ بهذه الصورة الفادحة في حساب بسيط جداً. ويرجع السبب الرئيس إلى أن هذه التقنيات هي تقنيات قنص وتجميع. فهي لا تعرف شيئاً، ولا تملك أي خبرة فعلية، وتفتقد للمنطق. إنها ببساطة تردد كالببغاء ما يظهر على الإنترنت، بغض النظر عن كونه هراءً أم لا، ثم تجمع وتولف البيانات القديمة وتصوغها في إجابة تكتسي بمظهر المعقولية. وفي حالات عدة، لكن ذلك لا ينطبق على جميع الحالات، قد لا تمثل الإجابات سوى حثالة أعيد بعث الدفء فيها.
ومنذ وقت طويل، صورت الثقافة الشعبية عقول الذكاء الاصطناعي الخارق على أنها، لأهداف معينة، مجموعة أغبياء. ويتذكر كثر الحاسوب "هولي" الذي ظهر كرأس بوجه صارم ومن دون جسد، في مسلسلين "قزم أحمر" Red Dwarf الكوميديين، ويتمتع بمعدل ذكاء 6000، لكنه ينسى حقائق بديهية، ويخلط بين مهام بسيطة، ويتعامل بحرفية مضحكة.
وقبل هولي، كان هناك مارفن الروبوت المكتئب، وإيدي كمبيوتر السفينة في "دليل المسافر إلى المجرة" The Hitchhiker’s Guide to the Galaxy، وكلاهما يمتلك "عقولاً" لامعة، لكنه يفتقر تماماً إلى فهم الحياة الاجتماعية والعاطفية للبشر، فيكون واثقاً من أخطائه في شأن الأمور الإنسانية. وتزخر نسخ ستار تريك المتعددة بروبوتات عبقرية، لكنها عاجزة عن أن تكون مفيدة.
بالطبع، يجب الانتظار لمعرفة مدى فائدة الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، أو إذا كان، بسبب غباء أقرب إلى كونه بشرياً للمفارقة، سيهزم نفسه بنفسه، على غرار سيناريو اقترحه المفكر السويدي نيك بوستروم.
يتخيل بوستروم، الحاصل على ماجستير في علم الأعصاب الحاسوبي ودكتوراه في الفلسفة، ذكاءً اصطناعياً فائق الذكاء لا هدف له سوى تعظيم عدد مشابك الورق في الكون.
وبما أنه شديد الذكاء والقدرة على نحو لا يمكن تصوره، فإنه يفسر هدفه حرفياً، فيحول كل المواد الخام المتاحة إلى مشابك ورق، ثم يحول في نهاية المطاف كل ذرة في الأرض، ثم في النظام الشمسي، ثم في الكون، إلى مشابك ورق أو آلات تصنع مشابك ورق.
الذكاء الاصطناعي ليس شريراً بقدر ما هو شديد الكفاءة ومهووس بهدف واحد، لكن ما دام عاجزاً حتى عن حسم عدد شيفرات العشب في ملعب كرة قدم، فثقتي به لا تزال محدودة.
© The Independent