Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مادورو عشق جون لينون وملأ فنزويلا بالجوع والخوف

اليساري الذي حوّل الأحلام إلى كوابيس ضارية تنهش أرواح البشر

مادورو يرقص السالسا (رويترز)

ملخص

بينما كانت البارجات الأميركية تمخر عباب البحر الكاريبي، والسفن الحربية تتجول على السواحل الفنزويلية، كان الرئيس نيكولاس مادورو يرقص على إيقاع أغنية مستقاة من خطبه "الداعية إلى السلام ونبذ الحرب"، خلال تجمع طلابي في العاصمة كراكاس، في أحدث مظاهر التحدي للولايات المتحدة وللرئيس دونالد ترامب.

لم يمض وقت طويل على رقصة مادورو الرئيس المفتون بمغنيه المفضل جون لينون، حتى ألفى نفسه يسير إلى حتف مجهول مقتاداً بواسطة قوات "دلتا فورس" التي نقلته إلى نيويورك ليمثل أمام المحكمة هناك، فيما ستكون الجلسة المقبلة في 17 مارس (آذار) المقبل.

وحتى ذلك الحين، سيبقى مادورو يحلم أن يعود طليقاً، معتصماً بأغنية لينون (Imagine) التي يعدها أحد مصادر الإلهام الفني العظيمة التي صاغت وجدانه، منذ كان يسارياً ملتهب الأشواق إلى أن غدا معتقلاً في أحد أكبر السجون الأميركية وأكثرها ازدحاماً وقذارة. ولعله وهو مصفّد اليدين يكرر كلمات الأغنية، ويلوح بيديه مستهزئاً بخصمه ترامب المولع بالرقص، وتقليد لكنة الرؤساء، واصطياد "الخارجين عن القانون"!

هل استخدم لينون لترويج أفكاره؟

ثمة من يعتقد أنّ مادورو استخدم لينون لترويج أفكاره من خلال أغنية ذات أبعاد كونية، لكنّ الأمر يتعدى ذلك. لقد تمثلّ مادورو كلمات الأغنية بدلالة أنه اعتبرها أرضاً صالحة لجمع البشر كلهم، ليصبح العالم كله واحداً، كما تقول الأغنية التي تتخيل، وترجو أن يتقاسم كل الناس العالم، وأن تزول الحاجة للممتلكات أو الجشع أو الجوع.

وبترنم المتوله، يردد مادورو: "تخيل لو لم يكن هناك دول. ليس صعباً لا شيء يُقتل أو يُضحى من أجله، ولا دين أيضاً. قد تقول إنني حالم، لكنني لست الوحيد. أتمنى أن تنضم إلينا يوماً ما، ويصبح العالم واحداً".

ولأنّ علم المنطق يدلنا إلى أنّ المقدمات الصحيحة تقود إلى نتائج صحيحة، فإنّ من شأن الحلم، كقوة مغيّرة، أن يغير الواقع. وبتطبيق هذا الاستدلال المنطقي على فنزويلا، فالمعطيات تشير إلى أنّ هذا البلد الذي يعد واحداً من أكبر مصدّري النفط والغاز في العالم، يعاني أغلب سكانه من الفقر، وأنّ عدداً كبيراً منهم، حسبما أفادت وكالات أنباء ومنظمات إنسانية تابعة للأمم المتحدة، يتجمعون كل مساء في وسط مدينة كاراكاس بحثاً عن الطعام الملقى على الرصيف. كما ذكر أحد المسؤولين عن جمع النفايات، أنّ معظم أكياس القمامة التي يتلقاها قد مرت على أشخاص يبحثون عن الطعام. وأردف: "أحد مكبات النفايات عثر فيها على أجزاء من حيوانات مقطعة، كالكلاب والقطط والحمير والأحصنة، وتوجد أدلة على أنّ الناس يأكلون الحيوانات الضارية.

أما ما خص حرية التنظيم والمعارضة والتعبير، فإنّ فنزويلا ذات سجل أسود في ملف الحقوق الإنسانية، وأنّ عدداً كبيراً من المعارضين جرى تنفيذ الإعدام بحقهم من دون محاكمات. كما تسجل فنزويلا أكبر معدل فساد في أميركا اللاتينية، خصوصاً في أوساط الجيش والأجهزة العسكرية، رغم أنّ تقارير سابقة كانت أفادت أنّ هذا البلد اللاتيني من أكثر بلاد تلك القارة حضارة.

الأرقام التي أثمرتها فترة حكم مادورو ضاعفت معاناة الفنزويليين بأضعاف ما كانت عليه خلال حكم سلفه هوغو شافيز، الذي تمترس خلف شعارات معاداة الإمبريالية، حتى أنفق ثروات البلاد الهائلة في معارك دونكيشوتية، وتحالف مع أكثر الطغاة عتوّاً في العالم، وهتف له فقراء لا يجدون لقمة خبز في خوابيهم الخاوية إلا من الأوهام والأحلام!

هذه انطباعات لا صلة لها بأرقام المعارضة، أو المفرطين في حبهم لنظام العولمة الإمبريالية المتطلعة إلى حكم العالم بكل الأساليب الممكنة والقذرة، بل هي نابعة من آلام المعذبين في أرض كل ما فيها من موارد يبشر بأنها ترقى إلى أن تكون واحدة من الدول الاسكندنافية. لكنّ الحكم الديكتاتوري، والفساد المستشري في كل مفاصل الدولة، والسجون المكتظة بأصحاب الآراء المخالفة، جعلت فنزويلا أحد أخطر الأماكن في العالم، فأضحت محكومة من عصابات تتقاسم السلطة والجباية والخطف والقتل.

يساري غارق في "اليوتوبيا"

من حق مادورو أن يتيه طرباً وهو يردد "كل ما تحتاجه هو الحب" (All You Need Is Love)، وأنّ يعمّر روحه بأفكار الحراك الثوري العالمي الذي قادته فرقة "البيتلز". لقد كان يفعل ذلك وهو شاب يساري غارق في "اليوتوبيا" التي بشرت بها الشيوعية، وحلم في تنفيذها. ولكنه لمّا تمكن وصار رئيساً لواحدة من أهم دول القارة اللاتينية، حوّل الأحلام إلى كوابيس ضارية تنهش أرواح البشر الذين رجا أن يمتلكوا العالم ويتقاسموا الخير الكوني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل كان مادورو حالماً حقيقياً، أم أنه عاش حقب حياته كلها غارقاً في الإنكار الذي أضحى علامة مسجلة باسم الزعماء الطغاة، منذ نيرون الذي زعم نفسه ممثلاً ومغنياً وفناناً، فأحرق روما بذريعة إعادة بنائها، وأهلك سكانها وأحرق أحياءها، وراح، كما تقول الروايات، يتسلى من برج مرتفع بمنظر الحريق الذي خلب لبه وبيده آلة الطرب يغنى أشعار هوميروس التي يصف فيها حريق طروادة.

الطغاة الفنانون

يمتلئ كتاب التاريخ بالطغاة "الفنانين" أو المفتونين بالفن، إذ ينبئنا بهوس هتلر بموسيقى فاغنر، وحب ستالين للشعر وكتابته قصائد طغت عليها الرومانسية والصورة النابعة من طبيعة حالمة وعذراء. وفعل الأمر نفسه موسوليني حين كتب شعراً عن رجل مضطهد يسعى مراراً وتكراراً للوصول إلى الجبل حيث النقاء يتلفع بالأمل.

ويروى عن الزعيم الكوري الشمالي كيم إيل سونغ الذي يوصف بـ"شمس الأمة"، أنه قام بتأليف المسرحيات الثورية، وأنشأ قصائد مكتنزة بالمشاعر المتوثبة.

عربياً في العصر الراهن، كتب القذافي قصصاً سماها "القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء"، وأصدر صدام حسين روايات منها "زبيبة والملك" و"القلعة الحصينة" و"اخرج منها يا ملعون".

القائمة تطول ولن تنتهي بنيكولاس مادورو الذي أحب الغناء والرقص أكثر مما سعى إلى بناء مستشفيات أو مدارس أو حدائق عامة. لقد أعرض عن ذلك كله، ومضى يتخيل مع جون لينون لو أنّ كل الناس يعيشون اللحظة، ويتقاسمون العالم الذي لا جحيم تحته، بل فوقه سماء فقط.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة