ملخص
جاء الاستنكار الدولي لاعتقال نيكولاس مادورو بوصفه صرخة وقائية أكثر منه موقفاً أخلاقياً، وتعبيراً عن خوف جماعي من عالم تعاد فيه كتابة قواعد السيادة من طرف واحد، ويفتح فيه الباب أمام فوضى قانونية تسمح لكل قوة كبرى أن تبرر أفعالها بالسابقة الأميركية نفسها. في هذا المعنى، الاعتراض ليس على ما جرى فحسب، بل على ما قد يصبح ممكناً بعده.
يبدو واضحاً وبعد المشهد "المهين" لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أن سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يظهر كتصرف رئيس دولة ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب، بل كزعيم يتعامل مع العالم كمساحة نفوذ واحدة، هو مركزها وميزانها. وحين يقرر من هو "مجرم" ومن هو "شرعي" ومن يعاقب ومن يحتوى، فإنه لا يستند فقط إلى قوة الولايات المتحدة بل إلى افتراض أخطر، وهو أن شرعية القرار تستمد من القدرة على تنفيذه، لا من توافق دولي أو إطار قانوني جامع. بهذا المعنى، لا يتصرف ترمب كقائد أميركي بل كـ"حاكم فعلي للنظام العالمي"، يوزع الأدوار والعقوبات من موقع الوصي.
وما يرسخ هذا الانطباع ليس حدة قراراته بل انفراده بتعريف القواعد، ذلك أنه لا ينتظر مجلس الأمن ولا يحتمي بتحالفات بالمعنى الكلاسيكي، بل يستخدمها عند الحاجة ويتجاوزها عند التعارض. وينظر إلى الدول حول العالم في خطاباته ليس كشركاء بل ولايات سياسية متفاوتة الدرجة، من يطع يكافأ، ومن يناور يؤدب، ومن يتحدى يُستهدف، وهنا تنتفي الحدود بين السياسة الدولية وإدارة الإمبراطورية، إذ يصبح القانون أداة تنفيذ لا مرجعية ضبط. الأخطر أن هذا النموذج لا يطرح كاستثناء ظرفي بل كمنهج حكم، ذلك أن ترمب لا يخفي نزعة "الهيمنة المعلنة"، بل يقدمها كبديل عن نظام دولي يعده بطيئاً ومنافقاً وعاجزاً.
وفي لحظة يتراجع فيها منسوب الردع الجماعي، يتحول هذا السلوك إلى واقع مفروض، ليس لأن العالم قبل به بل لأنه لم يجد بعد آلية فعالة لردعه. وهكذا، لا ينصب ترمب نفسه حاكماً للعالم بخطاب رسمي، بل بالفعل، وحين يصبح الفعل بلا كلفة تتحول الهيمنة إلى قاعدة.
ترمب يدير الأصول الفنزويلية
وفعلياً بدأ ترمب يدير الأصول الفنزويلية، ومنها وأهمها البترول، وقال إن فنزويلا ستسلم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة. وأضاف ضمن منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أن "هذا النفط سيباع بسعر السوق، وسأتحكم أنا بصفتي رئيساً للولايات المتحدة في هذه الأموال لضمان استخدامها لمصلحة شعب فنزويلا والولايات المتحدة"، وتابع أنه طلب من وزير الطاقة كريس رايت تنفيذ هذه الخطة، مشيراً إلى أن سفن التخزين ستنقل النفط مباشرة إلى أرصفة التفريغ في أميركا.
وكان لافتاً بهذا الخصوص مقطع الفيديو المعدل بواسطة الذكاء الاصطناعي، والذي نشره السيناتور تيد كروز ويظهر الرئيس الأميركي وهو يقدم عرضاً سحرياً، ويظهر ضمن المقطع ترمب يؤدي خدعة سحرية ويلوح فيه بستار داكن اللون أمام كرسي فارغ، قبل أن يظهر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو جالساً ويلوح بإبهاميه للجمهور. ويظهر كذلك عدد من القادة والزعماء ضمن مقطع الفيديو جالسين يتابعون أداء ترمب السحري، منهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إضافة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وآخرين. يُذكر أن مقطع الفيديو نشره السيناتور الأميركي على صفحته بمنصة "إكس"، مرفقاً بتعليق "مذهل".
الاستنكار الدولي صرخة وقائية أكثر منه موقفاً أخلاقياً
ضمن السياق، لم ينطلق الاستنكار الدولي لما قامت به الولايات المتحدة من تعاطف مع الشخص المستهدف، مادورو، بقدر ما نبع من الخوف من السقف الذي كُسر. فالدول التي سارعت إلى الإدانة لا تدافع عن رئيس بعينه بل عن فكرة باتت مهددة، أن يبقى اعتقال رؤساء الدول خارج منطق المبادرة الأحادية، وألا تتحول القوة العسكرية إلى أداة قضائية عابرة للحدود.
هذا الاستنكار يعكس قلقاً عميقاً من انزلاق النظام الدولي نحو شرعنة منطق الاجتثاث السياسي تحت عناوين قانونية فضفاضة، فحين تمنح دولة لنفسها حق سحب رئيس دولة أخرى ومحاكمته داخل مؤسساتها، فإنها لا تضعف خصماً فحسب، بل تربك شبكة الضمانات الهشة التي تحمي الجميع بما في ذلك حلفاؤها. والرسالة التي التقطها كثر ليست "انتصار العدالة"، بل إن الحصانة لم تعد مبدأً بل باتت امتيازاً موقتاً تمنحه القوة وتسحبه متى شاءت.
لذلك، جاء الاستنكار الدولي بوصفه صرخة وقائية أكثر منه موقفاً أخلاقياً، وتعبيراً عن خوف جماعي من عالم تعاد فيه كتابة قواعد السيادة من طرف واحد، ويفتح فيه الباب أمام فوضى قانونية تسمح لكل قوة كبرى أن تبرر أفعالها بالسابقة الأميركية نفسها. في هذا المعنى، الاعتراض ليس على ما جرى فحسب، بل على ما قد يصبح ممكناً بعده.
اعتقال مادورو ليس سابقة بتاريخ الولايات المتحدة
ليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها الولايات المتحدة إلى اعتقال رؤساء دول أو قادة حاكمين، لكن الفارق اليوم ليس في الفعل بحد ذاته، بل ضمن السياق الذي يقدم فيه.
تاريخياً، تعاملت واشنطن مع هذه الحالات كـ"نتائج جانبية" لحروب، أو كفصول لاحقة لانهيار أنظمة أو كاستثناءات مرتبطة بظروف انتقالية غامضة. أما اليوم، فالفعل يطرح كخيار سياسي وقانوني مباشر، لا كارتداد عسكري ولا كهامش فوضوي بعد سقوط نظام. والخطورة هنا لا تكمن في كسر محظور لم يكسر من قبل، بل في نزع القناع عنه وتحويل ما كان يمارس ضمن مناطق رمادية إلى سلوك معلن قابل للتبرير والتكرار. وحين تعتقل قوة عظمى رئيس دولة وتقدم ذلك باعتباره "إنفاذاً للعدالة" لا امتداداً للحرب، فهي تعيد تعريف العلاقة بين السيادة والقوة، وبين القانون والغلبة. بمعنى آخر، الولايات المتحدة لم تخترع هذا السلوك، لكنها اليوم تقننه سياسياً وتخرجه من منطق الاستثناء إلى منطق الخيار. وهذا التحول هو ما يفتح الباب أمام عالم تُقاس فيه الحصانة ليس بالقانون الدولي بل بميزان القوة، ويصبح فيه مصير الرؤساء مرهوناً ليس بشرعيتهم الداخلية فحسب، بل بمدى قدرتهم على حماية أنفسهم من القبضة الأطول والأقوى.
ومنذ قيامها، اعتقلت أميركا رؤساء وقادة، منهم صدام حسين ومادورو.
خلال فبراير (شباط) 1899، دخلت الفيليبين في صراع ضد الولايات المتحدة من أجل الاستقلال، وذلك بعد انتهاء الحرب الأميركية - الإسبانية وتوقيع "معاهدة باريس" خلال الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 1898، تنازلت بموجبها إسبانيا عن الفليبين للولايات المتحدة مقابل 20 مليون دولار، وهو ما رفضته الحكومة الثورية الفيليبينية. وخلال عام 1901، اعتقل الجيش الأميركي رئيس الفيليبين وقائد النضال الوطني إميليو أغينالدو، وذلك بعد خدعة دبرها العميد الأميركي فريدريك فونستون، إذ تم التظاهر بكونهم حلفاء، مما أدى إلى إنهاء التمرد الفيليبيني المنظم فعلياً ضد الحكم.
"القضية العادلة"
وخلال الـ20 من ديسمبر1989، أصدر الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش الأب قراراً بغزو بنما، ونشرت الولايات المتحدة أكثر من 26 ألف جندي لتنفيذ عملية عسكرية أطلق عليها اسم "القضية العادلة" أطاحت رئيس البلاد مانويل نورييغا الذي اعتقُل، ووجهت له اتهامات تتعلق بالفساد السياسي وغسل الأموال وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، إلى جانب عدم القدرة على حفظ الأمن حول قناة بنما، ولكن الأهداف الأميركية كانت السيطرة على تلك القناة. ولاحقاً أصدرت محكمة أميركية حكماً بسجن نورييغا لمدة 40 عاماً.
"عملية الفجر الأحمر"
وخلال مارس (آذار) 2003، احتلت الولايات المتحدة العراق بعد ادعاءات أن نظام صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل ويشكل تهديداً للسلم العالمي. ولاحقاً اعتُقل صدام حسين خلال الـ13 من ديسمبر 2003 في بلدة الدور بالعراق، خلال "عملية الفجر الأحمر" التي نفذتها القوات الأميركية، وذلك بعد اختفائه لنحو ثمانية أشهر إثر سقوط العاصمة بغداد، وعثر عليه مختبئاً داخل ملجأ تحت الأرض قرب تكريت ونُقل إلى بغداد حيث واجه محاكمة أدت في النهاية إلى إعدامه خلال الـ30 من ديسمبر 2006.
اعتقال ثم عفو
وخلال عام 2022، وفور خروج الرئيس الهندوراسي خوان أورلاندو هيرنانديز من القصر الرئاسي وضمن مشهد صادم، حاصرت قوات النخبة المحلية وبطلب من السفارة الأميركية منزله واقتادته مكبلاً بالسلاسل من يديه وقدميه، وهو المشهد الذي وصفته وكالة "أسوشيتد برس" حينها بأنه "رسالة ردع قاسية" لكل الحلفاء السياسيين. ولاحقاً، حُوكم بتهم تسهيل استيراد نحو 400 طن من الكوكايين، وصدر بحقه داخل الولايات المتحدة الحكم بالسجن لـ45 عاماً خلال عام 2024، لكن ترمب منحه العفو، وجاء ضمن منشور على منصته "تروث سوشال"، "سأمنح عفواً كاملاً ومطلقاً للرئيس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، الذي عومل بقسوة وإجحاف كبيرين، وفقاً لأشخاص كثر أكن لهم احتراماً كبيراً".
الخلط المتعمد بين منطق الحرب ومنطق الشرطة، وتقديمه كنموذج قابل للاستنساخ
وتناقش القضية اليوم قانونياً وإعلامياً، وتصاغ حول سؤالين كبيرين هما شرعية استخدام القوة وحصانة رأس الدولة. وفي ملف مادورو بالذات، بدأت معركة قضائية حول الحصانة وادعاءات الاختطاف والاجتثاث العسكري، وتعارضه مع القانون الدولي. ولكن ما الذي يجعل هذه "السابقة" أخطر من السوابق الماضية؟
وكما سبق وذكرنا، هناك سوابق تاريخية للاعتقال القسري والاجتثاث عبر الحدود ثم المحاكمة، لكن خطورتها اليوم تتضاعف عندما تنسب إلى رئيس دولة، قائم أو متنازع على شرعيته، وبقرار تنفيذي من قوة عظمى.
ومن زاوية القانون الدولي، وفي السيادة واستخدام القوة، الأصل أن استعمال القوة داخل إقليم دولة أخرى محظور إلا باستثناءات محددة، كالدفاع الشرعي وتفويض مجلس الأمن (الفصل السابع) بموجب الميثاق مع السعي لتقليل الصراعات وحماية المدنيين، وتواجه مبادئ السيادة تحديات مع تطور القانون الدولي وتزايد التفاعلات الدولية. وحين تتحول العملية إلى "إنفاذ قانون" بالسلاح خارج الحدود، تصبح دولة بعينها هي من يعرف الاستثناء عملياً.
ومن زاوية القانون الداخلي الخاص لبعض الدول، منطق المحكمة لا ترد المتهم لأن طريقة إحضاره غير مشروعة، في التقليد الأميركي مثلاً، هناك سابقة قضائية شهيرة تقول إن الاختطاف القسري لا يمنع المحاكمة بحد ذاتها، منها قضية هومبيرتو ألفاريز–ماشين (Humberto Álvarez-Machain) وهو طبيب مكسيكي أصبح اسمه علامة فارقة في القانون الدولي، ليس بسبب موقعه السياسي بل بسبب القضية التي حمل اسمه عليها وأعادت تعريف حدود سلطة الدول خارج أراضيها. وخلال أواخر الثمانينيات، اتهمته الولايات المتحدة بالتورط في تعذيب وقتل عميل إدارة مكافحة المخدرات الأميركية (DEA) إنريكي "كيكي" كامارينا في المكسيك، وبدلاً من أن تنجح واشنطن في تسليمه عبر القنوات القضائية المكسيكية، لجأت خلال عام 1990 إلى اختطافه مباشرة من المكسيك ونقله قسراً إلى الولايات المتحدة لمحاكمته. وانفجرت القضية قانونياً ودولياً عندما طعن دفاعه بشرعية المحاكمة، معتبراً أن اختطافه انتهاك للسيادة المكسيكية وللقانون الدولي، بالتالي يجب إسقاط الدعوى. لكن المفصل كان في قرار المحكمة العليا الأميركية عام 1992، التي حكمت بأن طريقة إحضار المتهم، حتى لو كانت غير قانونية دولياً، لا تمنع المحاكم الأميركية من النظر في القضية ما دام لا يوجد نص صريح في اتفاق التسليم يمنع ذلك. وعلى رغم أن ألفاريز-ماشين بُرئ لاحقاً لعدم كفاية الأدلة وأعيد إلى المكسيك، إلا أن اسمه بقي حياً لأن قضيته فتحت الباب أمام مبدأ خطر، وهو الفصل بين شرعية الإحضار وشرعية المحاكمة. ومنحت تلك القضية الولايات المتحدة سابقة قضائية تستحضر كلما جرى تبرير عمليات "الاجتثاث القانوني" عبر الحدود، وأثارت غضباً دولياً واسعاً وعدت مثالاً على تغليب القوة على السيادة.
لهذا السبب، لا يذكر ألفاريز-ماشين كشخص بقدر ما يستحضر كـسابقة قانونية تستخدم اليوم في النقاشات حول اعتقال قادة أو مسؤولين خارج حدود دولهم، وتحديداً في الجدل الدائر حول ما إذا كانت القوة قادرة على أن تفرض نفسها كبديل عن القانون الدولي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إذاً السابقة ليست أن "الإحضار القسري ممكن"، وهذا معروف، بل إن الدولة الأقوى تطرح الإحضار القسري كرواية معيارية قابلة للتكرار ضد رؤساء حاكمين.
وهنا يطرح سؤال بديهي، من الذي سيمنع قادة الدول الكبرى في العالم من ممارسة العمل نفسه؟ من الذي سيمنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من اعتقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي؟ ومن الذي سيمنع الرئيس الصيني شي جينبينغ من احتلال جزيرة تايوان "الصغيرة"؟ وغيرها من الأمثلة حول العالم، من سيمنع دولاً قوية تمتلك جيوشاً كبيرة حول العالم، من احتلال أو اعتقال رؤساء دول صغرى أو احتلالها إذا اقتضت مصالحها ذلك. فإذا صار هذا السلوك مقبولاً ضمنياً عندما تفعله قوة كبرى، فالمشكلة ليست في النصوص بل في تآكل الردع المعياري. ولا أحد سيمنعهم بنص تلقائي، ما يمنعهم هو مزيج كلفة وردع وتوازن قوة، وليس محكمة دولية تطلق صفارة وتوقف اللعب.
لكن لنكن دقيقين، ما الذي قد يمنع بوتين من اعتقال رئيس دولة مناهضة له ومحاكمته في موسكو؟ أية محاولة اجتثاث لرئيس أجنبي تعد فعلاً سيادياً وحربياً مقنعاً، والرد المحتمل قد يكون سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وربما عسكرياً إذا كانت الدولة المستهدفة ضمن مظلة تحالف. وقد تخسر موسكو مساحة اعتراف دولي، وتفتح باباً لعقوبات أوسع وعزلة أعمق. وليست كل دولة ساحة رخوة، ونجاح عملية من هذا النوع يتطلب اختراقات وبنى تحتية، وربما تعاوناً محلياً، وإلا ستتحول إلى مغامرة فاشلة ومكلفة.
وما الذي قد يمنع الصين من اعتقال رئيس تايوان ضمن عملية مشابهة؟
هنا تصبح السابقة أشد حساسية لأن السيناريو يتداخل مع نزاع سيادي وحربي كبير. إذا عدت بكين أن تايوان شأن داخلي، فقد تزعم أنها لا تختطف عبر الحدود، بل تعتقل داخل الإقليم الصيني.
ولكن ما الذي يمنعها عملياً؟
معادلة الحرب الشاملة، فهذا السيناريو ليس عملية توقيف بل شرارة تصعيد قد يجر الإقليم إلى حرب واسعة. كما أن الكلفة الاقتصادية المرتفعة على الصين، من سلاسل إمداد وعقوبات وأسواق واستثمارات، قد تكون رادعاً أقوى من أي نص قانوني. وأية خطوة من هذا النوع ستقرأ كتحول نوعي في قواعد اللعبة، مما يرفع احتمالات الردع العسكري أو في الأقل الحصار والعقوبات المنسقة.
الفكرة الأخطر، حق القوة ينتحل صفة حق القانون
ولا بد من الإشارة، إلى أخطر ما في "سابقة ترمب"، إذا استقرت كنهج، أنها تنتج نموذجاً عالمياً جديداً. فالتجريم يصبح أداة جيوسياسية، بمعنى من يملك القدرة على الوصول إليك يستطيع أن يحولك من خصم سياسي إلى متهم جنائي.
أيضاً يصبح الاعتراف السياسي هو من يقرر الحصانة، في ملف مادورو مثلاً، معركة هل هو رئيس فعلي؟ تدخل مباشرة في سؤال الحصانة أمام القضاء الأميركي. أضف إلى تآكل قاعدة عدم استخدام القوة، لأن كل طرف سيسمي ضربته "عملية إنفاذ قانون"، أو "مكافحة إرهاب" أو مخدرات وإبادة وغيرها، وسيكون العنوان جاهزاً.
هل هذا يعني أن العالم سيطبع هذا السلوك؟
ليس بالضرورة، وغالباً سيحدث التالي معاً، الحلفاء سيبررون عند الحاجة، والخصوم سيستنكرون ثم يحتفظون بالحق في التقليد، أي تطبيع انتقائي.
وحتى إن لم تقلد روسيا والصين بالنمط نفسه فوراً، فإن منطق الاستدعاء القسري سيظهر بصيغ أخرى، أي احتجاز رهائن قانوني ومذكرات توقيف مسيسة ومحاكمات غيابية… إلخ. وبدلاً من أن تكون العدالة أداة ردع محايدة، تصبح جزءاً من ترسانة الصراع.
في المحصلة، إذا كرست هذه السابقة فهي لا تمنح واشنطن "يداً أطول" فحسب، بل تمنح كل قوة كبرى تبريراً جاهزاً، "ما دام الأقوى يفعلها باسم القانون، فلماذا نُلام نحن إن فعلناها باسم سيادتنا؟".