Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من غزو بنما إلى اعتقال مادورو تحول أدوات القوة الأميركية

حين صار الغزو عبئاً، أعادت واشنطن تعريف القوة: من احتلال الأرض إلى اعتقال الرأس عبر القضاء.

لم تتخل واشنطن عن استخدام القوة، لكنها أعادت تعريفها وانتقلت من الدبابة إلى الخوارزمية، ومن احتلال الأرض إلى تحييد الرأس (اندبندنت عربية)

ملخص

ترصد المقارنة بين غزو بنما عام 1989 واعتقال نيكولاس مادورو عام 2026 تحولاً جوهرياً في أدوات القوة الأميركية، فبعدما كان الغزو الشامل خياراً طبيعياً، أصبح عبئاً سياسياً واستراتيجياً، واستُبدلت به عمليات محدودة تعتمد على الاعتقال، والقضاء، والتفوق الاستخباراتي، لتحقيق الأهداف نفسها بكلفة أقل.

العملية الخاطفة التي انتهت باعتقال مادورو، أعادت للذاكرة ما فعلته الولايات المتحدة في بنما قبل عقود. حينها استخدمت واشنطن اتهامات تتعلق بالمخدرات ذريعة لاعتقال رئيس دولة، ونقله إلى الأراضي الأميركية لمحاكمته. اليوم يتكرر المشهد بأسلوب مختلف، لكن بالفكرة نفسها: ملاحقة قانونية، وتدخل مباشر، ثم احتجاز داخل أميركا. بين هذه وتلك مر أكثر من ثلاثة عقود، استخدمت خلالها القضايا نفسها والإجراءات والاتهامات ذاتها، لكن الأدوات تغيرت. في الأولى كان التدخل غزواً عسكرياً انتهى بسقوط قتلى، حتى من الجانب الأميركي، أما في الثانية فقد أسعفت التكنولوجيا الولايات المتحدة بأدوات عن بعد، وقصف محدود، وقوة صغيرة للوصول إلى الرئيس المطلوب.

عندما دخل الجيش الأميركي بنما في ديسمبر (كانون الأول) 1989، نفذت واشنطن عملية عسكرية واسعة أقرب إلى حرب تقليدية مكتملة، استخدمت فيها قوات برية وجوية وبحرية داخل مدينة مأهولة، ووفقاً لتقارير رسمية صادرة عن وزارة الدفاع الأميركية، شارك في العملية أكثر من 27 ألف جندي، بينهم وحدات من القوات المحمولة جواً وقوات النخبة، بهدف إسقاط نظام مانويل نورييغا واعتقاله.

أسفرت المعارك، ولا سيما في أحياء بنما سيتي المكتظة مثل حي "أل تشوريو"، عن دمار واسع وخسائر بشرية، إذ قدرت وزارة الدفاع الأميركية عدد القتلى من المدنيين بالمئات، في مقابل مقتل 23 جندياً أميركياً، غير أن منظمات حقوقية وتقارير مستقلة ذهبت إلى أرقام أعلى، وسط جدل مستمر حول العدد الحقيقي للضحايا.

ويشير المؤرخ العسكري لورنس ييتس، في دراسة صادرة عن مركز التاريخ العسكري للجيش الأميركي، إلى أن ما جرى لم يكن عملية اعتقال خاطفة، بل تحول في ديسمبر 1989 إلى قتال حضري كثيف، استخدمت فيه القوات الأميركية قوة نارية واسعة داخل أحياء سكنية قريبة من مقار القيادة البنمية، مما أدى إلى دمار كبير وسقوط أعداد من الضحايا المدنيين. وتخلص دراسات تحليلية لمؤسسة راند إلى أن غزو بنما شكّل نموذجاً كلاسيكياً لاستخدام القوة الصلبة لتحقيق هدف سياسي مباشر، من دون حساب كافٍ للكلفة المدنية.

وبحسب تقرير لاحق أعدته خدمة الأبحاث في الكونغرس الأميركي، فإن إسقاط النظام تحقق بسرعة، غير أن العملية فتحت داخل واشنطن نقاشاً واسعاً حول جدوى الغزو الشامل مقارنة ببدائل أقل كلفة سياسياً وعسكرياً.

الموسيقى كسلاح

من بين الأدوات غير التقليدية التي لجأ إليها الجيش الأميركي خلال عمليته في بنما، لم تكن الأسلحة الثقيلة ولا الخفيفة هي وسيلة الضغط الأساسية، بل الموسيقى، فحين لجأ مانويل نورييغا إلى مقر سفارة الفاتيكان في مدينة بنما هرباً من الاعتقال، واحتراماً للأعراف الدبلوماسية، امتنعت القوات الأميركية عن اقتحام السفارة، لكنها لجأت إلى وسيلة غير تقليدية لإجباره على الخروج: حرب نفسية بالموسيقى.

نُصبت مكبرات صوت حول محيط السفارة، وبثت على مدى الساعة موسيقى صاخبة من الروك والهيفي ميتال، حملت عناوين ورسائل مباشرة، من بينها "Paranoid" و"No More Mister Nice Guy" و"Welcome to the Jungle".

ومع تصاعد الجدل حول الأسلوب المتبع، بما في ذلك انتقادات صدرت من داخل الإدارة الأميركية نفسها، جرى إيقاف الحملة الصوتية بعد أيام.

وكان الغزو الأميركي قد انطلق في الـ20 من ديسمبر 1989، فيما انتهت المواجهة في الثالث من يناير (كانون الثاني) 1990 بتسليم نورييغا نفسه للقوات الأميركية، قبل نقله إلى ميامي حيث خضع للمحاكمة.

من الغزو إلى المحكمة

بعد انتهاء العمليات العسكرية لم تتوقف المعركة عند حدود بنما، فقد جرى نقل مانويل نورييغا إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، في سابقة اعتبرتها وزارة العدل الأميركية لاحقاً جزءاً من "استراتيجية ردع قانونية"، تهدف إلى توجيه رسالة لقادة المنطقة بأن السيادة لا تمنح حصانة من الملاحقة.

 

ويرى محللون في مجلس العلاقات الخارجية أن هذه السابقة أسست لمنطق جديد في السياسة الأميركية، يقوم على استخدام القضاء امتداداً للقوة العسكرية، لا بديلاً عنها.

اصطياد الرأس بدل غزو الدولة

بعد أكثر من ثلاثة عقود عادت واشنطن لتطبيق منطق مختلف بالهدف نفسه، ففي الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري، جرى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو داخل بلاده، في عملية خاصة محدودة، ثم نقله جواً مع زوجته إلى نيويورك.

صنفت العملية ضمن ما يعرف عسكرياً بمفهوم "اصطياد الهدف العالي القيمة"، وهو مفهوم تطور داخل الجيش الأميركي منذ حروب أفغانستان والعراق، ويقوم على تحييد القيادة مباشرة بدل الانخراط في حرب شاملة، وهو تصنيف لم يكن مطروحاً زمن غزو بنما، حين كانت القوة تقاس بالسيطرة على الأرض لا بتحييد الرأس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من حرب الجيوش إلى حرب الشبكات

يرى الباحث مايكل أوهانلون من معهد بروكينغز أن التجارب الأميركية أثبتت أن احتلال الدول أسهل من إدارة نتائج الاحتلال، مضيفاً أن واشنطن باتت تفضل "إسقاط الرأس بدل تحمل عبء الجسد". وتدعم هذا التوجه دراسات صادرة عن كليات عسكرية أميركية، تشير إلى أن الغزو الشامل يفتح فراغات أمنية طويلة الأمد، ويفرض أكلافاً سياسية وعسكرية تتجاوز الهدف الأصلي للعملية.

في هذا السياق، تنظر قيادة العمليات الخاصة الأميركية إلى العمليات المحدودة العابرة للحدود باعتبارها جزءاً مما يسمى "الحرب الرمادية"، الواقعة بين الحرب الشاملة والعمل الاستخباراتي التقليدي، حين تتحقق الأهداف السياسية من دون انزلاق إلى احتلال طويل.

يرى باحثون في مراكز أبحاث أميركية أن الفارق الجوهري بين عامي 1989 و2026 لا يكمن في القرار السياسي بحد ذاته، بل في طبيعة الأدوات المتاحة، ففي أواخر الثمانينيات كانت القوة العسكرية تقاس بحجم القوات وقدرتها على السيطرة الميدانية، وهو ما جعل الدبابات والقاذفات والإنزال البري أدوات أساسية لتحقيق الأهداف.

غير أن دراسات صادرة عن مؤسسة راند تؤكد أن التطور التكنولوجي في مجالات الاستطلاع الفضائي واعتراض الاتصالات وتحليل البيانات غيّر مفهوم القوة جذرياً، إذ باتت القدرة على الوصول إلى الهدف بدقة أهم من السيطرة على الأرض. وخلصت أوراق بحثية نشرتها الكلية الحربية الأميركية إلى أن التفوق المعلوماتي والاستخباراتي قلص الحاجة إلى الحشود العسكرية، وسمح بتنفيذ عمليات محدودة تحقق الأثر السياسي نفسه من دون كلفة الغزو الشامل.

لم تتخل واشنطن عن استخدام القوة، لكنها أعادت تعريفها وانتقلت من الدبابة إلى الخوارزمية، ومن احتلال الأرض إلى تحييد الرأس، في تعبير واضح عن تحول عميق في طريقة إدارة الصراع وفرض النفوذ.

وأمضى نورييغا أكثر من عقدين في السجن بالولايات المتحدة، وسجن بعد ذلك عامين في فرنسا بتهمة غسل أموال، قبل أن يسلم إلى بنما في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011، وتوفي في بلاده في منتصف عام 2017 عن عمر ناهز 83 سنة، إثر إصابته بنزف دماغي بعد عملية جراحية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير