ملخص
إطاحة مادورو كشفت أن ترمب بات أكثر استعداداً لاستخدام القوة وتنفيذ تهديداته، ما يجعل سياسة "احتوائه" أصعب ويضع حلفاء واشنطن أمام خطر زعزعة النظام الغربي. ومع تصاعد نزعاته التوسعية وابتزازه الأمني والاقتصادي، يقترب الغرب من لحظة يصبح فيها ثمن التبعية أعلى من مكاسبها ويغدو التفكير المستقل في المصالح ضرورة لا خياراً.
كانت رد فعل القادة الغربيين - المتحفظة إلى حد ما - على الخطوة الاستثنائية التي أقدم عليها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والمتمثلة في إزاحة نيكولاس مادورو خلال عطلة نهاية الأسبوع، أمراً متوقعاً إلى حد بعيد. فما زلنا نعيش مرحلة جيوسياسية لا يرغب فيها أحد بالقيام بأية خطوة من شأنها إزعاج إدارة ترمب.
في الواقع، أحجم معظم حلفاء الولايات المتحدة الغربيين عن انتقاد ترمب، وفضلوا بدلاً من ذلك الاحتفاء بنهاية حقبة مادورو، مكتفين بالذهاب إلى حد الدعوة إلى ضبط النفس من جانب البيت الأبيض في ما يتعلق بالخطوة التالية. ولا شك في أن كون مادورو شخصية سيئة السمعة دولياً جعل مجاراة هذا الموقف والتصفيق له أمراً أسهل.
الأولوية القصوى المطلقة لدى هؤلاء تمثلت في تجنب إثارة غضب رجل شديد الحساسية تجاه الانتقاد، يقود - شاء من شاء، وأبى من أبى - دولة ما زالت اللاعب الأهم في ما تبقى من النظام العالمي الغربي.
وبغض النظر عن أية تحفظات شخصية قد تُثار إزاء دونالد ترمب أو أسلوبه في إدارة الأمور، فلا توجد دولة على وجه الأرض تضاهي الولايات المتحدة من حيث الجمع بين التفوق العسكري والنفوذ الاقتصادي والثقل الدبلوماسي. وبالنسبة إلى حلفاء واشنطن التاريخيين - ولا سيما في أوروبا - فإن الحفاظ على علاقات ودية مع الرئيس الأميركي يعد أمراً حيوياً للغاية للأمن القومي والاستقرار الداخلي. ومهما صدر عن البيت الأبيض من انفعالات غاضبة، يبقى من الأسهل بكثير احتواء ترمب ومحاولة توجيه تفكيره نحو مسار معين من موقع الصداقة والتقارب، لا من موقع المواجهة العدائية.
هذا كان، في الأقل، منطق الحسابات. غير أن ترمب في ولايته الثانية بدأ بالفعل يغير قواعد اللعبة.
ففي الدنمارك، سادت حال من الذعر المبرر، بعدما كرر ترمب موقفه قائلاً: "نحن (الولايات المتحدة) في حاجة لغرينلاند، بلا أدنى شك. نحتاج إليها لأسباب دفاعية". هذا الموقف دفع برئيسة وزراء الدنمارك إلى تذكيره بأن بلادها عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مطالبة إياه بالكف عن إطلاق التهديدات. وهذه التهديدات، لمن يحتاج إلى تذكير، تشمل زعمه أن الولايات المتحدة "ستحصل على" غرينلاند "بطريقة أو بأخرى". وكان ترمب أدلى في السابق بتصريحات مماثلة في شأن كندا، ملمحاً إلى إمكان ضمها لتصبح الولاية الأميركية الـ51.
وفي حين أن ضم كندا أو غزو أراضٍ دنماركية قد يبدو مسألة مختلفة كلياً عن إطاحة ديكتاتور في أميركا الجنوبية، إلا أن خلع مادورو يجب أن يدفع حلفاء الولايات المتحدة إلى وقفة تأمل جدية.
فقد أظهر ترمب اليوم أنه مستعد لاستخدام القوة العسكرية لتنفيذ تهديداته، ومع مرور الوقت، أصبح أكثر تركيزاً على هاجس واحد وأكثر تقلباً واندفاعاً في سلوكه. ويبدو أنه بات أكثر استعداداً لمواجهة قاعدته المناهضة للتدخل الخارجي عندما يناسبه ذلك. وهذا أمر ينبغي أن يثير قلق الحلفاء الذين يُكن لهم أصلاً قدراً من الازدراء غير المعلن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد لا يُقدم ترمب، بصورة مباشرة، على غزو دولة عضو في "حلف شمال الأطلسي"، إلا أن ذلك لا يعني أنه عاجز عن زعزعة استقرار النظام الغربي برمته. من هنا، ينبغي الآن أخذ تهديداته المتكررة بإدارة ظهره لأوكرانيا وقطع التمويل الأميركي عن حلف "الناتو" ودعم الحركات القومية في مختلف أنحاء أوروبا، على محمل الجد.
في مرحلة ما، يأتي وقت يتغير فيه الميزان، فتغدو كلفة التبعية للولايات المتحدة أعلى من فوائدها. وتعلمنا بالطريقة الصعبة أن الاعتماد على واشنطن في مجال الأمن يجعلنا تحت رحمة نزوات دونالد ترمب. ونعلم أيضاً أنه مستعد لمعاقبة الدول اقتصادياً إذا ما تجرأت على منافسة الصناعات الأميركية، حتى ولو كان ذلك على حساب المستهلك الأميركي نفسه.
نحن نقترب من تلك اللحظة. وعلى بقية دول الغرب أن تتوقف عن القلق المفرط حيال إرضاء ترمب، وأن تبدأ بدلاً من ذلك في التفكير بقدر أكبر من الوضوح في مصالحها الخاصة. ليس من المستحيل الوقوف في وجه ترمب واستخدامه قوة الولايات المتحدة سلاحاً وأداة ضغط، لكن القيام بذلك يتطلب وحدة لا تتزعزع. بالطبع، سيبقى هناك من يسعى إلى كسر الصفوف بهدف نيل رضا ترمب، لكن ينبغي تذكير هؤلاء بأن الولايات المتحدة لا تعرف الإخلاص في "العلاقات الخاصة".
كان المدافعون عن فكرة أن الولايات المتحدة دولة "استثنائية" بطبيعتها يرون أن قيم الحرية والديمقراطية ومبدأ الاستحقاق والكفاءة تجعلها قوة فريدة للخير في العالم. لكن في ولاية ترمب الثانية، بات معنى هذه "الاستثنائية" مختلفاً تماماً. ومجرد كوننا أصدقاء للولايات المتحدة لا يعني بالضرورة أننا ملزمون بقبول نهجها، والسير على خطاها.
© The Independent