Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا أنا ملحد؟ سؤال قديم وزوابع متجددة

يبقى الإلحاد سراً من أسرار المجتمع فالأعداد غير معروفة والتقديرات لا يمكن الوثوق بها والتعامل معهم لا يخضع لقواعد بعينها

لا تعترف مصر إلا بالديانات "السماوية" الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام (موقع التواصل)

ملخص

بين 866 ملحداً معروفين بالاسم وبضعة آلاف و3 ملايين ملحد يختبئون خلف شاشاتهم تتراوح الأرقام التي يصفها الناطقون بها بأنها دقيقة ومحسوبة ولا يشكك فيها المتلقون باعتبار وجود ملحد واحد ناقوس خطر وطبول حرب تقرع ضد الدين ويظل هناك فريق صغير يرفض أن يصدق أن ما يدور من أحاديث حول الإلحاد ويجري تداوله من أرقام حول نسبهم وما يُطرح من أسئلة حولهم مثل ما الأماكن التي يوجد فيها الملحدون؟ ومن أكثر شخص ملحد في مصر؟ هي واقع لا مشاهد منقولة من أفلام خيال غير علمي.

نتائج البحث عن الإلحاد في مصر جديرة إما بفيلم كوميدي شديد الإضحاك، أو ببند علاجي يضاف إلى قوائم العلاج التي يعد بها الدجالون، أو مادة يجري إخراجها من المخازن وقت اللزوم في حروب التراشق اللفظي ومبادرات الضرب تحت الحزام في أوقات الاحتقانات السياسية والتنابز الاجتماعي.

تقرأ دراسة هنا، فتشعر بأن الـ108.5 مليون مصري خالون تماماً من المادة الفاعلة لتصنيع الإلحاد. وتطالع تقريراً هناك، فينتابك إحساس بأنه في كل بيت ثمة ملحد، وفي كل شارع ملحدة، وأن الملاحدة في كل نجع وقرية ومدينة. وتطلع على أرقام أو معدلات خاصة بالإلحاد والملحدين، فتشعر بأن الأرقام تتحدث عن دولتين تفصل بينهما جبال وهضاب ومحيطات وأودية وكثبان رملية وتكتلات ثلجية.

عدد محدد جداً

بين 866 ملحداً معروفين بالاسم، وبضعة آلاف، و3 ملايين ملحد يختبئون خلف شاشاتهم، تتراوح الأرقام التي يصفها الناطقون بها بأنها دقيقة ومحسوبة، ولا يشكك فيها المتلقون باعتبار وجود ملحد واحد ناقوس خطر وطبول حرب تقرع ضد الدين، ويظل هناك فريق صغير يرفض أن يصدق أن ما يدور من أحاديث حول الإلحاد، وما يجري تداوله من أرقام حول نسبهم، وما يُطرح من أسئلة حولهم مثل ما الأماكن التي يوجد فيها الملحدون؟ ومن أكثر شخص ملحد في مصر؟ هي واقع، لا مشاهد منقولة من أفلام خيال غير علمي.

"يسير الملحدان أيمن فهمي وحازم حسين في وسط القاهرة. يرتدي الأول جاكيت داكناً، ويضع الثاني "كوفية" فلسطينية على كتفيه. وعلى رغم أن مظهرهما غير لافت فإنهما يقولان إن بعضهم يسمع حديثهما أحياناً، أو يتعرف إليهما، ويقرر أن يناقشهما في ما يعتقدان". ويقول الملحدان إنهما يتعرضان أحياناً للهجوم أو الضرب لو رفضا النقاش في الشارع، وإن المناطق الراقية هي الأنسب للقاء الملحدين، والشعبية لا تناسب مثل هذه التجمعات. يحكيان ما يحدث في مقاهٍ وسط القاهرة حيث بعضهم يسمع ما يقولانه فيسألهما عن سبب إلحادهما، وهناك من يتوجه إلى صاحب المقهى ليخبره أن مقهاه يؤوي ملحدين".

 

ما سبق نموذج من تقرير صحافي (بتصرف) عن الملحدين، عنوانه "ملحدون يؤكدون أن مقاهي وسط البلد الأنسب لتجمعاتهم". والنماذج كثيرة من بينها مثلاً لقاء تلفزيوني قبل أعوام قليلة، أكد خلاله الضيف، وهو رجل دين يشغل منصباً في الأزهر الشريف أن مصر تحتل المركز الأول في نسبة الإلحاد على مستوى الدول العربية، وطالب الأهل باحتواء الأبناء لمواجهة هذه "الظاهرة"، موضحاً أن الأسئلة التي تشغل بال الملحد طرحت من قبل، وأن الأزهر قدم إجابات لها، ويعقد دورات لمناقشة ظاهرة "الإلحاد" وكيفية مواجهتها.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، حددت وزارة الأوقاف المصرية موضوع خطبة الجمعة ليكون الإلحاد وسبل مواجهته وطرق تثبيت الإيمان، وتحدث الخطباء في هذه الجمعة عن أن اليقين هو طمأنينة القلب وراحة الروح، ويجب أن يكون الركيزة التي تجعل المسلم ثابتاً أمام تقلبات الحياة، وعلى رأسها الأسباب النفسية والفكرية التي تعرض بعضهم لخطر الإلحاد، محذرين من خطورة الإلحاد المعاصر باعتباره أزمة فكر.

"كورسات" مواجهة

خلال الأعوام الأخيرة، امتلأ الأثير بإعلانات وتنويهات عن "كورسات مواجهة الإلحاد"، تارة بمصاريف وأخرى لوجه الله تعالى. دورات تدريبية لتدريب المشتركين على التعرف إلى علامات الإلحاد، وأخرى دفاعية لاتخاذ اللازم تجاه جيوش الملحدين، وثالثة وقائية تحسباً لظهور علامة من علامات الإلحاد، ورابعة للطريقة المثلى للتصرف مع الفتيان الذين تظهر عليهم علامة من علامات الإلحاد، وخامسة مخصصة لمواجهة الإلحاد الإلكتروني وغيرها كثير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعام 2024، سرت مخاوف وأثيرت أقاويل وثارت ثورة كثر لدى الإعلان عن تدشين مؤسسة "تكوين" التي تقول عن نفسها إنها "تعمل على تطوير خطاب التسامح، وفتح آفاق الحوار والتحفيز على المراجعة النقدية وطرح الأسئلة حول المسلمات الفكرية، وإعادة النظر في الثغرات التي حالت دون تحقيق المشروع النهضوي الذي انطلق قبل قرنين".

وواجهت المؤسسة مقصلة شعبية وأخرى دينية خوفاً من أن يؤدي التفكير إلى كفر والحوار إلى نقد والتسامح إلى اهتزاز أساسات الدين والأسئلة إلى شك والحديث عن ثغرات إلى وقوع في محظور إنكار الدين والبحث عن النهضة بعيداً من الدين ورجال الدين.

وبين الحين والآخر، تظهر فزعة شعبية دينية يحركها الإعلام، أو يتحدث عنها بعضهم سراً، لكن السر لا يكتب له البقاء، أو تفجرها الـ"سوشيال ميديا" مما يحولها من "قيل وقال" أو حدث جرى لأحدهم إلى ظاهرة طاغية وسمة جارفة تهدد الحياة وتنذر البشرية بالفناء.

مرحباً أنا ملحد

احتمال أن تلتقي شخصاً في مصر يحييك قائلاً "مرحباً. أنا ملحد"، أو يخبرك أثناء التعارف بأنه ملحد، تكاد تشكل واحداً بين كل 108 ملايين. وتبادل الحديث بين مجموعة من الأشخاص في مقهى أو بينما ينتظرون الباص، أو في عربة المترو حول منظومة الإلحاد وأسبابه وعوامله قد تجدها في تقرير صحافي جريء، أو في إشارة لرجل دين أوكلت إليه مهمة مكافحة الإلحاد، أما أن تشهد ذلك بنفسك فيقترب الاحتمال كثيراً من الصفر.

ورغم ذلك يظل هناك ملحدون، وتظل الفكرة جاذبة لبعضهم، وشرارة جنون لبعضهم الآخر، فقبل أشهر أثار الإعلان عن قرب خروج فيلم "الملحد" الذي ألف قصته الكاتب الصحافي والإعلامي إبراهيم عيسى موجة عارمة من الاستنفار بين الملايين. خصوصاً أن كلمة "الملحد" وتصريفاتها جميعاً تثير ربكة وغضب واستنفار غالبية المصريين.

 

وبين دعوات قضائية إلى منع عرض الفيلم من دون أن يعرف المتقدمون بالدعوات قصته، وموجة من الغضب الشعبي رفع معظمها راية الدفاع عن الدين من دون الإلمام بما يتضمنه الفيلم من فكرة أو رسالة أو هدف، وشد وجذب بين المؤسسات الدينية الإسلامية الرسمية والقائمين على الفيلم من مؤلف ومنتج، تأجل عرض الفيلم نحو عام ونصف العام.

قصة الفيلم تتطرق إلى شاب ينشأ في بيئة دينية شديدة "الالتزام" (وكلمة التزام باتت تستخدم إما للتعبير عن التشدد أو المفاخرة بالتدين)، لكنه يجد نفسه منجذباً لأفكار مغايرة تقوده نحو الشك ويعلن لوالدته "أنا كفرت".

ويتعرض الفيلم لأثر الغلو والتشدد الذي بات يعتري كثر على اعتبار أنه كلما زاد التطرف اشتد التدين. وعلى رغم أن الرقابة على المصنفات الفنية أجازت عرض الفيلم، وأشارت في حينها إلى أنه "لا يشوه الدين الإسلامي قط، بل يكشف الحجاب عن بعض الذين يفسرون الإسلام على أهوائهم"، فإن الأهواء التي ترتعد أوصال أصحابها لدى ذكر كلمات تمثل بالنسبة إليهم تهديداً للدين وكراهية للمتدينين، أجلت عرض الفيلم لحين بت القضاء الإداري منعه "لأنه يسيء للإسلام".

جهود "هدم الدين"

بدأ العد التنازلي لعرض الفيلم، والقائمون عليه يضعون أياديهم على قلوبهم تحسباً لحجة هنا وتدخل هناك يؤديان إلى تجديد التأجيل. والفيلم تقرر عرضه ليلة رأس السنة، مما أعاد إشعال نيران المعترضين ممن ينصبون أنفسهم مدافعين عن الدين ومقاتلين من أجل مواجهة الملحدين. ويهرع معظم هؤلاء في مثل هذه المناسبات إلى التحذير من "ظاهرة انتشار الملحدين"، ويدعون إلى مواجهتهم ووأد جهودهم لهدم الدين في مصر.

علماء الاجتماع يفرقون بين الحدث والظاهرة، فحين يتجاوز الحدث كونه حالاً فردية ليصبح نمطاً متكرراً، فالتكرار والاستمرارية، قد يتحول إلى ظاهرة. وحين يؤثر الحدث في عدد كبير من الأفراد في المجتمع، يمكن أن يوصف بـ"الظاهرة"، وعندما يصبح قابلاً للرصد والمراقبة والدراسة العلمية والاجتماعية والقياس، يصبح ظاهرة. وعندما تبدأ المؤسسات والسياسات وعلاقات الأفراد في المجتمع تتأثر بتكرار الحدث، يصبح ظاهرة.

ووصف الإلحاد بـ"الظاهرة" في ظل غياب كل ما سبق يحتاج إلى مراجعة وتدقيق، وتزداد المراجعة صعوبة ويصبح التدقيق شبه مستحيل في ظل عادات وتقاليد وثقافة عامة تنفر من التطرق إلى مواضيع مثل الإلحاد، وردود فعل حكومية وقانونية يصعب التكهن بها في حال جاهر أحدهم بإلحاده، مما يجعل توثيق الإلحاد أو حتى التعرف إلى حجمه أو دوافعه عملية شبه مستحيلة.

إحدى الدراسات العلمية النادرة في هذا الشأن أطروحة ماجستير أعدها الباحث وائل أسامة السكري تحت عنوان "الصيرورة والوجود: الإلحاد كتجربة اجتماعية في مصر" (2015)، إذ يشير إلى أن الدولة لا تعترف إلا بالديانات "السماوية" الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، مما يجعل تقدير عدد أتباع الديانات الأخرى أو عدد المصريين غير المتدينين أمراً غير وارد، إذ لا يجري إحصاؤهم في التعداد الرسمي، لكنه يشير إلى استطلاعات رأي أجرتها "غالوب" في مصر تعود لعام 2009 وتدل نتائجها على "ندرة الإلحاد في مصر".

وبحسب الاستطلاع، قال 100 في المئة من المصريين إن الدين جزء مهم من حياتهم اليومية، ويتوافق استطلاع "غالوب" مع استطلاع رأي أجرته مؤسسة "بيو" عام 2013، وأفاد بأن 84 في المئة من المسلمين المصريين يؤيدون عقوبة الإعدام على من يرتد عن الإسلام، وأن 95 في المئة يؤيدون أن يقوم الإسلام بدور كبير في السياسة.

ويرى السكري أن هذه النتائج تسلط الضوء على الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالإلحاد في مصر، بالتالي الصعوبات الكبرى في تحديد عدد الملحدين أو اللادينيين في مصر، ومعظمهم يفضل إبقاء آرائه الدينية سرية لحماية نفسه من الملاحقة القانونية والوصم الاجتماعي.

حصار التفكير

يشار إلى أن "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" (منظمة حقوقية مصرية) أصدرت تقريراً عنوانه "حصار التفكير: قضايا ازدراء الأديان خلال عامين من الثورة" (2013)، ورصدت المبادرة على مدى عامين (2011-2013) ما سمته "تصاعد الملاحقات الهادفة إلى التضييق على حريات الرأي والاعتقاد والتعبير من قبل فاعلين اجتماعيين غير ذوي صفة رسمية، وهي الملاحقات التي كان ضحاياها في الغالب مواطنين عاديين ليسوا بالضرورة من أصحاب الرأي المعروفين أو الشخصيات العامة كما كانت الحال خلال العقدين السابقين لأحداث عام 2011.

كذلك رصدت ميل المؤسسات الدينية وتيارات الإسلام السياسي إلى المطالبة بفرض الرقابة على وسائط التعبير والـ"سوشيال ميديا"، وتحرير بلاغات ضد أصحاب الرأي المخالف، ومحاصرة المحاكم حيث تجري محاكمة المتهمين بازدراء الأديان بغرض التأثير في القضاة. وأشارت المبادرة إلى دور القضاء "الذي تبنى تفسيرات محافظة لنصوص مواد القانون، والميل إلى التضييق على حرية الاعتقاد والتعبير".

وبعيداً مما جرى خلال عامي 2012 و2013، وهيمنة تيارات الإسلام السياسي على الحكم والشارع، مما أدى إلى هزات عنيفة في إيمان بعضهم جراء أفعالها، فإن السياسات العامة ومشاعر القاعدة العريضة من المصريين تتفق وتميل إلى التضييق على التعبير العلني عن الأفكار الدينية غير التقليدية، فما بالك الإلحاد. كذلك تضيق الصدور بصورة عامة من طرح أسئلة "خارج المنهج" الديني المقرر على الشارع.

السكري يصف ضمن دراسته مسار الإلحاد، أو التحول إلى الإلحاد، بأنه يحوي مجموعة شاملة من المتغيرات والتأثيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى الخبرات الحياتية والأفكار والمشاعر التي قد تدفع الشخص إلى الإلحاد، ويشير إلى أن هذا التحول قد يبدو وكأنه عملية واضحة تبدأ من نقطة معينة مثل الإيمان، أو في الأقل التعرض لنشأة دينية، ثم تسير إلى نقطة أخرى وهي عدم الإيمان أو الإلحاد، لكن يبقى الإلحاد عملية ديناميكية متحولة ومتغيرة. ويشرح أن التحول إلى الإلحاد تجربة فردية بامتياز تتأثر بتفاصيل فريدة في حياة الأشخاص، وليست سمات عامة لكل الناس.

 

وعبر دراسة عدد من الأفراد الذين قالوا إنهم ملحدون، وجد السكري أن التنشئة التي لا يحتل فيها الدين مكانة الصدارة لا تدفع الأبناء إلى الإلحاد بالضرورة، وأن التنشئة الدينية الصارمة تؤدي إلى صراعات بعضها يأتي بنتائج عكسية، إذ يسعى الأفراد إلى مقاومة سيطرة أسرهم، وقد يلجأون إلى التخلي عن الدين تماماً. ووجد أيضاً أن بعضاً ممن تخلوا عن الدين واجهوا معركة فكرية بين التكوين الثقافي الديني من جهة، والرغبة في أنماط حياة بديلة من جهة أخرى.

وأشار السكري إلى أنه لم يتمكن من العثور على إجابات محددة تشرح التأثيرات الخارجية التي تؤدي إلى دفع شخص ما لاختيار الابتعاد تماماً من الدين. ربما تكون خليطاً من العولمة والاطلاع على ثقافات مختلفة والقدرة على الولوج إلى أرجاء العالم شتى عن طريق الفضاء الإلكتروني.

أما آليات التعايش كشخص اختار الابتعاد تماماً من الدين في مجتمع يفاخر بأنه متدين بالفطرة، فأبرزها التظاهر والتأكيد على ما هو غير موجود. ويقول السكري إن غالبية الأشخاص الذين تحدث إليهم أكدوا أن التظاهر بالإيمان أقصر الطرق للسلامة والتعايش من دون مشكلات، وعدم الإفصاح عن معلومات حول الهوية أو الأفكار يساعد في إغلاق باب الضغوط الاجتماعية والتساؤلات. وهناك من يلجأ إلى التنكر في صورة "متدين" فيؤدي طقوساً عبادية أمام الجميع، أو يتبنى المفردات الدينية في الحديث. وقد يلجأ إلى التأكيد على الإيمان، مع الإشارة إلى إنه مؤمن ولكنه لا يصلي مثلاً.

دور الدولة

ولا يخلو الحديث عن الإلحاد من دور الدولة، يقول السكري إن الدولة تعد الملحدين تهديداً لأنها "تضطلع بدورها المتوقع وهو حماية الإسلام، بخاصة في سياق اجتماعي يتسم بالعداء تجاه حرية المعتقد والدين". ويضيف أن مؤسسات الدولة ربما تستجيب لسياق سياسي متقلب يحتاج أحياناً إلى تعريف "المواطن الصالح"، مع تأكيد تدينها الذي يتناقض ويتعارض مع وجود ملحدين.

وقبل أيام، تحدث وزير الأوقاف المصري أسامة الأزهري في "صالون ماسبيرو الثقافي" عن "ظاهرة الإلحاد في العالم"، وقال إنها تشهد تسارعاً متزايداً منذ الأعوام الأولى للألفية الثالثة، وأشار إلى رصد نشاط ملحوظ بدءاً من عام 2005، تفاقم عامي 2012 و2013، مؤكداً أنها ليست ظاهرة جديدة، بل تظهر بين الوقت والآخر وملوحاً إلى ما سماه "موجات إلحاد" شهدتها ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي بين عدد من الكتاب والمثقفين". وذكر عدداً من الأسماء قبل أن يقول إن هذه الموجات تغيرت خلال العقود اللاحقة.

ورغم تطرق الأزهري إلى أفكار فلسفية متعمقة حول الإلحاد طرحها بعض الفلاسفة مثل غراهام أوباي، واصفاً إياها بـ"أطروحة فلسفية متعمقة تحتاج إلى التعاطي الفلسفي العميق"، فإنه يلاحظ أن المؤسسات الدينية الرسمية لا تتطرق مثلاً إلى الحديث عن مصر باعتبارها دولة مدنية، أو توضيح الفرق بين الإلحاد والعلمانية والمدنية، أو التأكيد على فصل الدين عن السياسة.

وعلى الصفحة الرسمية لوزارة الأوقاف المصرية، ورد في موضوع عنوانه "الإلحاد: تعريفه وأسبابه وتأثيراته وكيفية التصدي له" (2025) أن من "أسباب انتشار الإلحاد العلمانية والحداثة، فانتشر الفكر العلماني الذي يفصل الدين عن الحياة السياسية والاجتماعية، وزاد الاعتماد على المنهج العلمي المادي الذي يرفض التفسيرات الدينية للوجود".

وتحفل الساحة الرسمية بجهود مواجهة الإلحاد ومكافحته ومكافحة الملحدين، فأطلق الأزهر الشريف بالتعاون مع الكنيسة المصرية ووزارة الشباب والرياضة قبل أشهر برنامجاً لمواجهة "الإلحاد الإلكتروني" بهدف "التصدي لظاهرة الإلحاد بصورها شتى، والعمل على إزالة المفاهيم المغلوطة لدى الشباب وتقوية المناعة الفكرية ونشر الوعي، ومد جسور التواصل لبناء جيل يعي متطلبات الوطن".

مغامرة وأصدقاء سوء

أسباب عدة تتحدث عنها تقارير ويقترحها محللون تدفع بعضهم إلى الإلحاد في مصر مثل الرغبة في المغامرة وتجربة فكرة جديدة أو مثيرة أو غريبة، أو التأثر بمواقع ومحتوى يشجع الإلحاد على الـ"سوشيال ميديا"، أو ضعف التنشئة الدينية، أو التأثر بأصدقاء السوء، أو عدم وجود ما يكفي من مؤسسات ومدارس وحضانات ومراكز دينية لسد أية فجوة قد تتسلل منها أفكار غير دينية.

واللافت أن عوامل أخرى مثل تجريم وربما تكفير طرح أفكار تستحق النقاش مثل أين الحق والعدل في واقع يقتل فيه آلاف المدنيين أثناء حروب أو مجاعات أو أوبئة؟ أو أسباب تناحر أتباع الأديان ورغبة كل منهم في التخلص من الآخر بهدف رفعة دينه، أو حقيقة الحروب الطاحنة الدائرة على وجه الأرض باسم الدين، أو مدى تعارض الدين والعلم، أو حدود تدخل الدين في تفاصيل الحياة، وغيرها من الأفكار لا تلقى اهتماماً من قبل المهتمين بمواجهة الإلحاد.

يشار إلى أن "إدارة الأبحاث والدراسات الإفتائية" أطلقت دراسة عام 2024 عنوانها "الإلحاد والإفتاء"، تقول إنها رصدت الأسباب التي تؤدي إلى الإلحاد وإنها وضعت "روشتة" للعلاج.

 

وأبرز الأسباب، بحسب الدراسة، انبهار بعضهم بالثورة العلمية التكنولوجية وظنهم بأن المادة هي كل شيء، وانتشار تبادل الأفكار والرؤى ووجهات النظر عبر الإنترنت، والاستسلام لوساوس الشيطان الذي تعهد بغواية البشرية، والظهور السيئ والمشين لجماعات تسمي نفسها إسلامية مثل "داعش" و"الإخوان"، ومحاولات من ضعيفي الإيمان للتفلت من ضوابط الأخلاق والالتزام الدينين، والإعجاب بالعقل والاعتقاد بأنه قادر على خدمة الإنسان بعيداً من الشرائع.

أما "الروشتة"، فأبرز ما جاء فيها عدم رد الداعية على أية شبهة يروجها الملحد قبل أن يُلزم (الملحد) نقاطاً معينة للحوار، وأن تُطرح أسئلة "من الوزن الثقيل" التي "لا يمكن الإجابة عنها، وإلزام الملحد الإجابة ووضعه في موقف محرج. وفي حال اعتمد الملحد على أسلوب التشكيك، يكون الرد من الشيخ حاداً، وإجباره (الملحد) على الابتعاد من الجزئيات، والتركيز على الأفكار. وإذا أصر الملحد على طرح السؤال على الشيخ أكثر من مرة لإحراجه أو بحجة أن الإجابة ضعيفة وغير مقنعة، يجب على الشيخ إلزام الملحد العودة للرد وإجباره على نقاط معينة في النقاش.

وبعيداً من أن مثل هذه "الروشتات" تثير سخرية المتدينين العقلانيين قبل الملحدين، تواجه مسألة الإلحاد في دول عدة إشكالية قوامها افتراض أن الملحد يكون في حال بحث دائمة عن رجل دين ليعود للدين، أو أنه لا يمتلك وصلة إنترنت تتيح له الحصول على المعلومات ذاتها الواردة على مواقع المؤسسات الدينية بأنواعها، أو أن سبب إلحاده يعود لمسائل هامشية أو شكلية يسهل على أي رجل دين تصويبها، أو أن الملحد يخشى رجل الدين بالضرورة، أو يجد نفسه مضطراً إلى خوض مناقشات من المؤكد أن مواضيعها جالت في خاطره مئات المرات.

من يحتكر الإلحاد؟

من جهة أخرى، تفترض مجتمعات شرقية عدة أن الإلحاد وارد الغرب، أو أنه نتيجة طبيعية لثقافة الغرب، أو أن التواصل بين الشرق والغرب بفعل أو بفضل الإنترنت ألقى ظلالاً وخيمة على دول الشرق المؤمن، وكأن الغرب يحتكر الإلحاد.

وبحسب تقرير نشرته مؤسسة "بيو" للبحوث واستطلاعات الرأي (2025)، جاء السكان غير المنتسبين لأي دين ثالث أكبر فئة في العالم، بعد المسيحيين والمسلمين. وتشمل هذه المجموعة الأشخاص الذين يجيبون في الاستطلاعات والإحصاءات السكانية عن سؤال الهوية الدينية بالقول إنهم لا يتبعون أي دين أو إنهم ملحدون أو لا يعرفون.

وأشار التقرير إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين لا ينتمون إلى أي دين بنسبة 17 في المئة من 1.6 مليار شخص عام 2010 إلى 1.9 مليار شخص عام 2020، وأن هذا الارتفاع تجاوز نسبة الزيادة البالغة 11 في المئة بين المنتسبين لأي دين، بالتالي صعدت نسبة غير المنتسبين إلى أي دين من إجمال سكان العالم من 23 في المئة عام 2010 إلى 24 في المئة بعد عقد من الزمن. واللافت أن النسبة الأعلى من غير المنتمين لأي دين تتركز في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

يبقى الإلحاد سراً من أسرار المجتمع، فالأعداد غير معروفة والتقديرات لا يمكن الوثوق بها والتعامل معهم لا يخضع لقواعد بعينها أو رؤى محددة، ويبقى الملحدون فئة تلتزم الصمت وتفضل السرية، إلا في ما ندر، وتبقى جهات ومؤسسات عدة على قناعة بأن الإلحاد وباء ينبغي القضاء عليه، أو جريمة تستدعي العقاب، أو عدوى قابلة للانتشار، أو كل ما سبق.

وتبقى سبل التعامل مع الإلحاد مثل "كورسات المواجهة" وخطب المجابهة و"روشتات" الإجبار سيدة الموقف، ويبقى الإلحاد والملحدون أيضاً من القضايا القليلة جداً التي تحظى بتطابق مواقف واتفاق آراء كل من الشعب والحكومة من ناحية الرفض والمطالبة بالتطهير، ويضاف إلى ذلك اعتقاد شعبي بأن الملحدين يعرضون الإسلام للضعف وخطر الانقراض، وتغيب المسيحية عن المسألة على رغم أن الملحدين قد يكونون أشخاصاً ولدوا في أسر مسلمة أو مسيحية.

ولم يسلم الملحدون من الاستغلال والابتزاز والاستقطاب السياسي، فتارة تشير إليهم المعارضة المنضوية تحت راية الإسلام السياسي باعتبارهم نتيجة طبيعية للحكم الذي أطاح بجماعة "الإخوان المسلمين"، وتارة تتخذ منهم جمعيات حقوق الإنسان، ولا سيما الغربية، وسيلة لانتقاد الدولة المصرية، في ضوء تعاملات أمنية مع بعضهم بعضاً، وثالثة تستخدمهم مؤسسات دينية لتقديم نفسها على أنها وحدها حامية حمى الدين، أو لدعم رغبتها في مزيد من التحول من الدولة المدنية صوب الدينية، لدرء هذا الخطر المقبل المتمثل في الملحدين.

وفي انتظار ما ستسفر عنه مواقف الجماهير وآراؤهم في فيلم "الملحد"، يمضي صناع محتوى وقتهم في ضخ محتوى يصف الفيلم بأنه بـ"دعوة إلى نشر الإلحاد الباطني"، أو بأنه "الفيلم الذي طال انتظار أعداء الإسلام له ليتموا خراب الدين"، أو للتحذير من مشاهدة الفيلم، إذ قد يشجع الصغار على الإلحاد أو يدفع الكبار إلى الكفر. والغريب أن أحداً، باستثناء صناع الفيلم، لم يشاهده.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات