Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الحسكة" آخر حصون الكرد في سوريا تنشد الإنصاف في العهد الجديد

سيطرت حال ترقب لمجريات الأحداث في مرحلة ما بعد تسلم القوات الحكومية المنطقة

نقطة عسكرية تابعة للجيش السوري على أطراف الحسكة، في 2 فبراير الحالي (رويترز)

ملخص

لا يُخفي ممثل "الإدارة الذاتية" لشمال شرقي سوريا في دمشق الدكتور عبدالكريم عمر المخاوف والهواجس المشروعة لدى الكرد في محافظة الحسكة وفي سائر المناطق الكردية الأخرى، وأعرب لـ"اندبندنت عربية" عن أمله في أن تسير عملية دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية"، العسكرية والأمنية والإدارية، بسلاسة ودون أن تعترضها أي عراقيل مع ضرورة أخذ خصوصية المناطق الكردية بعين الاعتبار في جميع مراحل التنفيذ.

يخترق نهر الخابور في شمال شرقي سوريا منطقة رأس العين قادماً من جنوب شرقي تركيا، ويهبط بغزارة مياهه جنوباً إلى أن يتحد مع نهر الفرات قرب مدينة البصيرة بدير الزور، شرق سوريا، وهذا النهر المرتبط بذاكرة أهالي الحسكة، قسم المحافظة إلى مناطق عدة منها رأس العين، والقامشلي، والمالكية، والحسكة، مع نواحي وبلدات، وأتاح للقاطنين المياه الوفيرة إلى جانب الفرات، وبفضله تحولت هذه المنطقة إلى سلة سوريا الغذائية على مر التاريخ، ولم تتوقف عن كونها مخزون القمح والقطن، وغيرهما من المواسم الزراعية حتى في حال الحرب التي عاشتها البلاد.

نهاية الصراع

ويسري اليوم حظر للتجوال في مدينة الحسكة، شمال شرقي سوريا منذ السادسة صباحاً تمهيداً لتنفيذ تطبيق الاتفاق الشامل بين حكومة دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) بغية وضع نقطة النهاية للصراع المسلح بين الطرفين.

وظل فشل اتفاق العاشر من مارس (آذار) 2025 الموقع في دمشق بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، والقائد العام لـ"قسد" مظلوم عبدي وما تبع ذلك من معارك اندلعت في السابع من يناير (كانون الثاني) الماضي، وامتدت من حلب إلى الرقة، وتراجعت على أثرها قوات "قسد" (المدعومة أميركياً منذ نشوئها عام 2015 لمحاربة "داعش")، وسط غياب أي دعم كانت تعول عليه من الولايات المتحدة، عسكرياً أو سياسياً. وتحدثت "قسد" عن حدوث انتهاكات في حق الأكراد في المنطقة أثناء تقدم القوات الحكومية، بينما وصفت أوساط مقربة من السلطات السورية الجديدة، ما جرى بـ"الانتهاكات الفردية".
وتشي المعلومات بسيطرة حال ترقب لمجريات الأحداث في مرحلة ما بعد تسلم القوات الحكومية الحسكة والقامشلي، وسط تأكيد قوات الأمن الكردية على أن "حظر التجوال يأتي من منطلق الحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة الأهالي"، وفق بيان لها تزامن مع زيارة قائد الأمن الداخلي في الحسكة، مروان العلبي الذي عين حديثاً، إلى مقر قوات "الأسايش" في مدينة القامشلي، ولقاء آخر في مدينة "عين العرب" (كوباني)، بريف حلب، أجراه قائد قوات الأمن الداخلي في المدينة، العقيد محمد عبدالغني بهدف ترتيب شؤون المنطقة، وبدء دخول قوات وزارة الداخلية مشيداً بـ"إيجابية" الجانب الكردي.

ولا يخفي ممثل "الإدارة الذاتية" لشمال شرقي سوريا في دمشق الدكتور عبدالكريم عمر المخاوف والهواجس المشروعة لدى الكرد في محافظة الحسكة وفي سائر المناطق الكردية الأخرى، وأعرب لـ"اندبندنت عربية" عن أمله في أن تسير عملية دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" العسكرية والأمنية والإدارية بسلاسة ودون أن تعترضها أي عراقيل مع ضرورة أخذ خصوصية المناطق الكردية بعين الاعتبار في جميع مراحل التنفيذ. وأضاف، "لقد كان الاتفاق مقبولاً، في الأقل في هذه المرحلة، بوصفه خطوة تهدف إلى تجنب مزيد من الدماء والدمار، إلا أن أزمة الثقة لا تزال قائمة ولم تعالج بصورة كاملة حتى الآن".

 

الاندماج في النهاية

في غضون ذلك، وافقت "قسد" على الاندماج بعد سلسلة مفاوضات ولقاءات بين مسؤولين من الطرفين في دمشق. وضمن الاتفاق الأخير وقفاً لإطلاق نار شاملاً ودائماً، وانسحاب عناصر "قسد" من مدينتي الحسكة والقامشلي، بينما تنسحب القوات الحكومية إلى بلدة الشدادي، بريف الحسكة الجنوبي. أما بالنسبة إلى الدمج فستشكل وزارة الدفاع قوة عسكرية خاصة بمحافظة الحسكة من ضمنها "قسد" تتألف من 3 ألوية مع دمج لواء في "عين العرب". وتتولى وزارة الداخلية الملف الأمني مع دخول 15 آلية أمنية وتكفل دمج قوات "الأسايش" الكردية في القوى الأمنية.
ولم يرتب الاتفاق الملفين العسكري والأمني معاً، بل أعاد ترتيب الشؤون الإدارية للمحافظة عبر تعيين محافظ رشحته "قسد" لتولي مسؤولية إدارة المحافظة بالتوازي مع تعيين نائب لوزير الدفاع، علاوة على دمج "الإدارة الذاتية" في مؤسسات الدولة وتثبيت الموظفين المدنيين رسمياً، مع تسليم حقول نفط رميلان، والسويدية ومطار القامشلي.

واتفق الطرفان على حظر القوات العسكرية في المدن، ومنع دخول القوات العسكرية إلى داخل البلدات من قبل جميع الأطراف، مع ضمان عودة كافة النازحين إلى مدنهم وقراهم سواء في عفرين والشيخ مقصود، وتعيين إدارات محلية لمتابعة شؤون هذه المناطق.
وتنتظر الحسكة والقامشلي إنهاء ملف "قوات سوريا الديمقراطية"، إثر موافقة دمشق على ترشيح القيادي في "قسد"، نور الدين أحمد كمحافظ للحسكة، وبانتظار إصدار مرسوم التعيين. ويلقب أحمد بـ"أبو عمر خانيكا"، من مواليد القامشلي، عام 1969، تولى مسؤولية العلاقات العامة في "قسد" منذ عام 2014، وقبلها في شركة الاتصالات السورية، إلى حين اندلاع الثورة السورية.

 

القضية الكردية

وكانت مدينة الحسكة شهدت خلال الأيام الأخيرة وصول مئات المسلحين بسيارات دفع رباعي قادمين من العراق، وبالذات من منطقة السليمانية، عبر معبر "سيمالكا – فيشخابور" الحدودي. وتشير التقارير إلى أنهم يتبعون إلى وحدات مكافحة الإرهاب في حزب العمال الكردستاني، مما دفع الحكومة السورية إلى الطلب من بغداد منع مرور الفصائل المسلحة عبر الطرق غير الرسمية، وتأمين الحدود.

ويرى القيادي في "الإدارة الذاتية" لشمال شرقي سوريا سيهانوك ديبو في حديث لـ"اندبندنت عربية" أن "إنصاف القضية الكردية في سوريا يكون حين تعد قضية وطنية سورية وحلها وفق أسس دستورية، ومبادئ أساسية غير قابلة للتنصل منها في لحظة، كما جرى إبان تأسيس الجمهورية التركية الحديثة التي كان من مبادئها الأساسية عام 1921 أن ’تركيا تتألف من الأمتين الكردية والتركية‘، ولكن عام 1923 تم إلغاء ذلك".

ولفت ديبو إلى أن الاتفاق المعلن في الـ30 من يناير (كانون الثاني) الماضي، على رغم أنه نوعاً ملحوظاً من اللامركزية الأمنية والإدارية الموسعة، فإنه "لم ينصف الكرد في سوريا، ولم يتناسب ومستوى التضحيات الجسام التي قدموها، ليس منذ بداية الثورة السورية في 2011 وحسب، من حيث توجيه ضربة مزدوجة لقوى الإرهاب، وفي الوقت نفسه تقديم نموذج يمنع تسلط نظام الاستبداد المركزي البعثي، إنما قدم الكرد تضحيات جسام منذ بداية تأسيس سوريا الحديثة حتى اللحظة".
"جاء الاتفاق الأخير في وقت تشهد المنطقة والعالم انعطافات حادة وبأن الصراع في سوريا وعليها هو جزء من صراع أعم إقليمي ودولي"، هكذا يصف القيادي الكردي، ديبو التفاهم الأخير وظروفه، لكنه ينظر إليه على أنه "اتفاق واقعي قابل للحياة في حال توافرت العوامل الضامنة لإنجاحه". وتابع، "أقصد هنا الضمانات الدولية المقدمة من قبل أميركا وفرنسا وبلدان إقليمية أخرى، وأن يتضمن دستورياً ويكتسب شرط الإلزام، لقد مورس في هذا الاتفاق نوع متقدم من تسوية الملفات، واتخاذ خطوات نحو الاندماج على أساس التكامل، وبخاصة في المجال الأمني والعسكري، ويجب عدم التوقف عندها، وإنما تناول الجوانب الأخرى منها الاقتصادية والتعليمية والثقافية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تنوع سكاني

ويشهد لمحافظة الحسكة تنوعها عرقياً ودينياً واسعاً، وعلى رغم الحرب وحركة النزوح الداخلي، واللجوء إلى دول أوروبية منذ اندلاع الحرب، واقتراب خطر "داعش" وقتها في عام 2014، فإنها ما زالت تحافظ على هذا التنوع الديموغرافي.
وتشير دراسة سكانية أجريت في عام 2013 إلى أن إجمال عدد القرى في المحافظة يصل إلى 1717 قرية، 1161 قرية منها عربية تشكل قرابة 67 في المئة من إجمال القرى، مقابل 453 قرية كردية بنسبة 26 في المئة، و50 قرية سريانية بنسبة اثنين في المئة، مع وجود قرى مختلطة من كل المكونات.
ويعتقد الباحث في شؤون القبائل والعشائر مضر حماد الأسعد أن "الاتفاق الأخير أنصف الأكراد السوريين، وبخاصة المرسوم التشريعي رقم 13، وأنصف الشعب السوري لأنه أوقف حمام الدم الذي كان محضراً لأبناء الحسكة من حرب مدمرة وشاملة، وأنقذ الأبرياء، والمنتصر هم أهل الحسكة من عرب وكرد وبقية الأعراق والأديان من آشوريين وسريان وأرمن وغيرهم".

وأضاف الأسعد، "للحسكة أهمية كبيرة جداً حيث يقطنها تنوع عرقي وديني، وهي سلة غذاء سوريا من قمح وشعير وعدس وقطن وبعض المحاصيل الأخرى، فضلاً عن النفط والغاز، وكان عناصر ’قسد‘ يحصلون على أموال طائلة من ثروات المنطقة وكانوا يريدون البقاء فيها".

الحقوق الكردية

في الأثناء أعلنت وزارة الداخلية السورية اتخاذ إجراءات تنفيذية لتطبيق المرسوم 13، ويقضي بمنح الجنسية السورية لمواطنين سوريين من أصول كردية. ودعا الرئيس السوري أحمد الشرع في كلمة متلفزة في أعقاب صدور المرسوم، المواطنين الأكراد إلى تجاهل ما وصفه بـ"روايات الفتنة"، حيث يتكون المرسوم من 8 مواد، أبرزها تدريس اللغة الكردية بوصفها لغة وطنية في المدارس العامة والخاصة.

وكانت الحكومة السورية في عهد الانفصال (فك الوحدة بين سوريا ومصر) في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 1962 أجرت إحصاء استثنائياً في الحسكة لمدة يوم واحد فحسب، وبصورة مفاجئة من دون إخبار مسبق، حرمت أهاليها حقوق المواطنية والهوية السورية، وجد بعدها عشرات آلاف الأكراد أنفسهم بلا وطن "مكتومين" لا مكان لهم في سجلات الدولة.
في المقابل يجزم القيادي في "الإدارة الذاتية" لشمال شرقي سوريا سيهانوك ديبو إلى أن المرسوم 13 خطوة "لازمة"، لكنها غير كافية، ويجب وفق رأيه أن "تتبعها خطوات أخرى ثقافية وسياسية، والتركيز بالنظر إلى اللغة الكردية كلغة رسمية وليست وطنية وحسب".
وأردف "ومن المهم عدم تجاوز إرادة الشعب الكردي في سوريا، والذي عقد مؤتمراً في الـ26 من أبريل (نيسان) 2025 نجم عنه رؤية حل للقضية الوطنية السورية والقضية القومية الكردية، ومن المفترض أن نشهد زيارة قريبة للوفد الكردي المنبثق من المؤتمر الكردي مع الحكومة السورية الموقتة، وأعتقد أنه من الضرورة القصوى للتوقف عند رؤية الكرد، وحلها وفق العهود والمواثيق الدولية ذات الصلة وفي الإطار الوطني السوري".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات