ملخص
لا تخفي الولايات المتحدة أن أحد أهم أهدافها من التدخل المباشر وتغيير النظام في فنزويلا هو ثروتها النفطية والمعدنية الأخرى.
كرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر من مرة أن الشركات الأميركية ستعمل في قطاع النفط الفنزويلي، بل إن بعض أركان إدارته قال بعد الهجوم الأخير على كاراكاس وإخراج الرئيس نيكولاس مادورو واقتياده إلى أميركا "سنستعيد نفطنا المسروق"!
لا تخفي الولايات المتحدة إذاً أن أحد أهم أهدافها من التدخل المباشر وتغيير النظام في فنزويلا هو ثروتها النفطية والمعدنية الأخرى.
ومنذ تأميم الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز صناعة الطاقة الفنزويلية قبل نحو ربع قرن، والولايات المتحدة تنظر بصورة عدائية لنظام الحكم في فنزويلا، لذا كانت أول حملة عقوبات أميركية على فنزويلا عام 2006 من قبل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش.
واستمرت واشنطن في تشديد العقوبات على فنزويلا، وشاركتها بريطانيا ودول غربية أخرى، حتى جاءت فترة رئاسة ترمب الأولى، وفرض أشد العقوبات على فنزويلا عام 2017، بما في ذلك حرمانها من النظام المالي الأميركي المهيمن على قطاع المال العالمي، إضافة إلى منع تداول سندات شركة البترول الوطنية الفنزويلية (بي دي في أس أي). وحينها تحدث الرئيس ترمب للمرة الأولى عن "التدخل العسكري" في فنزويلا.
ما لا ينتبه إليه كثر أن ذلك كان بعد أشهر من إعلان أكبر شركات النفط الأميركية "إكسون موبيل" اكتشاف احتياطات نفطية هائلة في غويانا المتاخمة لفنزويلا، التي لم تعترف كاراكاس بترسيم حدودها معها، التي رسمها الاحتلال البريطاني وقتها قبل نحو قرنين من الزمن.
تدهور قطاع الطاقة الفنزويلي
نتيجة العقوبات الأميركية والغربية المتصاعدة على فنزويلا، تدهور قطاع صناعة الطاقة الفنزويلي، وانخفض إنتاج البلاد مما يقارب 3 ملايين برميل يوماً مطلع القرن إلى أقل من مليون برميل يومياً الشهر الماضي، وذلك نتيجة عدم قدرة شركة النفط الوطنية على صيانة وتطوير قدراتها بسبب القيود على الاستيراد، بالضبط كما هي الحال مع قطاع النفط والغاز الإيراني المتدهور.
أدى ذلك إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية بشدة في فنزويلا، مع ارتفاع التضخم وعدم قدرة الناس على تلبية حاجاتها الأساسية، على رغم أن فنزويلا لديها أكبر احتياط معروف من النفط في العالم بما يزيد على 300 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة. لكن العقوبات الاقتصادية والسياسات المتشددة للحكومة الفنزويلية أعاقت الاستثمار في الاستكشاف والتطوير والإنتاج، مما هوى بعائدات البلاد من التصدير، بالتالي تفاقم المشكلات المالية للبلاد.
على رغم من تأميم قطاع الطاقة من قبل، فإن فنزويلا تسمح بالشراكة بين شركة النفط الوطنية والشركات الخاصة، وتعمل عملاق الطاقة الأميركية "شيفرون" في فنزويلا في مناطق "الحقول المشتركة" تلك، وتنتج تلك الحقول المشتركة ما يقارب ربع إنتاج فنزويلا من النفط، نحو 250 ألف برميل يومياً الشهر الماضي.
في مقدمة مستوردي النفط من فنزويلا الصين والولايات المتحدة، وبنهاية العام الماضي بلغت الصادرات إلى الولايات المتحدة أكثر من 5 ملايين برميل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وإلى الصين أكثر من 8 ملايين برميل في الشهر ذاته.
وأدى التصعيد الأميركي تجاه فنزويلا منذ أغسطس (آب) 2025 إلى مزيد من تدهور الإنتاج والتصدير، بخاصة أن الحملة الأميركية شملت حظراً تاماً على ناقلات النفط من فنزويلا، بصورة تقترب من عقوبات "الحد الأقصى" المفروضة على إيران.
الصراع على نفط غويانا
مع الإعلان عن الاكتشافات النفطية، في البر وفي البحر، في غويانا المجاورة قبل أعوام، بدأ التنافس المحموم بين كبرى شركات الطاقة الأميركية على المنطقة. وكانت "إكسون موبيل" سباقة في هذا، لتلحق بها شركة "شيفرون" بعد شرائها شركة نفط أميركية كانت تعمل في غويانا بأكثر من 50 مليار دولار.
على رغم من القيود التي فرضتها الحكومة الفنزويلية على السفر والهجرة، زادت هجرة الفنزويليين إلى غويانا بحثاً عن فرص معيشية أفضل، خصوصاً مع توفر الوظائف في قطاع الطاقة الناشئ. ويقدر عدد الفنزويليين الذين هاجروا إلى غويانا بما بين ربع وثلث مليون شخص.
على عكس فنزويلا، فتحت غويانا قطاع الاستكشاف والتنقيب والإنتاج أمام الشركات الأميركية، إضافة إلى الشركة الصينية "سينوك"، علاوة على أن رئيس غويانا عرفان علي أنشأ صندوقاً لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك توضع فيه عائدات النفط.
على رغم من أهمية وجود شركة صينية، لأن غالب صادرات النفط من المنطقة تكون موجهة في الغالب إلى الصين، فإن الشركات الأميركية تهيمن على قطاع الطاقة في غويانا بعد اكتشاف احتياطات مؤكدة بنحو 11 مليار برميل، مع توقع أن يصل إنتاج غويانا إلى 1.7 مليون برميل يوماً بحلول العام المقبل 2027.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقبل نحو عام، شهد قطاع الطاقة والتعدين في غويانا منافسة بين أكبر شركتين أميركيتين للطاقة على تلك المنطقة، إذ سعت "إكسون موبيل" إلى حرمان منافستها "شيفرون" من امتياز في المنطقة حصلت عليه بصفقة استحواذها على شركة "هيس"، التي تملك نسبة 30 في المئة من المشروع في غويانا، بلغت قيمتها 53 مليار دولار.
وتملك "إكسون موبيل" نسبة 45 في المئة من المشروع، ودخلت في نزاع قانوني مع منافستها باعتبارها الأولى بحصة "هيس"، ويتوقع أن يكون العائد من ذلك المشروع هائلاً بأرباح تصل إلى 170 مليار دولار بحلول عام 2040، وستتلقى غويانا ما يصل إلى 190 مليار دولار في تلك الفترة، بحسب تقديرات شركة "وود ماكنزي".
الخلاف الحدودي واكتشاف النفط
يعود الخلاف الحدودي بين فنزويلا وغويانا إلى نحو قرنين، منذ كانت غويانا تحت الاحتلال البريطاني واسمها "بريتش غويانا". وفي عام 1899 صدر قرار البريطانيين بضم إقليم إيسيكويبو إلى أراضي غويانا، الذي تقول فنزويلا إنه أراض فنزويلية، ولم تقبل فنزويلا منذ ذلك الحين بهذا الترسيم الحدودي.
لكن عام 2023، وبعد تأكد الاكتشافات النفطية الهائلة في غويانا، صعدت فنزويلا الأمر، وأجرت حكومة فنزويلا استفتاء صوت 95 في المئة من المشاركين فيه على أن الإقليم جزء من فنزويلا.
وبنهاية العام أصدر الرئيس مادورو تعليماته لشركة البترول الوطنية الفنزويلية بالاستعداد لطرح تراخيص استكشاف وتنقيب وإنتاج النفط من الإقليم والمياه البحرية المقابلة له.
صحيح أن احتياطات غويانا النفطية لا تتجاوز نسبة ثلاثة في المئة من احتياطات فنزويلا، لكن تطويرها يجري على قدم وساق، وإنتاجها يمكن أن يصبح ضعف الإنتاج الفنزويلي المتدهور حالاً.
تكررت الادعاءات الفنزويلية بأن الاكتشافات النفطية البحرية مقابل سواحل غويانا هي "سحب" للنفط الفنزويلي من أحواض احتياطاتها النفطية. وفي عام 2024 حشدت فنزويلا قواتها في محاولة للاستيلاء على الإقليم، ما كاد يخلق أزمة في أميركا الجنوبية كلها.
تبلغ مساحة إقليم إيسيكويبو 159.5 ألف كيلومتر مربع، أي تتجاوز نصف مساحة غويانا كلها.
وليس الإقليم غنياً بالنفط فحسب، إنما أيضاً بثروات طبيعية أخرى من البوكسيت إلى الذهب، وبما أن شركات النفط الأميركية الكبرى هي المهيمنة على قطاع الطاقة والتعدين في غويانا، فلم يكن ممكناً الصمت عن تلك التهديدات الفنزويلية واستمرار تصعيد الخلاف على ترسيم الحدود التي وضعها الاستعمار البريطاني السابق.
أميركا والنفط
ترى غالبية المحللين والمعلقين أن هدف إدارة الرئيس ترمب الأهم هو النفط والثروات الطبيعية، سواء في فنزويلا أو بقية ما سمته استراتيجية الأمن القومي الأميركي الصادرة أخيراً "العالم الغربي". ولا يقتصر الهدف من الأزمة الأخيرة مع فنزويلا والتدخل العسكري المباشر على نفط فنزويلا، إنما أيضاً على نفط غويانا غير المنفصل عنه جغرافياً.
وإذا كانت الشركات الأميركية تعمل بالفعل في غويانا، فإن تغيير النظام في فنزويلا سيضمن لها أعمالاً بأضعاف مضاعفة في قطاع الطاقة الفنزويلية.
ولا يخفي الرئيس ترمب رغبته في هيمنة الولايات المتحدة على قطاع الطاقة العالمي، حتى إنه في المؤتمر الصحافي عقب العملية العسكرية قال إن الصين لن تغضب "فستحصل على النفط".
كرر الرئيس الأميركي أكثر من مرة، وكذلك بعض أركان إدارته من الفريق الاقتصادي، أنهم يستهدفون سعراً عالمياً للنفط عند مستوى 50 دولاراً للبرميل أو أقل، وهو المستوى السعري الذي يضمن خفض أسعار الوقود في محطات البنزين الأميركية، بما يخفف من انزعاج الناخبين الأميركيين من ارتفاع كلفة المعيشة.
ويحتاج ذلك إلى زيادة العرض عن الطلب في السوق العالمية، أي بمعنى آخر إغراق السوق بمزيد من إنتاج النفط، وإن كان انخفاض الأسعار بهذا المستوى يضر بشركات الطاقة الأميركية من ناحية العائدات وهامش الربح، وهي كلها شركات خاصة لا تخضع لسياسات الإدارة الأميركية، وإنما تعمل على أساس مصالح مساهميها.
هكذا تريد إدارة الرئيس ترمب زيادة إنتاج النفط لخفض الأسعار، وفي الوقت نفسه استفادة الشركات الأميركية من ذلك بتوسع أعمالها خارج الولايات المتحدة، من فنزويلا وغويانا وأحواض البحر الكاريبي إلى أفريقيا وغيرها، أي ببساطة "إغراق" السوق النفطية بالمعروض الذي تنتجه وتصدره شركات أميركية.