ملخص
نفط فنزويلا ليس كعكة في يد أميركا بالكامل، لكنه أقرب إلى كعكة موضوعة في واجهة العرض تتحكم واشنطن في فتحها أو إبقائها مغلقة، ففنزويلا تملك أكبر احتياط نفطي مؤكد في العالم إضافة إلى أن النفط الفنزويلي مصمم تقنياً للمصافي الأميركية في خليج المكسيك.
على رغم امتلاكها أكبر احتياط نفطي مؤكد في العالم، لا تزال فنزويلا لاعباً مقيد التأثير في سوق الطاقة العالمية، بفعل العقوبات الأميركية والضغوط الجيوسياسية المتصاعدة، ومع تجدد التدخل الأميركي المباشر وغير المباشر تعود الأسئلة مجدداً حول وزن النفط الفنزويلي الحقيقي، وأهميته للأسواق العالمية، وحدود تأثيره داخل منظمة "أوبك".
أكبر احتياط عالمي… وأقل استغلالاً
تملك فنزويلا احتياطاً نفطياً مؤكداً يناهز 303 مليارات برميل، وفق بيانات "أوبك"، مما يجعلها الدولة الأولى عالمياً من حيث الاحتياط، متقدمة على السعودية وإيران، غير أن هذه الثروة الهائلة لا تنعكس على الإنتاج أو الصادرات، إذ تراجع إنتاجها إلى أقل من مليون برميل يومياً خلال عام 2025، مقارنة بذروة تجاوزت 3.2 مليون برميل يومياً أواخر التسعينيات.
ويمثل إنتاج فنزويلا حالياً نحو واحد في المئة فحسب من الإنتاج العالمي، ونحو ثلاثة إلى أربعة في المئة من إجمال إنتاج "أوبك"، بعدما كانت أحد أعمدة المنظمة تاريخياً، وعضواً مؤسساً لها عام 1960.
من حيث الاحتياط، تشكل فنزويلا وحدها أكثر من ربع احتياطات "أوبك" النفطية، لكن ضعف الإنتاج والبنية التحتية المتهالكة جعلا تأثيرها الفعلي في قرارات السوق محدوداً، وتواجه كاراكاس صعوبة في الاستفادة من حصصها الإنتاجية داخل المنظمة، خلال وقت تعتمد فيه "أوبك" على دول الخليج لضبط الإمدادات والتوازن السعري.
وعلى رغم ذلك تظل فنزويلا عنصراً كامن التأثير، إذ إن أية عودة قوية لإنتاجها قد تُحدث تغيراً ملموساً في معادلة العرض العالمي، خصوصاً في بيئة تتسم بتوترات جيوسياسية وعقوبات متبادلة.
النفط الفنزويلي والسوق العالمية
يتميز النفط الفنزويلي بكونه ثقيلاً وفائق الكثافة مما يجعله مناسباً لمصاف محددة، وبخاصة في الولايات المتحدة وآسيا، وكانت الولايات المتحدة تاريخياً أحد أكبر مستورديه قبل أن تؤدي العقوبات إلى تراجع حاد في التدفقات، مع استمرار استثناءات محدودة لشركات مثل "شيفرون" الأميركية.
وتشير تقديرات السوق إلى أن فنزويلا، في حال رفع العقوبات جزئياً أو كلياً، يمكنها إضافة ما بين 700 ألف إلى مليون برميل يومياً خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، وهو رقم كفيل بتخفيف الضغوط على الأسعار، لكنه غير كافٍ وحده لإحداث انهيار سعري.
تنظر واشنطن إلى النفط الفنزويلي باعتباره ورقة ضغط استراتيجية أكثر منه مصدر طاقة، فمنذ فرض العقوبات بات الهدف الأميركي مزدوجاً، بحرمان حكومة نيكولاس مادورو من الموارد المالية، ومنع خصوم جيوسياسيين مثل الصين وروسيا من توسيع نفوذهم في أميركا اللاتينية.
ومع تصاعد التوترات أخيراً عاد النفط الفنزويلي إلى واجهة الأحداث، لا سيما بعد أنباء عن عمليات عسكرية أميركية في محيط العاصمة كراكاس.
"رويترز": الإنتاج والتكرير لم يتأثرا
في هذا السياق، نقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين مطلعين على عمليات شركة النفط الفنزويلية الحكومية "بي دي في أس أي" أن عمليات إنتاج النفط وتكريره تسير بصورة طبيعية، وأن المنشآت الرئيسة لم تتضرر جراء الهجمات الأميركية التي استهدفت نقل الرئيس نيكولاس مادورو إلى خارج البلاد، وفق تقييم أولي.
وأوضح أحد المصدرين أن ميناء لا غوايرا القريب من العاصمة كراكاس تعرض لأضرار بالغة إلا أنه لا يستخدم في عمليات تصدير النفط، مما قلل من الأثر المباشر للهجمات على تدفقات الخام.
وتعكس هذه التصريحات حرص السلطات الفنزويلية على طمأنة الأسواق، في ظل مخاوف من اتساع رقعة التصعيد وتأثيره في الإمدادات.
هل يشكل نفط فنزويلا خطراً أو فرصة للأسواق؟
يرى محللون أن نفط فنزويلا يمثل خطراً كامناً وفرصة مؤجلة في آنٍ، فمن جهة فإن أي تصعيد عسكري أو تشديد إضافي للعقوبات قد يربك شحنات محدودة ويزيد علاوات الأخطار، ومن جهة أخرى، قد تشكل إعادة دمج فنزويلا في السوق العالمية متنفساً للأسواق، خصوصاً إذا تزامنت مع اضطرابات في إمدادات منتجين آخرين مثل إيران أو روسيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن العقبة الأساس تظل سياسية قبل أن تكون فنية، فإعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي تتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات، وبيئة مستقرة ورفعاً للعقوبات، وهي شروط لا تبدو متوافرة خلال المدى القريب.
نفط فنزويلا لا يزال ثروة عالمية معطلة، تأثيرها الحالي في السوق محدود لكن وزنها الاستراتيجي كبير، وبين العقوبات الأميركية والتوترات الجيوسياسية يبقى النفط الفنزويلي عامل عدم يقين دائم في سوق الطاقة، قد يتحول في أية لحظة من هامش السوق إلى قلبها.
نفط فنزويلا… الكعكة المؤجلة
على أية حال، نفط فنزويلا ليس كعكة في يد أميركا بالكامل، لكنه أقرب إلى كعكة موضوعة في واجهة العرض تتحكم واشنطن في فتحها أو إبقائها مغلقة، ففنزويلا تملك أكبر احتياط نفطي مؤكد في العالم إضافة إلى أن النفط الفنزويلي مصمم تقنياً للمصافي الأميركية في خليج المكسيك.
وواشنطن نفسها تعرف أن إعادة فنزويلا للسوق يمكن أن تضبط الأسعار عالمياً عند الحاجة، لتوازن نفوذ "أوبك+"، وتقلل الاعتماد على نفوط "معادية" أخرى (روسيا، إيران).
ولكن الكعكة ليست بيد أميركا فعلياً، فالبنية التحتية الفنزويلية متهالكة والإنتاج لا يمكن رفعه سريعاً من دون استثمارات ضخمة، وأية سيطرة مباشرة ستفسر كـاستعمار نفطي مكلف سياسياً، ولا يجب أن ننسى أن الصين وروسيا حاضرتان بقوة في الخلفية، ولو بصورة غير مباشرة.
ويبدو أن الولايات المتحدة تتعامل مع نفط فنزويلا كـزر تحكم لا كمصدر، كأداة عقابية ومكافآت (استثناء "شيفرون" مثالاً)، وفي النهاية هي رسالة جيوسياسية "النفط موجود، لكن لن يستخدم إلا بشروطنا".
بعبارة أوضح، أميركا لا تريد نفط فنزويلا الآن، بل تريد أن تضمن ألا يستفيد منه أحد سواها لاحقاً، والخلاصة أن نفط فنزويلا كعكة معلقة وأميركا تمسك بالسكين لكنها تؤجل التقطيع، وتستخدم الرائحة وحدها للضغط على الخصوم، لا للأكل.