Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائية ويلا سيبرت كاثر تطارد الحلم الأميركي

حكاية الفتاة البوهيمية أنطونيا شمردا تختصر معاناة المهاجرين في القرن الـ20

الروائية الأميركية ويلا سيبرت كاثر 1873 - 1947 (ويكبيديا)

ملخص

قبل قرن ونيف، وبالتحديد عام 1922، صدرت بالإنجليزية رواية "عزيزتي أنطونيا" للروائية الأميركية ويلّا سيبرت كاثر، وهي الثالثة لها في ثلاثية المرج، بعد "يا رواد" 1913، و"أغنية القبر" 1915. الرواية صدرت حديثاً بالعربية عن "دار الرافدين"، بترجمة فاطمة سالم العجمي، وعلى رغم وجود قرن ونيف بين الإصدارين، الانجليزي والعربي، فإن الرواية لا تزال تمتلك راهنيتها، فسؤال المهاجرين الذي طرحته في أميركا، في عشرينيات القرن الماضي، لا يزال مطروحاً، في عشرينيات القرن الحالي، وبقوة.

تدور أحداث الرواية في ولاية نبراسكا الأميركية، أواخر القرن الـ19، وتتناول حياة المهاجرين إلى أميركا الذين يطاردون الحلم الأميركي، في محاولة منهم للعثور على فرص أفضل للحياة، فينجح بعضهم في محاولته، ويعود بعضهم الآخر من المحاولة بالإياب. وترصد ما يعانيه المهاجر من شظف العيش، وقسوة الواقع، وغضب الطبيعة، وصعوبة التكيّف، وشعور بالغربة، وحنين إلى الوطن، وغيرها. وهي تفعل ذلك من خلال حكاية الفتاة البوهيمية أنطونيا شمردا التي تهاجر مع أسرتها إلى نبراسكا، فتواجه مصاعب جمّة، وتخوض تجارب قاسية، وتتعرض لتحديات كثيرة، لكنها تستطيع، بصلابة إرادتها وقوة تصميمها وفرط شجاعتها، الانتصار عليها وتحقيق ما تصبو إليه.

في الوقائع، تتزامن عودة الفتى جيم بوردن، ابن العاشرة، من ولاية فرجينيا، بعد موت والديه، إلى ولاية نبراسكا حيث يقيم جدّاه في مزرعتهما، مع هجرة أنطونيا، ابنة الـ14، وأسرتها البوهيمية إلى الولاية نفسها، للإقامة في منزل اشتراه رب الأسرة، في جوار المزرعة. وفي إطار هذا التزامن، يستقلان القطار نفسه، وينتقلان في عربتين متجاورتين، ويتوجهان إلى المنطقة نفسها، مما يشكل بداية علاقة بين الاثنين، تروح تنمو على الزمن، من خلال نقاط تقاطع كثيرة، وتشغل دوراً محورياً في الرواية، لأكثر من 20 عاماً، تتخللها فترات انقطاع، تطول أو تقصر، غير أنهما يلتقيان في نهاية الرواية التي تنفتح على إمكانات أخرى للقاء.

 تعاليم مسيحية

 يأتي طرفا العلاقة المحورية إليها، من موقعين مختلفين، فجيم القادم من فرجينيا في العاشرة من العمر يتحدر من أسرة مقيمة تمتلك مزرعة كبيرة، وأنطونيا القادمة مع أسرتها من بوهيميا تتحدر من أسرة مهاجرة تبحث عن موطئ قدم لها في الغرب الأميركي، يلتقيان في الحيز الجغرافي نفسه، وتكون ثمة علاقة بين أسرتيهما، تمدّ فيها أسرته يد العون إلى الأسرة المهاجرة، تطبيقاً للتعاليم المسيحية التي تؤمن بها، فتولي الجدة أنطونيا اهتماماً خاصاً، بحيث تخشى عليها من أن يفسد عملها في الزراعة أنوثتها، وتعلمها فنون الطبخ، وتسعى إلى إلحاقها بصف دراسي، وتؤمّن لها فرصة عمل لدى أسرة صديقة في بلاك هوك، وتحرص على حمايتها من المتربصين بها شراً. والجد، في المقابل، يُسدي النصح للسيد شمردا، ويقف إلى جانب أسرته في وفاته، ويتخلى عن جزء من ثمن البقرة التي يبيعها لها، ويؤمّن فرصة عمل لابنها البكر أمبروش في حقوله، ويعيد المياه بين الأسرتين إلى مجراها حين توشك على الخروج عنه.

  في هذا الإطار من التعاون بين الأسرتين، المقيمة والمهاجرة، تنمو العلاقة بين جيم وأنطونيا، وتتقاطع في نقاط كثيرة. تتمظهر في: اللعب معاً، وتبادل الهدايا، وصرف الوقت في مساءات المروج، وتبادل الزيارات، وتعليمها الإنجليزية، وخوض المغامرات، والخروج في نزهات، والانخراط في صداقات مشتركة، وغيرها. وعلى رغم هذه النقاط، فإن الفوارق العمرية والاجتماعية بينهما تحول دون أن تؤتي هذه العلاقة ثمارها المرجوة، فتبقى معلقة في منطقة ملتبسة، هي تتعامل معه كأخ أصغر، تمارس وصايتها عليه، وتتكافأ معه حين يبدي شجاعة في مواقف معينة، وتنجذب إليه، وتفكر فيه.

هو تزعجه الوصاية، ويتطلع إلى علاقة متكافئة بينهما، ويشعر بالانجذاب نحوها، ويرتاح إليها، ويفكر فيها، ويحاول حمايتها، ولعل خير تعبير عن هذا الالتباس هو اعترافه لها في زيارته الأخيرة، بعد 20 عاماً من السفر: "أتعلمين يا أنطونيا، منذ أن سافرت وأنا أفكر فيك أكثر مما أفكر في أي شخص آخر في هذا الجزء من العالم. كنت أرغب في أن أتخذك حبيبة أو زوجة أو أُماً أو أختاً، أو أي شيء تكون فيه المرأة للرجل" (ص 318)، واعترافها له في الزيارة نفسها: "أعترف لك يا جيم أنني أحببتك طفلاً بالقدر ذاته تقريباً الذي أحب فيه أطفالي الآن" (ص 328). وهكذا، نكون إزاء علاقة ملتبسة بين الطرفين، هي مزيج من الحب والصداقة والأمومة والبنوة والأخوة، في آن.

 نجاح مهني

وإذا كانت الفوارق العمرية والاجتماعية حالت دون أن تحقق أنطونيا نجاحاً على المستوى العاطفي، فإن إصرارها على الحق في الحياة الحرة الكريمة، وقدرتها على مواجهة التحديات، وانخراطها في الكفاح، جعلتها تنجح، على المستوى المهني، وتحقق الحلم الأميركي الذي سعت أسرتها إلى تحقيقه. فهي، بعدما واجهت انتحار الأب، وبؤس العيش، وقساوة العمل، وذكورة الأخ الأكبر، وتربص مقرض المال ويك كتر بها، وخديعة الزوج المزعوم موصل الركاب لاري دونوفان لها، وعودتها إلى أسرتها مكللة بالعار، استطاعت النهوض مجدداً، والزواج من شاب بوهيمي، وتكوين أسرة كبيرة، وشراء مساحات واسعة من الأرض، وبناء مزرعتها الخاصة. وذلك، بفضل صبرها، وقدرتها على التحمل، ومشاركة زوجها العمل. وهكذا، تكون قد نجحت حيث فشل الآخرون، وحققت حلم أسرتها الأميركي، وهي الريفية المتحدرة من أصول بوهيمية، ولا حظّ لها من التعليم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا ينسحب على صديقاتها المتحدرات من بيئات مشابهة، اللواتي تدرجن في الأعمال المتواضعة حتى امتلاك مشاريعهن الخاصة، فلينا لينجارد تحقق نجاحاً كبيراً في مهنة الخياطة وتجمع ثروة طائلة، وتايني سودربل تتحول إلى مستثمرة عقارات ناجحة، وماري سفوبودا تصبح مديرة رائعة وأفضل صانعة زبدة، والماريات الثلاث يصبحن طاهيات ماهرات ومدبرات منزل رائعات، ويغدون أكثر اتزاناً وعقلانية، والفتيات البوهيميات والاسكندنافيات اللواتي عملن أجيرات في البيوت ساعدن ذويهن، وحافظن على جمالهن، وبقين على جديتهن وتحفظهن.

 في المقابل، لم يكن البنسلفاني والفرجيني والنبراسكي يسمحون لبناتهن أن يعملن إلا إذا عملن مدرسات، وإلا بقين تحت وطأة الفقر. وهنا، تصطدم منظومتا قيم مختلفتان، ريفية، لا ترى ضيراً في عمل المرأة لمساعدة ذويها وتخليصهم من أعباء الديون، ومدينية، لا تسمح لها بالعمل سوى في مجالات محددة، حتى ولو أسرتها ترزح تحت وطأة الفقر، وغنيٌّ عن التعبير أن المنظور الروائي في "عزيزتي أنطونيا" ينحاز إلى منظومة قيم ريفية شكلت مع منظومة قيم مسيحية الإطار الأخلاقي لصمود المهاجرين في مهاجرهم وتحقيق أحلامهم.

 خطاب أدبي

 في الخطاب الروائي، تعهد كاثر إلى راوٍ مذكر هو المحامي جيم بوردن بمهمة الرواية، وإذا ما علمنا أن ثمة نقاط تقاطع بينها وبينه، من جهة أماكن الإقامة والهجرة، في الأقل، أمكننا الاستنتاج أن الراوي هو مجرد قناع للروائية، تتوارى خلفه، وتروي حكايتها في مسار خطي، غالباً ما تتعاقب فيه الأحداث شهرياً، بحيث تبدأ كثير من الفقرات بتحديد الشهر الذي تجري فيه. وهذه الخطّية الزمنية كثيراً ما تلازم الرواية الكلاسيكية، على أن النص المروي، على لسان الراوي، يترجح بين السرد الزاخر بالتفاصيل، والوصف النابض بالحياة، عاكساً مهارة الروائية العالية، مما يجعل من الرواية عملاً أدبياً بامتياز، لا سيما حين تصف الأماكن الطبيعية الخلابة، في الفصول المتعاقبة، وكيفية تفاعل الشخوص معها. ولعله من الإنصاف الإشارة إلى أن لغة الترجمة، الأنيقة الرشيقة، تسهم في تعزيز هذه الأدبية، إلى حد كبير. هذه المواصفات وغيرها، سواء على مستوى الحكاية أو الخطاب، تجعل من "عزيزتي أنطونيا" رواية جديرة بالترجمة، ولو بعد صدورها باللغة الأم بقرن ونيف، وتحول عملية القراءة إلى لحظة محفوفة بكثير من المؤانسة والإمتاع.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة