Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لويز" الفرنسي شاربانتييه "ملكة" البوهيميين في مونمارتر

حكاية حب في أجواء شعبية باريسية خرجت من تحت رقابة مبدعها

من تقديم معاصر لمغناة "لويز" (موقع العرض)

ملخص

عندما قدم الموسيقي الفرنسي غوستاف شاربانتييه أوبراه "لويز" للمرة الأولى، لم يعرفها بكونها "أوبرا" أو "أوبريت"، بل على اعتبارها، كما جاء حرفياً في الملف الصحافي آنذاك: "رواية موسيقية في أربعة فصول وخمسة مشاهد"

عاش الموسيقي الفرنسي غوستاف شاربانتييه نحو 100 سنة، وهو عرف طوال مساره الفني الطويل ضروب نجاح كثيرة، في مجال تلحين الشعر الكبير، إذ اشتهرت له أغنيات لحنها انطلاقاً من قصائد لبودلير ولفولتير أحياناً، وكذلك في مجال الأوبرا، لا سيما الأوبرا الخفيفة التي كادت تنتمي إلى فن الأوبريت.

ومع هذا تظل أوبراه "لويز" أشهر أعماله وأهمها من ناحية شعبيتها، حتى وإن توافق النقاد دائماً على أنها ليست الأقوى، ولا الأجمل بين أعمال فنان كان غزير الإنتاج متنوعه.

مهما يكن، أسهمت أمور عدة في شهرة "لويز"، ربما كان عرضها الأول وتوقيته أبرزها: فأوبرا "لويز" عرضت للمرة الأولى يوم الثاني من شباط (فبراير) 1900، في "الأوبرا كوميك" الباريسية، مما أدى إلى اعتبارها أول عمل أوبرالي من هذا النوع في القرن الـ20. فإذا أضفنا إلى هذا أن الفنانة التي لعبت دور "لويز" في ذلك العرض التاريخي، كانت مغنية الأوبرا السوبرانو الاسكتلندية الشهيرة ماري غاردن، يمكننا أن نفهم ذيوع "لويز" بسرعة واستحواذها على أذهان الناس إلى درجة أن واحدة من أغنياتها وهي تلك التي تبدأ بعبارة "منذ اليوم الذي..."، كانت طوال عقود من القرن الماضي، الأغنية الأكثر شعبية في اللغة الفرنسية، وتدافع مغنون كثر إلى غنائها، خارج إطارها الأوبرالي الأصيل.

بساطة متناهية

ومع هذا كله، لا بد من أن نشير هنا إلى البساطة المتناهية التي وصمت موضوع "لويز"، بل كذلك - وبحسب نقاد كثر - سذاجة بعض مواقفها.

مهما يكن لا بد كذلك من الإشارة إلى أن شاربانتييه، منذ قدمها للمرة الأولى، لم يعرفها بكونها "أوبرا" أو "أوبريت"، بل على اعتبارها، كما جاء حرفياً في الملف الصحافي آنذاك: "رواية موسيقية في أربعة فصول وخمسة مشاهد". وشاربانتييه كتب كلمات العمل والألحان بنفسه، أما التقديم الأول فكان تحت القيادة الموسيقية لأندريه ميساجيه.

وتدور أحداث هذا العمل في أوساط الشعب الباريسي البسيط من البائسين وأبناء الطبقة العاملة، مع إطلالة على عوالم الفن والأدب البوهيمية، التي كانت ذات جاذبية كبرى في ذلك الحين، من خلال شخصية الشاعر العشريني الذي "كان يحلم بأن يغزو العالم كله، بدءاً بجارته الصبية الحسناء". وهذه الجارة الحسناء هي الصبية لويز، الخياطة تتعرف يوماً إلى جارها الشاعر جوليان، فيلفت نظرها وتنجذب  إليه. وإذ ينجذب هو بدوره إليها، سرعان ما تقوم بينهما علاقة حب كان يمكن أن تمضي بيسر وسهولة، لولا أن أم لويز تعارض. والسبب هو أن هذا الشاب يمضي جل وقته في كتابة الشعر وارتياد المقاهي والصالونات الأدبية البائسة، والأم تريد لابنتها أن تقع في حب رجل عامل يمكن الاتكال عليه لإنشاء أسرة وتأسيس بيت. صحيح أنه ليس لدى الأم أية مشاعر عدائية خاصة ضد الشعراء والفنانين، لكنها تريد لهم السعادة من بعيد، لا على حساب ابنتها.

إذاً، في المدخل التمهيدي يجد المتفرج نفسه، متعاطفاً إلى حد ما مع نظرة الأم، ولاحقاً حين تحس الأم أن الأمور في تطور بين ابنتها والشاعر، تنتقل من حال التحفظ إلى حال الممانعة العملية، لأنها قررت الآن أن تحول بين ابنتها والضياع. في المقابل هناك الأب، وهو عامل مجد وصادق، سنعرف بسرعة أنه ما كان من شأنه أن يقف حجر عثرة في وجه سعادة ابنته، لولا أن الأم تحثه، بل تجبره على ذلك، ناهيك بأن المعلومات التي توافرت له من حول جوليان لم تبد مشجعة على الإطلاق.

ملكة البوهيميين

بعد حين، وإذ يكتشف جوليان عداء الأم لفكرة ارتباط لويز به، وموقف الأب، لا يجد أمامه من سبيل للوصول إلى سعادة حبه مع لويز، سوى أن يقوم باختطافها ويهرب بها، فيفعل لنجدها وقد توجت من جوليان وصحبه "ملكة للبوهيميين في مونمارتر".

هنا أمام هذا التطور الجديد، لا تجد الأم بداً من تغيير تكتيكاتها، إذ إنها الآن تتوجه إلى ابنتها متوسلة إياها أن تعود للبيت كي لا يموت أبوها من الشجن والحسرة، فتعود لويز بشيء من التردد. وإثر عودتها يفهم الوالدان أخيراً أن جوليان حتى لو عادت له لويز، يريدها عشيقة له، لا زوجة، فتزداد حدة غضبهما ويعمدان هذه المرة إلى سجنها داخل البيت.

في البداية ترضخ لويز لهذا الخيار، إذ أدركت أن جوليان ليس جاداً تماماً، ثم نراها تعيش لحظات من الرضا، إذ يبدو لها أبوها أكثر من أمها بكثير - صادقاً صريحاً في تعامله معها، ولكن مع مضي الأيام تبدأ لويز شعور السأم إزاء هذا النوع من الحياة الذي تعيشه. تصرخ قائلة إنها في مطلق الأحوال تريد أن تعيش، قد لا تريد الآن أن تحب، وقد لا يكون جوليان هو الشخص الذي ستختاره شريكاً لفؤادها وروحها في المرحلة المقبلة، لكنها بالتأكيد باتت تريد أن تطل على الحياة وعلى العيش. وإذ تجابه أباها بهذا النوع من المحاججة، يشعر الأب أخيراً بالضجر منها، وبأنه لم يعد قادراً على احتمال رغباتها، بل نزواتها أيضاً. ولا يكون منه، إلا أن يطردها من البيت، فتغادر لويز بيت العائلة لتتلقفها باريس، ونفهم أنها خلال المرحلة التالية من حياتها ستضيع في شوارع هذه المدينة الكبيرة القاسية التي لم يعد من الممكن لبريء أن يعثر فيها على أي مكان يواصل فيه تعامله البريء مع الحياة.

من يلوم المدينة

في يقيننا أن هذا الجانب الوعظي الذي تختتم به هذه "الأوبرا" ملقية اللوم على المدينة في ضياع لويز، أكثر مما تلقيه على جوليان أو الوالدين، أو حتى على حكاية الحب التي خابت على مذبح أنانية كل شخصية من الشخصيات المحيطة بلويز، هو الذي لعب دوراً أساساً في اكتساب هذا العمل شعبية ما كان يمكنه أن يكتسبها لولا هذا التعبير عن قسوة المدينة.

ففي ذلك الحين، إذ كان عشرات الألوف من الريفيين يغزون، بحثاً عن عمل وحياة مختلفة، مدناً ما كانت بعد مستعدة لاستقبالهم، كان اللوم كله يوجه إلى المدينة كفكرة، لا كمكان جغرافي أيضاً.

ومن هنا كان الجمهور العريض، الذي يعيش في المدينة ولكن وسط خيبة أمل إزاءها، حساساً تجاه أي عمل فني أو أدبي يسعى إلى تعرية المدينة ولومها. وكان الفنانون يدركون هذا الأمر، فيدغدغون حساسية الجمهور غير واعين، أن هذا الجمهور هو الذي أفسد المدينة بانهماره عليها، متطلباً ما لم يكن في إمكانها أن توفره له.

ومهما يكن من أمر، وبعيداً من هذه الفكرة الأخيرة التي من الصعب تصور أنها كان يمكن أن تكون واضحة في ذلك الحين، كان لارتباط "لويز" بجزء من حياة باريس البوهيمية دور في نجاحها أيضاً. ولقد ظلت "لويز" تقدم مع ماري غاردن سنوات طويلة، بل حتى كان عام 1939، إذ حولت "لويز" فيلماً سينمائياً قامت ببطولته غريس مور، كان أشهر ما فيه أداء غريس لأغنية "منذ اليوم الذي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حين ظهرت الموهبة

ولد غوستاف شاربانتييه عام 1860، ومات في عام 1956، وهو كان ابناً لخباز أراد لابنه أن يسير على خطاه المهنية، ولكن حين أبدى الفتى رغبات موسيقية تبين أن وراءها موهبة حقيقية، ساعده في الالتحاق بكونسرفاتوار ليل ثم بمعهد باريس الذي التحق به عام 1881، إذ درس على جول ماسينيه، ثم نال بعد ست سنوات جائزة روما الكبرى على مغناته "ديدون"، مما جعله يتوجه ليعيش زمناً في العاصمة الإيطالية ربطه بموسيقى هذا البلد، لكنه ما لبث أن عاد لباريس، حيث لحن الأغاني والمسرحيات، حتى واتته الشهرة الكبرى مع "لويز".

وبعد أن تحقق له هذا النجاح أسس في العاصمة الفرنسية معهد "ميمي بنسون الشعبي"، الذي هدف منه إلى توفير تربية موسيقية مجانية لبنات الطبقة العاملة الباريسية. غير أنه، إذ حقق نجاحاً في هذا المجال، فقد في الوقت نفسه قدرته على الإبداع ولم يلحن سوى أعمال متحدرة من "لويز" لم ينجح أي منها نجاحها. ومن بين هذه الأعمال "جوليان أو حياة شاعر"، ولأن هذه الأوبرا الجديدة لم تلفت نظر أحد، وبالتالي لم تحقق أي نجاح، صار شاربانتييه واسمه في مهب النسيان ليعيش شبه عاطل من العمل خلال العقود الأخيرة من حياته. في الوقت نفسه الذي كانت تزداد فيه شعبية "لويز" إلى درجة أن الذين لم ينسوا اسم ملحنها، اعتبروه من الفنانين الذين لا يبدعون سوى عمل واحد في حياتهم!

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة