ملخص
تحاول الحكومة العراقية الحفاظ على خطاب رسمي يدعو إلى التهدئة ومنع زج العراق في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، فأكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن "الدولة بمؤسساتها هي المعنية بقرار الحرب"، مشدداً على أن استهداف البعثات الدبلوماسية أو قوات التحالف قد يعرض العراق لتبعات خطرة.
في خضم التصعيد المتسارع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، يجد العراق نفسه مرة أخرى في قلب معادلة إقليمية معقدة، تتداخل فيها حسابات السياسة والأمن والجغرافيا. فمع احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران واتساع رقعة العمليات العسكرية في المنطقة، تحاول الحكومة العراقية تبني موقف الحياد ومنع انزلاق البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة، غير أن الوقائع الميدانية والتوازنات الداخلية تجعل هذا الهدف شديد الصعوبة. فالعراق الذي يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة في مجالات الأمن والتسليح والتدريب العسكري، يحتفظ في الوقت ذاته بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة مع إيران، إضافة إلى وجود فصائل مسلحة عراقية ترتبط عقائدياً وسياسياً بمحور إقليمي تقوده طهران.
وبين هذه التوازنات المعقدة، تبدو مهمة بغداد، في الحفاظ على سياسة "الوقوف على مسافة واحدة" من الطرفين، اختباراً بالغ الحساسية.
تصعيد ميداني يعيد العراق لواجهة الصراع
خلال الأيام الأخيرة، شهدت مدن عراقية عدة تصعيداً أمنياً لافتاً، شمل بغداد وأربيل والأنبار وبابل، مع تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية مرتبطة بفصائل مسلحة، في وقت أعلنت فيه جماعات عراقية انخراطها المباشر في المواجهة إلى جانب إيران، كما نفذت فصائل مسلحة عمليات قصف استهدفت مواقع ومنشآت أميركية، من بينها محيط مطار بغداد الدولي.
ويقول مراقبون إن هذا التصعيد يعيد للأذهان مشهد "حرب الظل" التي شهدتها الأراضي العراقية خلال السنوات الماضية، حين كانت البلاد مسرحاً لتبادل الرسائل العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
كما عادت للواجهة أسماء تشكيلات مسلحة تستخدم عادة كواجهات عملياتية لبعض الفصائل، مثل "سرايا أولياء الدم" و"أصحاب الكهف" و"المقاومة الإسلامية" و"الكفيل"، وهي مسميات تلجأ إليها بعض الفصائل لإعلان مسؤوليتها عن عمليات عسكرية من دون إعلان مباشر من التنظيمات الأساسية.
في خضم هذا المشهد، أعلنت فصائل عراقية بارزة دخولها المباشر في المواجهة إلى جانب إيران، أبرزها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"كتائب سيد الشهداء" و"حركة أنصار الله الأوفياء"، وهي جماعات تمتلك تاريخاً طويلاً من العمل ضمن ما يعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق".
وبررت هذه الفصائل مشاركتها بما وصفته بـ"الدفاع عن محور المقاومة"، مؤكدة أن وجود القوات الأميركية في العراق يمثل تهديداً للأمن الإقليمي.
وقال الأمين العام لـ"حركة النجباء" أكرم الكعبي إن "المقاومة الإسلامية ماضية في إنهاء الوجود الأميركي في العراق"، متهماً واشنطن باستخدام قواعدها داخل البلاد للاعتداء على دول الجوار، ومشدداً على أن هدف الفصائل يتمثل في "تطهير العراق من دنس الاحتلال الأميركي".
لكن في المقابل، اختارت فصائل أخرى عدم الانخراط العسكري المباشر في المواجهة، على رغم تبنيها خطاباً سياسياً داعماً لإيران. ويرى مراقبون أن هذا التباين يعكس اختلافاً في الحسابات السياسية والعسكرية داخل المعسكر نفسه، إذ تحاول بعض الفصائل تجنب الانخراط المباشر في حرب قد تؤدي إلى توسيع نطاق الضربات داخل العراق.
مرة أخرى، تكرر الجماعات الخارجة عن القانون اعتداءها الآثم باستهداف مقر السفارة الأمريكية في العاصمة بغداد مساء اليوم. هذا العمل الإجرامي المدان والمرفوض من قبل الدولة يمثل اعتداءً إرهابياً صارخاً على سيادة العراق وهيبته.
— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء (@IraqiPMO) March 17, 2026
إن استهداف مقار البعثات الدبلوماسية، بما يمثله من عمل غير…
محاولات ضبط الإيقاع
في ظل هذه التطورات، تحاول الحكومة العراقية الحفاظ على خطاب رسمي يدعو إلى التهدئة ومنع زج العراق في الصراع. فأكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن "الدولة بمؤسساتها هي المعنية بقرار الحرب"، مشدداً على أن استهداف البعثات الدبلوماسية أو قوات التحالف قد يعرض العراق لتبعات خطرة.
وأشار السوداني إلى أن الحرب المتسعة في المنطقة تهدد مشاريع البنى التحتية وسلاسل الإمداد وإمدادات الطاقة، مؤكداً أن الحكومة تعمل مع الأطراف الإقليمية والدولية لإيقاف التصعيد.
كما شدد على أن واجب الدولة وفق القانون يتمثل في احتكار وسائل العنف، في إشارة واضحة إلى ضرورة حصر العمل العسكري بيد المؤسسات الرسمية.
وفي السياق نفسه، أعلنت وزارة الخارجية العراقية رفضها القاطع لأي اعتداء يستهدف البعثات الدبلوماسية، مؤكدة أن الحكومة ملتزمة بضمان أمن هذه البعثات، وفق القانون الدولي.
قنوات دبلوماسية مع واشنطن
وفي محاولة لاحتواء التوتر، بحث وكيل وزارة الخارجية للعلاقات الثنائية محمد حسين بحر العلوم مع القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد جوشوا هاريس التطورات العسكرية الأخيرة.
وأكد الجانب العراقي أن استمرار الحرب يهدد أمن البلاد وسيادتها، مشيراً إلى الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع داخل بغداد وكركوك والأنبار وبابل.
في المقابل، شدد المسؤول الأميركي على تمسك واشنطن بشراكتها الاستراتيجية مع العراق، مؤكداً أن العمليات العسكرية الأميركية تأتي في إطار الرد الدفاعي على التهديدات التي تستهدف مصالحها.
أتقدم إلى سماحة آية الله السيد مجتبى علي الخامنئي، بالتهنئة والتبريك بمناسبة انتخابه مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
— محمد شياع السوداني (@mohamedshia) March 9, 2026
ونحن إذ نجدد العزاء باستشهاد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، ومن معه من أسرته وباقي الشهداء من أبناء الشعب الإيراني الكريم، فإننا نعبّر عن ثقتنا…
ساحة مواجهة
ويرى الباحث في مجال الأمن عبدالغني الغضبان أن "العراق يقف أمام مرحلة حساسة للغاية، إذ تتقاطع على أراضيه مصالح قوى إقليمية ودولية متصارعة".
ويقول الغضبان في تصريح صحافي إن المؤشرات الميدانية الحالية توحي بأن العراق بدأ يدخل تدريجاً في قلب المواجهة، خصوصاً مع تصاعد الضربات العسكرية واستهداف مواقع الفصائل المسلحة، ويضيف أن المشكلة لا تكمن فقط في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بل في تعدد الأطراف المنخرطة في هذا الصراع، بما في ذلك إسرائيل التي تسعى، بحسب تقديره، إلى توسيع نطاق المواجهة في المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وزاد أن "العراق يواجه معادلة معقدة، إذ يتعرض لضغوط أمنية من الخارج، في وقت تعاني فيه الساحة الداخلية انقسامات سياسية وتباينات في المواقف".
وشدد على أن "بعض القوى السياسية والفصائل المسلحة تنظر إلى الصراع من زاوية المصالح الإقليمية أو الأيديولوجية، في حين يركز المواطن العراقي على أولويات مختلفة تتعلق بالاستقرار والأمن والخدمات".
من جانبه، يرى الباحث في العلاقات الدولية علي الشمري أن "قدرة العراق على تبني سياسة الحياد تعتمد أولاً على وجود قرار وطني موحد".
ويقول الشمري إن "الحكومة العراقية تعلن بوضوح رفضها زج البلاد في الصراع، لكن الواقع السياسي يشير إلى وجود مراكز قوة متعددة داخل الدولة"، ويضيف أن بعض الفصائل المسلحة تنظر إلى الصراع من زاوية مختلفة عن رؤية الحكومة.
ويرى أن تحقيق الحياد يتطلب إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية في اتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية.
بين الجغرافيا والسياسة
لكن الباحث في الشؤون العراقية مؤيد الخفاجي أكد أن "العراق يواجه معادلة معقدة بين الجغرافيا السياسية والواقع الداخلي، فموقعه الجغرافي يجعله قريباً من خطوط التماس الإقليمية، في حين أن تركيبته السياسية والأمنية تجعل من الصعب تبني موقف حيادي صارم".
"وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة العراقية إلى تجنب الانخراط في الحرب عبر المسار الدبلوماسي، تشير التطورات الميدانية إلى أن العراق ما زال يتأثر بصورة مباشرة بتوازنات القوى الإقليمية"، بحسب الخفاجي.
وتساءل "هل يستطيع العراق الحفاظ على سياسة الحياد في خضم عاصفة إقليمية متصاعدة، أم أن طبيعة التوازنات الداخلية والخارجية ستدفعه مرة أخرى ليكون ساحة للصراع بدلاً من أن يكون جسراً للحوار في الشرق الأوسط؟"، مبيناً أن "الأيام المقبلة ستكشف لنا كثيراً من الأحداث الساخنة على مستوى العراق والمنطقة".