Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أشباح "الجنوب الاشتراكي" تعيد إنتاج تهديدات الستينيات لأمن الخليج

بين مطرقة تمرد "الانتقالي" وسندان تمدد الحوثي... خطوط السعودية الحمراء تعمل على تحصين المنطقة واليمن من دوامة التفتيت الكبير

في عهد "الجنوب الماركسي" كانت هذه المناطق تمثل "القاعدة المتقدمة" لتصدير الثورة بوصفها الدولة الاشتراكية الوحيدة داخل المنطقة العربية (اندبندنت عربية)

ملخص

لم تكن حضرموت والمهرة يوماً مجرد جغرافيا عابرة في الصراع، ففي عهد "الجنوب الماركسي" كانت هذه المناطق تمثل "القاعدة المتقدمة" لتصدير الثورة بوصفها الدولة الاشتراكية الوحيدة داخل المنطقة العربية

بينما كانت نيران "ثورة ظفار" خلال الستينيات تشتعل بدعم من النظام الماركسي في عدن لتهديد استقرار الخليج، يعود المشهد اليوم خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025 بصورة مغايرة في الأيديولوجيا، ومتطابقة في الجغرافيا والنتائج، فالتحرك العسكري الواسع للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة لا يرفع فقط وتيرة التوتر الحدودي مع السعودية وعمان، بل يفتح "صندوقاً أسود" ظن العالم أنه أُغلق مع سقوط جدار برلين، وهو صندوق تفتيت اليمن الذي يجد فيه الحوثيون في الشمال ضالتهم الكبرى لإحكام قبضتهم، مستغلين حال التمزق العرضي في معسكر خصومهم.

لم تكن حضرموت والمهرة يوماً مجرد جغرافيا عابرة في الصراع، ففي عهد "الجنوب الماركسي" كانت هذه المناطق تمثل "القاعدة المتقدمة" لتصدير الثورة بوصفها الدولة الاشتراكية الوحيدة داخل المنطقة العربية، على تقاطع مع كوبا وكوريا الشمالية وألمانيا الشرقية.

يوثق المتخصص الأميركي روبرت ستوكي في كتابه "جنوب اليمن، جمهورية ماركسية في العربية" كيف استنزف النظام الاشتراكي موارد حضرموت لتمويل الجبهة الشعبية لتحرير الخليج، وهي حقبة شهدت أول عملية هندسة اجتماعية قسرية عبر تأميم الأراضي وملاحقة النخب التقليدية، مما خلق شرخاً تاريخياً أدى لهجرة الرساميل والعقول الحضرمية نحو السعودية ودول الخليج.

من الجنوب الشيوعي إلى الإسرائيلي

واليوم، تبرز شهادات النخب والوجهاء في حضرموت لتعيد رسم ملامح ذلك القلق الوجودي من سطوة المجلس الانتقالي مجدداً، ولكن مع حلفاء مختلفين لا يقل خطرهم عن الشيوعية، هم الإسرائيليون، الذين تقول أطراف عربية وخليجية إن مطامع نفوذهم في البحر الأحمر وممراته الاستراتيجية انتقلت من مرحلة النيات إلى التنفيذ، بعد الاعتراف بما يسمى جمهورية "أرض الصومال" وتهيئة الظروف لخطوة مشابهة في عدن، منطقة نفوذ "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الذي أراد فرض الأمر الواقع على حضرموت والمهرة أيضاً الواقعتين على الحدود السعودية والعمانية، مما حرك مخاوف الأمس لتصبح هاجساً في الحاضر.

يستذكر كثر بمرارة كيف فر آلاف الحضارمة والمهرة خلال السبعينيات والثمانينيات عبر الجبال والوديان الوعرة باتجاه سلطنة عمان والسعودية هرباً من السحل الميداني والمصادرات "الثورية" التي طاولت حتى صغار الكسبة.

هذه الذاكرة الجمعية تغذي اليوم الرفض الشعبي الواسع في سيئون والمكلا لأية محاولة لفرض الوصاية المركزية من عدن مرة أخرى تحت أي مسمى، خصوصاً بعد ظهور تقارير وأدلة عن انتهاكات شخصيات محسوبة على "الانتقالي" مثل "أبو علي الحضرمي" الذي أعاد لأذهان المهتمين جرائم عناصر "الدعم السريع" في الفاشر السودانية وسواها، حتى أطلق عليه لقب "أبو لولو حضرموت"، في إشارة إلى الشخصية الدموية ذائعة الصيت في السودان. وهي انتهاكات استوقفت رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي ضمن خطابه الذي ناشد فيه الإمارات الكف عن تلك العناصر في حضرموت وسواها.

المكون الحضرمي

ومعروف أن "أبو علي الحضرمي" اسم حركي يرمز إلى العميد صالح علي بن الشيخ أبو بكر، بوصفه شخصية جنوبية بارزة ومثيرة للجدل من حضرموت عُرف بقيادته قوات الدعم الأمني في المحافظة، وكونه شخصية مؤثرة في القضية الجنوبية ارتبط اسمه بعلي سالم البيض وتدريبات في لبنان واتهامات بتلقي دعم إيراني والعمل لمصلحة أجندات إماراتية، ولا يزال الآن في قلب صراع السيطرة القائم على حضرموت، باعتباره ذراعاً للمجلس الانتقالي الجنوبي داخل المحافظة.

ويرى أكثرية الحضارمة في المجلس الانتقالي امتداداً لنفس "العقلية الإقصائية" التي لا تؤمن بالتعددية أو بحق المناطق في إدارة ثرواتها وقرارها، وهو ما يفسر حال الاستنفار المجتمعي ضد زحف الميليشيات نحو مناطق الوادي والصحراء، خشية أن تتحول حضرموت مجدداً إلى "بقرة حلوب" لتمويل حروب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

 

يأتي ذلك في حين تنظر السعودية إلى حضرموت بخصوصية فائقة، فالمكون الحضرمي يمثل ركيزة اجتماعية واقتصادية ضاربة في العمق السعودي، إذ اندمجت الأسر الحضرمية في نسيج السعودية منذ عقود وأصبحت جزءاً من نهضتها، فضلاً عن الحدود الجغرافية المترامية والوعرة التي تجعل من أي اضطراب داخل هذه المنطقة تهديداً مباشراً لقلب الجزيرة العربية.

عودة المخاوف التاريخية

 يرى المتخصص في مجال العلوم السياسية السعودي إياد الرفاعي أن تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي أعادت إلى الواجهة مخاوف تاريخية لدى الرياض، مؤكداً أن "التصعيد المسلح جنوب اليمن لا يُقرأ كخلاف داخلي عابر، بل كأخطار مركبة تمس كيان الدولة اليمنية وتفتح المجال لتسلل نفوذ إقليمي جديد يوازي النفوذ الإيراني في الشمال". ويضيف أن هذا المسار "يشكل تهديداً مباشراً لأمن البحر الأحمر وباب المندب والملاحة الدولية، ويمتد أثره إلى الأمن الوطني السعودي وحدودها الجنوبية".

لكن الرفاعي يشير إلى أن ارتباط الجنوب بقوى خارجية "ليس ظاهرة مستجدة"، موضحاً أن "اليمن الجنوبي انتقل تاريخياً من ارتهان أيديولوجي لموسكو خلال ستينيات القرن الماضي إلى تبعية إقليمية معاصرة، وهو ما يفسر حساسية الموقف السعودي". ويؤكد أن "رفض الانفصال بالقوة يمثل امتداداً طبيعياً لسياسة سعودية ثابتة تهدف إلى حماية استقلال اليمن ومنع تحويله إلى ساحة نفوذ لأي طرف خارجي، بما يحفظ أمن المملكة والخليج معاً".

 هذه المعطيات هي التي تفسر سرعة التدخل السعودي، سواء عبر "عاصفة الحزم" قبل عقد من الزمان لمنع ارتهان اليمن للمشروع الإيراني، أو عبر العمليات العسكرية والدبلوماسية الراهنة التي وصفها بيان الخارجية السعودي صراحة بأنها "ردع لتهديدات مست الأمن الوطني للمملكة".

بالنسبة إلى القيادة في الرياض، فإن استقرار حضرموت والمهرة ليس مجرد شأن يمني داخلي، بل هو "خط أحمر" لا يقبل المساومة، لأن أي فراغ أمني هناك سيعني بالضرورة تحويل هذه الحدود إلى ممرات للتهريب والتسلل والتنظيمات الإرهابية، وهو ما لن تسمح به السعودية مهما كانت الكلفة.

تطابق عربي على تهديد الانفصال

ضمن هذا السياق، يلفت الرفاعي إلى الأهمية الخاصة التي تحتلها المحافظة في الحسابات السعودية، قائلاً إن "حضرموت ليست مجرد محافظة حدودية بل عمق اجتماعي وثقافي واقتصادي متشابك مع المملكة، وتشكل درعاً جغرافياً وأمنياً حيوياً". ويشدد على أن "استقرار حضرموت والمهرة خط أحمر، وأية محاولة لإخضاعهما لنفوذ أجنبي تعد اختلالاً في معادلة الأمن الإقليمي"، موضحاً أن السياسة السعودية تقوم على "دعم الشرعية ورفض فرض الوقائع بالقوة، مع رسائل واضحة بأن الجنوب لن يتحول إلى منصة نفوذ خارج الدولة اليمنية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وضمن هذا المشهد المعقد، يبرز الحوثيون كشريك غير مباشر في عملية تفكيك الدولة، فبينما ينشغل المجلس الانتقالي بطرد القوات الحكومية من حضرموت، يجد الحوثيون في صنعاء فسحة استراتيجية لتعزيز قدراتهم الصاروخية ومواصلة استهداف الملاحة الدولية، إذ إن كل طلقة يوجهها المجلس الانتقالي نحو قوات الشرعية هي "هدية مجانية" لمشروع الحوثي، الذي يراقب تآكل المعسكر الذي تشكل أصلاً لمواجهته.

المفارقة التاريخية تكمن في أن المجلس الانتقالي يمارس اليوم نهج التمرد ذاته الذي سلكه الحوثيون عام 2014، من سيطرة على المعسكرات وفرض سلطة الأمر الواقع، مما يؤدي إلى نتيجة واحدة وهي "اليمن الممزق" الذي يسهل فيه للحوثيين ادعاء دور حامي الحمى في الشمال، بينما يغرق الجنوب في صراعات بينية حول الموارد والهوية، وهو ما يصفه الباحث ينس هيبست بأنه "إعادة تعريف للجغرافيا السياسية بطريقة تخدم الأجندات الصدامية، وتجعل من المستحيل مستقبلاً تأمين الحدود مع الجوار".

إن التاريخ يعلمنا أن دولة الجنوب عندما كانت معادية لمحيطها الخليجي خلال السبعينيات انتهت إلى عزلة دولية وانهيار اقتصادي، واليوم فإن محاولة فرض الانفصال بالقوة العسكرية في حضرموت والمهرة تمنح الحوثيين "عقد استدامة" طويل الأمد، وتحول الجنوب إلى بؤرة استنزاف لأمن الخليج.

إيمان معظم دول المنطقة بذلك، هو ما جعل دول عربية عدة مثل مصر والأردن والصومال وقطر والبحرين والكويت، فضلاً عن سلطنة عمان المكوية بهذا النار مع السعودية، تشدد عبر بياناتها على أهمية مراعاة مصلحة المنطقة الاستراتيجية الكامنة في منع التمزيق الثالث لليمن، فكما كانت ثورة ظفار درساً في ضرورة التلاحم لوأد الفتنة فإن أحداث حضرموت تتطلب جراحة سياسية تعيد دمج المكونات الجنوبية في إطار الدولة، وتقطع الطريق على الحوثيين الذين يقتاتون على جثث الدول المنهارة، فمن دون حل سياسي شامل يمنع التوسع الثوري أو الميليشياوي سيبقى اليمن مصنعاً للأزمات العابرة للحدود، سواء كانت بصبغة حمراء ماركسية كما في الماضي، أو بصبغة مناطقية وتفتيتية كما يظهر في الحاضر.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل