Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دراما ناقلة النفط تذكير ساطع بعدم احترام الولايات المتحدة للقواعد

بعد يوم واحد من احتجاز سفينة ترفع العلم الروسي في المياه الدولية، ألغى ترمب العمل بعشرات الاتفاقات والمعاهدات الدولية رغم أن التزام واشنطن بها كان دائماً الاستثناء وليس القاعدة

طاردت الولايات المتحدة ناقلة نفط كانت ترفع العلم الروسي واحتجزتها بزعم خرقها العقوبات المفروضة على فنزويلا (رويترز)

ملخص

يكشف احتجاز ناقلة نفط روسية ثم انسحاب واشنطن من عشرات الاتفاقات الدولية عن استمرار نهج أميركي تاريخي قائم على الأحادية وانتقائية الالتزام بالقانون الدولي، مدفوعاً بموازين القوة لا بالقواعد، في وقت يواجه هذا السلوك تحديات متزايدة مع صعود قوى دولية منافسة.

استهلت الولايات المتحدة الأميركية العمل في بداية العام الجديد بالإعلان عن الانسحاب مما لا يقل عن 66 اتفاقاً وتكتلاً دولياً، أبرزها الاتفاق الأم لمعاهدة باريس للمناخ لعام 2015. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن هذا القرار جاء بعد مراجعة شاملة استنتجت أن تلك الاتفاقات والمعاهدات تعمل بصورة تتعارض مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة.

إضافة إلى اتفاق الأمم المتحدة الإطاري في شأن تغير المناخ، كانت المنظمات والاتفاقات الأخرى التي تأثرت بالقرار، اتفاقات ومنظمات عدة تعنى بقضايا إقليمية ومسائل التعليم والأمور الجندرية، بما في ذلك قضايا حماية النساء والأطفال واتفاق قد يدفع بعضهم إلى الابتسام بصورة ساخرة في ضوء الأحداث الأخيرة وهو اتفاق التعاون الإقليمي من أجل مكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن في آسيا.

وأثار إعلان الإنسحابات الذي قالت الولايات المتحدة إنه سيتم في أقرب وقت ممكن، إدانات واسعة النطاق. فهذه الإجراءات لا تقتصر على إزالة التمثيل الأميركي في تلك الهيئات وحسب، بل تؤدي في كثير من الحالات إلى إزالة مصدر رئيس لتمويل تلك المؤسسات، مما ينقل عبء الكلف إلى الدول الأخرى التي غالباً ما تكون أفقر بكثير، أو تصبح [هذه الهيئات] معرضة للتفكيك. أما ما ستوفره الولايات المتحدة الأميركية من المال مقارنة بفقدانها لتأثير "القوة الناعمة"، فهي مسألة أخرى.

وفي بعض الأوساط، ينظر إلى هذا الانسحاب الأميركي الواسع من مساحات كبيرة من الدبلوماسية العالمية على أنه النظير الدولي لإدارة "كفاءة الحكومة" (DOGE) التي أسندت إلى إيلون ماسك مطلع الولاية الثانية لدونالد ترمب. وفي أوساط أخرى، يعد هذا التوجه مكملاً لإجراءات أكثر دراماتيكية اتخذتها الولايات المتحدة، أو لوحت بها، مع مطلع العام الجديد، من بينها النقل القسري للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى الولايات المتحدة، واحتجاز ناقلة نفط ترفع العلم الروسي وتصنف ضمن "أسطول الظل" الملتف على العقوبات، إضافة إلى إعادة تأكيد طموحات واشنطن حيال جزيرة غرينلاند.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، فإن اعتبار هذا الابتعاد الأميركي خلال عهد ترمب قطيعة تامة مع عقود من السياسة الأميركية سيكون استنتاجاً خاطئاً، إذ إن الانضمام إلى المنظمات والاتفاقات الدولية، ولا سيما الدخول النشط فيها، لم يكن يوماً ركناً أساسياً في الدبلوماسية الأميركية.

في الواقع، إن العمل الجماعي بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو استثناء أكثر منه القاعدة، وحتى عندما كانت واشنطن توافق على المشاركة، فإنها كانت تفعل ذلك عموماً وفق شروطها الخاصة.

كما أظهر فيلم وثائقي تلفزيوني حديث، لم تنضم الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة عند تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية إلا بعد قدر كبير من الإقناع، بل ما يشبه الرشوة السياسية، عبر منحها حق النقض (الفيتو). وهي واحدة من 191 دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لعام 1968، غير أن هذا الالتزام لم يرتب عملياً أية أعباء على القوة الأميركية، بوصفها دولة نووية وعضواً دائماً في مجلس الأمن.

وتعد واشنطن أيضاً طرفاً في اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية لعام 1993، لكنها لم تسمح في أي وقت بإجراء عمليات تفتيش مفاجئة على منشآتها، على خلاف ما هو إلزامي بالنسبة إلى دول أخرى. ويُذكر أن ملف التفتيش ذاته كان المدخل الذي جعل كلاً من العراق وإيران عرضة لتحركات دولية – أي أميركية، أو بقيادة الولايات المتحدة.

وينطبق منطق مشابه على اتفاق قانون البحار لعام 1982، إذ شاركت الولايات المتحدة في المفاوضات ووقعت الاتفاق، لكنها لم تصدق عليه قط. ويحد ذلك من قدرة دول أخرى مثل روسيا، على اتهام واشنطن بانتهاك القانون الدولي عند مهاجمتها ناقلة نفط روسية، إذ إن الولايات المتحدة لا تعد نفسها خاضعة عملياً لهذا القانون.

وبعبارة أخرى، وعلى رغم ما قد يثيره السلوك الأحادي الفج لبعض التحركات الأميركية الأخيرة من دهشة، فإن الولايات المتحدة نادراً ما كانت "لاعب فريق" بالفطرة على الساحة الدولية. وإذا كانت معظم الدول تبدي قدراً من الإحساس بتفردها، ولا سيما تلك التي تتمتع بتاريخ طويل كدول قومية – ومن بينها بريطانيا – فإن "الاستثنائية الأميركية"، المدعومة بالقوة العسكرية ومكانة الدولار عملة احتياطية عالمية، تذهب في الممارسة أبعد بكثير مما تستطيع غالبية الدول تحمله.

وتبقى المحكمة الجنائية الدولية نموذجاً صارخاً لذلك، فالولايات المتحدة لم تقترب يوماً من الانضمام إلى المحكمة، واتخذت في أحيان كثيرة موقفاً تصادمياً منها، على رغم أنها لا تتردد في الاستشهاد بأحكامها حين يخدم ذلك مصالحها، والضغط في الوقت ذاته لإخضاع أطراف أخرى لسلطتها.

وكانت واشنطن أيضاً من أشد الداعمين للمحكمة الخاصة التي أنشئت لمحاكمة الرئيس الصربي الراحل سلوبودان ميلوشيفيتش، غير أن مساراً قضائياً مماثلاً لم يطرح يوماً للنظر، مثلاً، في الغزو الأميركي للعراق الذي نفذ من دون تفويض من الأمم المتحدة. ونتيجة لذلك، ينظر إلى المحكمة الجنائية الدولية خارج الغرب على أنها مثال لا على "عدالة المنتصر" وحسب، بل على عدالة تدار باسم العالم الغني ضد بقية العالم.

وخلاصة القول إن بعض تصرفات إدارة ترمب خلال الأسابيع الأخيرة قد تبدو أكثر جرأة ومجازفة من المعتاد، لكنها لا تمثل قطيعة كاملة مع نهج أميركي راسخ كثيراً ما تعامل مع الولايات المتحدة بوصفها "شرطي العالم"، من دون أن تكون ملزمة دائماً تطبيق القواعد على نفسها. ففي نهاية المطاف، كان الحكم الفعلي هو ميزان القوة.

لكن صعود الصين وتعاظم نفوذ دول مجموعة "بريكس" قد يكونان بداية لتغيير هذا الواقع، مما يعيد للأذهان أحد محاور رئاسة بيل كلينتون. ففي وقت كان ينظر إليه على أنه ذروة القوة الاقتصادية الأميركية، أبدى كلينتون نزعة نادرة نحو التعددية، إذ رأى أن على الولايات المتحدة استخدام ما تملكه من قوة للإسهام في صياغة القواعد الدولية، تحسباً ليوم قد لا تبقى فيه الولايات المتحدة "القوة المهيمنة".

وقد يكتشف رؤساء أميركيون في المستقبل عن أن تلك الرؤية، أياً تكن النجاحات المحدودة التي حققتها آنذاك، طواها النسيان إلى حد بعيد.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء