ملخص
الجديد في التظاهرات الضخمة التي تتسع كل يوم في إيران أنها ترافقت مع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل العسكري وتوجيه ضربة لإيران إذا قتلت قوات الأمن الإيرانية المتظاهرين، وهو ما أصبح اختباراً حاسماً للنظام في طهران من شأنه أن يثير تساؤلات عما إذا كانت هذه التصريحات غير المسبوقة من زعيم أكبر دولة في العالم تستهدف استبدال نظام آخر يقوده رضا بهلوي نجل الشاه الراحل، بالنظام الحالي، أم الضغط على القيادة الإيرانية لتلبية المطالب الأميركية، أم تشجيع فصائل أو قوى داخل النظام على الانشقاق لإطاحة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (86 سنة) تمهيداً لحدوث تغيير حقيقي يتوافق مع المصالح الأميركية في سيناريو مماثل لما حدث مع مادورو في فنزويلا الأسبوع الماضي؟
لا توجد مؤشرات تذكر إلى أن التهديدات الأميركية لإيران ستنتهي قريباً، بل على العكس تتصاعد وتستمر بصورة يومية من جانب الرئيس دونالد ترمب الذي تعهد بضرب إيران بقوة إذا قتلت قوات الأمن الإيرانية المتظاهرين، لكن على رغم قطع إيران الاتصالات عن العالم في لحظات عصيبة تستهدف قمع المعارضة، وتزايد التقارير الحقوقية عن عشرات القتلى، فإن ترمب لم يجد حتى الآن سبباً وجيهاً للتدخل الفوري، بل رفض تأكيد رغبته في تغيير النظام، واستبعد لقاء رضا بهلوي نجل الشاه السابق، ولم تظهر مؤشرات عن استعدادات عسكرية وشيكة، فما الذي يريده ترمب؟ وهل سيضرب إيران أم يستخدم نهج فنزويلا، أم لديه بدائل أخرى؟
اللحظة الأكثر خطراً
يواجه النظام الإيراني أخطر لحظاته منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، فهو يعيش في بيئة معزولة عن حلفائه وشركائه الإقليميين والدوليين، بعدما سقط نظام بشار الأسد في سوريا، واختطف نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا بشكل مهين في عملية عسكرية أميركية قبل أيام، وأضعفت إسرائيل وكلاءه الإقليميين، ودمر الرئيس ترمب برنامجه النووي، بينما يعاني أيديولوجية تحتضر، وشرعية تحتضر، واقتصاداً يحتضر، وقائداً يحتضر، كما يقول الباحث في مؤسسة "كارنيغي" للسلام الدولي في واشنطن كريم سجادبور.
وعلى رغم أن النظام في طهران لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية فتاكة، فإن إيران تبدو على وشك تحول سياسي، لأن كلاً من الشعب والنظام يدركان أكثر من أي وقت مضى أن الوضع الراهن غير مستدام، فوسط الاحتجاجات المتزايدة التي امتدت إلى نحو 100 مدينة، وعلامات الإحباط والإرهاق التي يشعر بها الإيرانيون بسبب التضخم المستعر الذي تجاوز 40 في المئة منذ يونيو (حزيران) الماضي، وتصاعد أزمة المياه وكثير من المشكلات الحياتية الأخرى، بلغ الوضع ذروته مما يزيد من تآكل شرعية الدولة التي أصبحت مهتزة بالفعل، وتبدو في نهاية عمرها، كما تقول مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز "تشاتام هاوس" سانام فاكيل.
يؤكد تاريخ العلاقات الأميركية - الإيرانية على التدخل الأميركي المتكرر، فقد أدى الانقلاب الذي دعمته الولايات المتحدة عام 1953، والذي أطاح رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً محمد مصدق، إلى تنصيب الشاه رضا بهلوي، الحاكم الذي كان صديقاً للولايات المتحدة ولبى مصالح النفط الغربية الأخرى، على رغم أن حكمه أثار رد فعل عنيفاً أدى إلى اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979.
ومنذ أزمة الرهائن الأميركيين قبل أكثر من 45 عاماً شهدت العلاقات بين البلدين مستويات متفاوتة من الصراع، الذي عادة ما تجلى في أعمال دبلوماسية أو سرية، مثل استخدام الاستخبارات الأميركية فيروس "ستوكسنت" لتعطيل المنشآت النووية الإيرانية في أوائل العقد الأول من القرن الـ21.
وبعد إعادة العقوبات الأميركية على إيران في أعقاب انسحاب ترمب من الاتفاق النووي لعام 2015، وقتل الولايات المتحدة قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني قاسم سليماني خلال ولاية ترمب الأولى، ورد طهران بهجوم رمزي على مساكن محصنة للقوات الأميركية، أصبحت إيران بالفعل في مرمى نيران الرئيس ترمب، وهو ما مارسه عملياً في استخدام القوة ضد النظام في حملة قصف المواقع النووية العام الماضي تزامناً مع الهجمات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي الإيرانية، وهو الآن يطلق تحذيرات مربكة تشير إلى احتمال أن يحاول تغيير النظام في إيران، مستغلاً التظاهرات الضخمة داخل إيران، وتدهور العلاقات مع طهران حالياً، الذي يعود إلى الصراع المستمر بين النظام وإسرائيل، وكذلك إلى فشل التوصل إلى اتفاق جديد في شأن برنامج إيران النووي.
نظرية الرجل المجنون
يبدو أن النظام الإيراني قلق للغاية، لأنه يدرك أن الرئيس ترمب رفع نظرية الرجل المجنون إلى مستويات جديدة، إذ أثبت أنه ليس مستعداً فحسب، بل وقادر على خوض أخطار كبيرة في مواجهة إيران أياً كانت عواقب ذلك.
فقد أمر ترمب بقتل الجنرال قاسم سليماني عام 2020، وهاجم إيران بقاذفات بي-2 الشبحية لتدمير منشآتها النووية في صيف عام 2025، ولذلك يأخذ القادة في إيران تهديده على محمل الجد، وفقاً لمدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي فايز، الذي يشير إلى أن "ما يزيد معضلاتهم حقيقة أنهم لا يعرفون الشكل الذي سيتخذه هذا التهديد، سواء كان سرياً أو علنياً، عسكرياً أو غير عسكري، بخاصة أن الموقف الإسرائيلي الأكثر تشدداً تجاه إيران يعد عاملاً مهماً أيضاً مع سعي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى إقناع ترمب بضرورة اتخاذ إجراءات مشتركة أوسع نطاقاً ضد إيران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن الجديد في التظاهرات الضخمة التي تتسع كل يوم في إيران، أنها ترافقت مع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل العسكري وتوجيه ضربة لإيران إذا قتلت قوات الأمن الإيرانية المتظاهرين، وهو ما أصبح اختباراً حاسماً للنظام في طهران من شأنه أن يثير تساؤلات عما إذا كانت هذه التصريحات غير المسبوقة من زعيم أكبر دولة في العالم تستهدف تغيير النظام الحالي بنظام آخر يقوده رضا بهلوي نجل الشاه الراحل، أم الضغط على القيادة الإيرانية لتلبية المطالب الأميركية، أم تشجيع فصائل أو قوى داخل النظام على الانشقاق لإطاحة المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (86 سنة) تمهيداً لحدوث تغيير حقيقي يتوافق مع المصالح الأميركية في سيناريو مماثل لما حدث مع مادورو في فنزويلا الأسبوع الماضي.
وفي حين بدت عودة رضا بهلوي مجازفة حقيقية، واستبعد ترمب لقاءه أخيراً نظراً إلى ابتعاد نجل الشاه عن البلاد عقوداً طويلة، وانقسام الشعب الإيراني والمعارضة حوله، فضلاً عن دعم إسرائيل القوي له، يبقى أمام ترمب خياران: أولهما أن يسعى للتوصل إلى اتفاق إما مع طهران مباشرة لتقديم تنازلات كبيرة في الملفات العالقة بين الجانبين، أو الاتفاق مع عناصر داخل هيكل السلطة الحالي مما يتوافق مع النهج الذي اتبعه في فنزويلا، حين سعى إلى ممارسة الضغط على حكومة ضعيفة من دون التسبب في انهيار الدولة بالكامل.
ويبدو أن هناك بعض التقارير التي تشير إلى وجود قنوات نشطة مع عناصر قيادية داخل النظام الإيراني لمثل هذا التواصل، في ظل مواجهة النظام أزمات داخلية وخارجية متزامنة.
افتراض خاطئ
كان رد طهران على الاضطرابات التي اندلعت في الأيام الأولى من الحراك الأخير مقيداً نسبياً، لكن لغة التحدي التي استخدمها المرشد الأعلى على خامنئي الجمعة بأن الحكومة لن تتراجع في مواجهة الاحتجاجات التي هزت البلاد، ووصف المتظاهرين بالمخربين الذين يسترضون ترمب، يشير إلى التحول الواضح نحو استخدام القوة المميتة، وإلى أن القيادة تعتبر معركتها الآن من أجل البقاء.
ومع ذلك، يبدو الافتراض بأن هذا سيزيد الضغط على ترمب للتدخل عسكرياً افتراضاً خاطئاً لأن الأدلة تشير إلى العكس. أولاً لأن العنف الواسع النطاق يؤدي إلى نوع من الفوضى التي يميل ترمب إلى تجنبها، إذ يظهر سجله تفضيله التدخلات التي تبدو نظيفة وحاسمة ومنخفضة الأخطار، وعندما يصبح العمل العسكري فوضوياً أو غير متوقع، فإنه يتراجع.
ولعل ما حدث من مواجهة عسكرية في اليمن يعد مؤشراً عملياً إلى ذلك، فبعدما سمح ترمب بشن غارات ضد الحوثيين، سرعان ما تراجع عن قراره عندما فشل النصر السريع الموعود في التحقق، وكادت طائرات أميركية أن تفقد.
ولأن إيران وسط الاضطرابات الجماعية والعنف الحكومي ستمثل ساحة معركة أكثر تعقيداً، حتى لو بدا أن التظاهرات تكتسب زخماً، فمن المرجح أن ينتظر ترمب حتى اللحظة الأخيرة والأكثر أماناً للتحرك، بحيث يحقق أي تدخل أقصى قدر من المكاسب السياسية بأقل كلفة.
وعلى رغم أن إسرائيل وبعض صقور الجمهوريين من بقايا المحافظين الجدد مثل السيناتور ليندسي غراهام، سيحثون ترمب على التزام تهديداته السابقة، فإن ترمب أظهر مراراً مدى سهولة تخليه عن تصريحاته السابقة عندما يتبين له أنها لا تخدم مصالحه، وتظهر ادعاءات الرئيس الأميركي الأخيرة بأن المتظاهرين قتلوا خلال عملية تدافع (وهو وصف لم يقر به أي مراقب موثوق به داخل إيران أو خارجها) مدى استعداده لتغيير رواياته من أجل تبرير انسحابه.
ومن المرجح أن تؤدي الاحتجاجات في إيران إلى تأجيل أي سيناريو لهجوم إسرائيلي آخر، إذ لا ترغب واشنطن في تحويل الانتباه من حركة احتجاج مدنية مشروعة داخل إيران إلى تبادل عسكري للضربات، مما قد يخدم النظام في جهوده لتحويل النقاش عن الصعوبات الاقتصادية ومشكلات البنية التحتية الهائلة التي تعانيها البلاد.
وإضافة إلى ذلك ليس من المتوقع أن تستفيد إدارة ترمب من حرب أخرى في الشرق الأوسط، في عام يستعد الحزب الجمهوري لخوض انتخابات نصفية صعبة للغاية وسط اضطرابات داخلية وملاحقات مستمرة من الديمقراطيين، وتستعد أيضاً الولايات المتحدة لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تحتاج إلى أجواء أمنية هادئة في الداخل والخارج.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فعلى رغم الضربات التي وجهتها للإيرانيين في معركة الـ12 يوماً الصيف الماضي، فإن من الأفضل توخي الحذر من الأوهام في شأن قدرتها على فرض تغيير النظام بمفردها في إيران، التي قد تظل خصماً عنيداً على مدى أعوام أخرى مقبلة.
مأزق محتمل
بينما يتكهن كثير في الغرب وداخل إيران بما إذا كانت الاحتجاجات التي تعم البلاد قد تؤدي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية، لا يبدو أن السقوط المحتمل للمرشد الأعلى علي خامنئي سيشبه سقوط سلالة بهلوي عام 1979، لأن إيران اليوم تختلف اختلافاً كبيراً عما كانت عليه قبل 47 عاماً، ومن الخطأ الخلط بينهما، وهو ما يؤكده الأستاذ في كلية "جونز هوبكنز" للدراسات الدولية المتقدمة فالي نصر.
أوضح مثال على ذلك أن الجمهورية الإسلامية ليست حكومة رجل واحد مثل نظام الشاه الذي أطاحته الثورة، وعلى رغم أن خامنئي هو صاحب الكلمة الأخيرة، فإن هناك مراكز قوى متعددة، وفصائل سياسية، وهو يحكم بالتوافق، وجميع الفصائل تمر عبره.
وإذا كان الأمر استغرق عامين من الاحتجاجات التي بدأت عام 1977 حتى بلغ حجم الحشود مرحلة لا يمكن للنظام السيطرة عليها، كما لم يكن الشاه مستعداً للدفاع عن نفسه أو قادراً على اتخاذ القرارات، فعلى النقيض من ذلك لم يظهر نظام خامنئي أي مؤشر إلى عدم استعداده للدفاع عن نفسه.
ومن الاختلافات الأخرى أيضاً بين 1979 والآن، أن المعارضة آنذاك كانت منظمة للغاية ومنضبطة، وهذا غير موجود في إيران اليوم مما سيؤدي بلا شك إلى مأزق للإدارة الأميركية لأسباب عدة: أولاً، أن النظام الإيراني متجذر بعمق في الاقتصاد والمجتمع، وقد استمر على هذه الحال عقوداً، ومن غير المرجح أن تحدث إزاحة كبار المسؤولين إلى تغيير كبير على أرض الواقع، ناهيك بتغيير علاقة البلاد بالولايات المتحدة، والأهم من ذلك، من المتوقع أن تواجه الولايات المتحدة مقاومة عسكرية أشد بكثير في إيران مما واجهته في فنزويلا.
وعلى رغم ضعف إيران الآن، فإنها ليست ضعيفة تماماً، إذ لا تزال قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة عبر صواريخها قصيرة المدى وقدراتها البحرية التي لم تستخدمها في هجماتها الانتقامية خلال يونيو الماضي على قاعدة "العديد" الجوية الأميركية في قطر.
مع ذلك، لا توجد مؤشرات واضحة في شأن ما تنوي تل أبيب وواشنطن القيام به، فالتوترات مرتفعة للغاية على رغم عدم توافر أي مؤشر عسكري قوي حتى الآن إلى أن هناك ضربة وشيكة، لكن عدم اليقين في هذه الحال هو سياسي أكثر منه عسكرياً، إذ ينظر إلى ترمب على نطاق واسع على أنه شخص لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وهناك تقييم متزايد بأنه قد يسعى إلى البناء على النجاحات العسكرية الأخيرة التي حققها في أماكن أخرى.
وعلى سبيل المثال، يعتقد بعض متخصصي الاستراتيجية العسكرية مثل رافائيل كوهين، من مؤسسة "راند أن"، أن تصريحات ترمب التهديدية تشير إلى احتمال استخدام القوة العسكرية، وهذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة سترسل قاذفات بي-2 مرة أخرى، على رغم أن ذلك احتمال وارد، لكنه يشير إلى أن الإدارة الأميركية ستتخذ موقفاً متشدداً ضد النظام ما لم يتغير شيء، ولكن أيضاً يظل لدى ترمب أوراق أخرى يمكنه استخدامها مثل فرض عقوبات إضافية على طهران، أو دعم الهجمات الإسرائيلية على إيران.
غير أن السفير الأميركي السابق والأستاذ حالياً في كلية "إليوت" للشؤون الدولية بجامعة "جورج واشنطن" غوردون غراي، يشك في وجود أي تخطيط عسكري وراء تهديد ترمب لإيران، لأن من الصعب تخيل ما يعنيه إنقاذ المتظاهرين فعلياً ما لم نتحدث عن نوع من التدخل العسكري الواسع النطاق الذي يهدف إلى تغيير النظام، وهو ما أوضح الرئيس ترمب تماماً أنه لا يرغب فيه، أي لا يريد وجود قوات أميركية على الأرض، أو أي تدخل عسكري أميركي آخر، وبخاصة في الشرق الأوسط.
وبينما يبدو نظرياً أن الصراع العسكري ليس حتمياً، إلا أن الخطاب المتوتر من كلا الجانبين يهدد بتصعيد الموقف، فالنظام الإيراني يواجه مشكلات جمة، وأعضاؤه يهتمون في المقام الأول بالحفاظ على سلطتهم، وقد يشعر النظام أن الاستفزازات الأميركية بشن هجوم خارجي قد تدفع المواطنين الساخطين في إيران إلى التكاتف حول النظام.
عامل إسرائيل
على رغم أن المحللين الاستراتيجيين في إدارة ترمب مقتنعون بأن السبب التاريخي لتركيز الولايات المتحدة على الشرق الأوسط سيتراجع مع تحول المنطقة بصورة متزايدة إلى مصدر ووجهة للاستثمار الدولي، فإن هناك توترات كبيرة جداً بين هدف الولايات المتحدة المتمثل في منطقة خالية من المشكلات ومليئة بفرص الاستثمار المربحة، وبين المسار الحالي الذي تسلكه إسرائيل.
ويبدو أن إحدى كبرى العقبات أمام رؤية ترمب لشرق أوسط جديد هو أن إسرائيل ترفضها تماماً، فبينما يتباهى ترمب بوقف إطلاق النار، واصلت إسرائيل قصف غزة ولبنان وسوريا، مما يعني أن نتنياهو لا يهتم بأن يصبح الشرق الأوسط مكاناً للشراكة والصداقة والاستثمار، لأن استراتيجيته تتمثل بوضوح في الهيمنة الإقليمية من خلال إثارة الفوضى، وهو ما يتناقض بوضوح مع الأولويات المتغيرة لقوة أميركا التي تسعى إلى الحفاظ على مكانتها المهيمنة في العالم.
وبينما تسعى إسرائيل إلى تكثيف المواجهة مع إيران، تكمن المشكلة بالنسبة إلى إدارة ترمب في أن هذا المسار يهدد بالخروج عن السيطرة ويضمن تقويض أولوياتها المعاد ترتيبها بصورة كبيرة، ومع انقسام إدارة ترمب في شأن الدعم غير المشروط لإسرائيل، سيجد الرئيس الأميركي صعوبة في إيجاد حل لهذه التناقضات بطرق لا تؤدي إلى مزيد من النفقات الاقتصادية والعسكرية الضخمة وأخطار اندلاع صراع إقليمي.
لذا يبقى شن هجوم آخر أكثر تدميراً على إيران وفقاً للعامل الإسرائيلي وضغوط اللوبي الموالي له في واشنطن محتملاً للغاية في هذا السياق، بصرف النظر عن تحفظات استراتيجيي ترمب.