ملخص
في عام لم يخلُ من التجارب المهمة، قدم السينمائيون في 2025 أعمالاً تتنوع بين الغرائبية والواقع الاجتماعي، بين التجريب البصري والفن الروائي العميق.
من الدراما الأسرية إلى الفيلم السياسي الصدامي، ومن التأمل الروحي إلى التحليل النفسي لشخصيات مأزومة، أكدت السينما مرة جديدة بأنها قادرة على الجمع بين المتعة والتفكير، بين الإحساس والفلسفة، من خلال نصوص بصرية ترضي كل من يبحث عن عمق وجمال في آن، في الآتي، بعض من أبرز مما سيبقى من عام انطوى.
"انعكاس في ألماسة ميتة" لإيلين كاتيه وبرونو فورزاني
عمل سينمائي ينطوي على تجريبية راديكالية، يتتبع جاسوساً يستعيد مغامراته في الستينيات. ضمن كوكتيل بصري يراهن على الإحساس والمتعة، لا يطلب الفيلم الفهم بقدر ما يدعو إلى الانغماس في رحلة سينمائية متواصلة، كثيفة ومضغوطة، كل العناصر مدفوعة إلى أقصى طاقاتها. هذا فيلم عن السينما نفسها، يستعير من فنون كثيرة، مؤكداً أن المتعة الخالصة قادرة وحدها على صناعة فن، بعيداً من الرسائل والتفسيرات الجاهزة.
"قيمة عاطفية" ليواكيم ترير
دراما أسرية تلتقط بدقة العلاقات الأبوية والروابط العائلية. تتمحور الحكاية حول مخرج سينمائي يعود إلى حياة ابنتيه بعد غياب طويل، حاملاً مشروع فيلم يستعيد فيه ماضيه وذاكرة الأم الراحلة. التباين بين الأختين، إحداهما قلقة ومتمردة والأخرى متزنة ومنفتحة على المصالحة، يشكل قلب الفيلم، فيما يتحول المنزل العائلي شخصية قائمة في ذاتها، خزان للذكريات والصدمات. يعتمد الفيلم على الأداء اللماح بقدر استناده إلى الحوارات، ويصعد تأثيره تدريجاً نحو لحظة كشف ومصالحة، هذا فيلم عن العائلة والذاكرة والفن كوسيلة للفهم والغفران، بصدق شعوري هادئ وعميق.
"نعم" لناداف لابيد
عمل سينمائي صدامي، عصي على التصنيف، يقتحم المسكوت عنه سياسياً وجمالياً بلا مواربة، يقدم نقداً حاداً للمجتمع الإسرائيلي من الداخل، واضعاً الفرد في مواجهة الجماعة. تدور الأحداث حول عازف بيانو وزوجته الراقصة، يعيشان في لا مبالاة أخلاقية، قبل أن يُطلَب منهما المشاركة في مشروع فني يمجد التعصب القومي، يستلهم الفيلم واقعة حقيقية، ويحول الجسد إلى أداة سياسية، عبر كوريغرافيا سينمائية مشحونة بالغضب والعبث، فيلم عن مأزق الفنان، وعن الفن حين يتحول إلى أداة دعائية، وعن الاختيار القاسي بين الرفض والخضوع في زمن العنف.
"عائشة لا تستطيع الطيران" لمراد مصطفى
فيلم يرصد القاهرة من زاوية هامشية عبر شخصية عائشة، عاملة منزل سودانية تعيش اغتراباً قاسياً في مدينة معادية. يتتبع الفيلم يومياتها بلا خطاب أو وعظ، كاشفاً عالماً من العنصرية والعنف، من خلال نمط سينمائي يعتمد على الصورة. عائشة لا تفعل بقدر ما تتلقى، شاهدة على واقع يضغط عليها حتى الاختناق، فيما تتحول نظرتها إلى مرآة تكشف المجتمع من الداخل. يصنع الفيلم إيقاعه من صخب القاهرة نفسها، هو عمل سوداوي وحاد، يقول كثيراً بالقليل، ويقدم شخصية تفاوض على كل شيء إلا على كرامتها.
"معركة تلو أخرى" لبول توماس أندرسون
فيلم يدور في أميركا ممزقة سياسياً، نتابع مجموعة ثورية وصراعاً ممتداً عبر 16 عاماً. صراع يتحول إلى مطاردة لاهثة بين الماضي والحاضر، في جوهره، يتمحور الفيلم حول حق الاعتراض وحدود الثورة، كاشفاً رومانسيتها وتناقضاتها. بأسلوب بصري متماسك، وموسيقى جوني غرينوود، يدمج أندرسون الحركة والميلودراما والوسترن في تجربة سينمائية مركبة، ساخرة وقاسية، ترفض الاختزال، وتقدم صورة لبلد منقسم.
"صراط" لأوليفر لاشيه
تجربة بصرية وروحية تتجاوز السرد التقليدي نحو تأمل في العبور والبحث والضياع. يتابع الفيلم أباً إسبانياً ينطلق مع ابنه في رحلة عبر الصحراء بحثاً عن ابنته المختفية، بعد شائعة عن ظهورها في تجمع غامض. ما يبدأ كمسعى واقعي يتحول تدريجاً إلى رحلة داخلية. يستعير لاشيه مفهوم الصراط ليعيد تأويله كحالة وجودية معاصرة. الحفل الصحراوي يصبح فضاءً صوفياً للمهمشين الساعين إلى التحرر من السلطة والمألوف. يطرح الفيلم أسئلة مفتوحة عن الانعتاق وإمكان الولادة الجديدة، من دون تقديم أجوبة، مكتفياً بتجربة عبور حسية وتأملية.
"عميل سري" لكليبير مندونسا فيلو
عمل سينمائي يؤكد نضج هذا المخرج كأحد أبرز مؤلفي السينما البرازيلية المعاصرة. نعود إلى عام 1977، متتبعاً شخصية مارسيلو، أرمل يحاول بدء حياة جديدة مع ابنه، بينما يطارده ماضٍ ثقيل في ظل الديكتاتورية العسكرية. يمزج العمل بين الدراما والتجسس والفانتازيا، في بنية سردية هجينة تتقاطع فيها الأزمنة والطبقات. لا يقدم الفيلم رواية تاريخية مباشرة، بل يستحضر مناخ الخوف والريبة باعتباره تجربة نفسية يومية. بأسلوب بصري متقن ونبرة خانقة، يطرح أسئلة عن الذاكرة، والهرب المستحيل من الماضي، وحدود الواقعية، مقدماً تجربة ذهنية وجمالية تتكشف ببطء وتكافئ المُشاهد الصبور.
"آلة السحق" لبَني سفدي
دراما سينمائية كثيفة يتماهى فيها دواين جونسون مع شخصية المصارع مارك كير إلى درجة يذوب فيه الحد بين الممثل والدور. لا يقدم الفيلم سيرة بطل بقدر ما يفكك أسطورة الرجل المنتصر، كاشفاً هشاشته الداخلية وتناقضاته العميقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلف الجسد العملاق، يظهر إنسان مأزوم، تدمره فائض القوة أكثر مما تحميه. يصور سفدي الذكورة كعبء وجودي، بلا إدانة أو وعظ، عبر سرد بسيط وتصوير مباشر يخلو من الزخرفة. اختيار جونسون ذكي، إذ يستخدم الفيلم صورته العامة ليعيد تفكيكها، محولاً الأداء إلى مواجهة ذاتية صادقة. النتيجة فيلم قاسٍ وإنساني، يسحق بطله ليحرره، ويترك أثراً عاطفياً لا يزول بانتهاء العرض.
"موجة جديدة" لريتشارد لينكلايتر
تحية للسينما ولغودار، ولروح التمرد الفني التي كسرت القواعد وابتكرت طريقها الخاص. الفيلم يوثق بدايات "الموجة الفرنسية الجديدة" ويبرز شابرول وتروفو وغودار، مع التركيز على تصوير الفيلم الأيقوني "على آخر نفس"، الذي شكل مختبراً للتجريب السينمائي والتمرد على الكلاسيكية. نتابع غودار في رحلته من ناقد إلى مخرج، يتحدى التوقعات ويحول الفوضى إلى إبداع. الفيلم يجمع البحث الدقيق مع عفوية الطاقم، ويعيد خلق باريس الستينيات بتفاصيل بصرية وصوتية مذهلة. هذا ليس مجرد فيلم عن غودار، بل عن ولادة أسلوب سينمائي جديد، ممتلئ بالمغامرة والفكر والضحك، يعيد الأسطورة إلى صميم إنسانيتها من دون أن يقلل من قدسيتها.
"شبح مفيد" لراتشابوم بونبونشاشوك
فيلم يمزج بين الغرائبية والفكاهة السوداء والتأمل الاجتماعي، مستفيداً من ثقافة الأشباح التايلاندية لتسليط الضوء على الماضي المنسي وأزمة التلوث البيئي، حيث الغبار ليس مجرد تلوث بقدر ما هو رمز للوجود الهش. تتداخل هنا الحياة والموت، مع أشباح تطالب بالاعتراف والعدالة، في حكاية تلتقي المأساة بالمرح. يضع المخرج الواقعية السحرية على مستوى الميلودراما نفسه، متأثراً بالسينما الأوروبية، ليقدم عملاً يحمل عمقاً وفكاهة متخفية.