Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الميكرو دراما... هل تعبث مسلسلات الهواتف بمستقبل نظيرتها التقليدية؟

قصص مشوقة زهيدة التكلفة تستهدف متابعي "الريلز" والصين وأميركا يتنافسان على الصدارة والتجربة العربية لا تزال في بدايتها

تعتمد الدراما العمودية القصيرة جداً على قصة مشوقة للغاية من خلال حلقات لا تتعدى مدة كل منها الدقائق الثلاث (مواقع التواصل)

ملخص

على رغم أن مصطلح الميكرو دراما أو "الفيرتكال"، أي الدراما التي تعرض رأسياً بشكل يناسب الهواف المحمولة، لا يزال وليداً، ولكن هذه الإنتاجات باتت تنتشر بقوة بين أوساط الشباب ممن يفضلون متابعة قصص قصيرة من دون التقيد بمتابعة حلقات طويلة لمعرفة نهاية الأحداث، من خلال إنتاجات لا تتوقف، زهيدة التكلفة عادة ما تعتمد على المبالغات ويشارك في بطولته ممثلون مغمورون، فما هو مستقبل هذه النوعية من الأعمال لا سيما في المنطقة العربية؟

لم تعد الفيديوهات التي تتعثر بها في أثناء تصفحك الهاتف لتعرض مقطعاً شيقاً من قصة تبدو ذات حبكة مثيرة، مجرد تجربة عابرة، فمسلسلات المايكرو دراما التي تعرض رأسياً وليس على شاشة أفقية، باتت صناعة كبرى تدر مليارات الدولارات، وعلى مدى خمس سنوات تقريباً منذ بزوغ هذا النوع بوضوح تضاعفت أرباحها أكثر من مرة، فيما العالم العربي لا يزال يتحسس خطواته في هذا المجال، بينما الولايات المتحدة والصين دخلا المواجهة مبكراً، ويتنافسان بقوة على جذب المشاهد الذي تحوّلت شاشة هاتفه إلى ساحة عرض تشبع فضوله الاستهلاكي عبر خاصية "الريل"، و"اليوتيوب شورتس" و"تيك توك" أيضاً.

تعتمد الدراما العمودية، القصيرة جداً، على قصة مشوقة للغاية، من خلال حلقات لا تتعدى مدة كل منها الدقائق الثلاث، وقد تمتد إلى عشرات الحلقات أو حتى سلاسل ملحمية، لا تشترط وجوهاً تمثيلية معروفة، وعادة تكون أداءات المشتركين بها مبالغاً فيها لجذب الفضول، فيجري التركيز على نظرات العين، وزوايا التصوير الغامضة، وتترك المشاهد شغوفاً بما يلي، ومن هنا تأتي الأرباح.

حيث يكون لزاماً على الجمهور الاشتراك في منصات بعينها إذا أرادوا معرفة نهاية القصة، تستهدف أيضاً الدراما التي ازدهرت في آسيا أولاً المهووسين بمتابعة الحكايات بدلاً من فيديوهات الحياة اليومية التي تملأ فضاء الإنترنت، وكذلك المتعجلون الذين لا يحبون انتظار ساعات أو أسابيع وشهور لمتابعة عمل درامي بالطريقة التقليدية، ليس بالضرورة، لأنه ليس لديهم وقت، لكن نمط المشاهدة بين الجماهير الملتصقة بهواتفها ليل نهار يتغير بقوة بسبب مقاطع الريلز القصيرة.

ولهذا، جاءت الدراما الجديدة لتسدّ الفراغ، فهناك من قرر أن يستغل هذه الظاهرة ليقدم محتوى درامياً مستهكله جاهز سلفاً، وتتنوع حكايات المايكرو دراما بشكل مهول ما بين قصص ساذجة مفرطة في اللامنطق، إلى أخرى كوميدية أو رومانسية، وبين أعمال ذات موازنة منخفضة للغاية وأسلوب تمثيلي ركيك، إلى أخرى ذات جودة فنية عالية بل وفاخرة، فهل يمكن أن تهدد هذه الصناعة سوق الدراما التقليدية، ولهذا على صنّاعها الانتباه وملاحقة المتفرجين الفارين لأعمال ترضي فضولهم متجردة من كل ما يثقل كاهل الإنتاجات الضخمة من شروط ومعايير وأفكار وحتى نمط مشاهدة؟

صناعة واعدة بمليارات الدولارات

توصف المايكرو دراما بأنها السوب أوبرا الجديدة ارتكازاً إلى مصطلح دراما الصابون، الذي عرف في التلفزيون لوصف المسلسلات النهارية شديدة الطول، التي تنتهي كل حلقة منها بوعد بأن ما سيأتي سيمثل مفاجأة كبيرة، وكان يغلب عليها قصص مبالغ فيها أيضاً تتناول موضوعات مختلفة عن عائلات ثرية أو أخرى شديدة الفقر أو رؤساء عصابات بلا قلب، أي قصص تبدو جذابة وتحمل تناقضات كبيرة لخلق صراع مباشر يتعلق به الجمهور، وقد حقق المسلسل الأميركي "الضوء الهادئ" رقماً قياسياً هنا إذ عرض من مطلع الخمسينيات وانتهت حلقاته في عام 2009 بما يقرب من 19 ألف حلقة، وقد كان هذا المجال سوقاً ضخمة أدرت على أصحابها ثروات، وهذا بالضبط ما يحدث في سوق المايكرو دراما الذي تشير التوقعات إلى أن عوائده في الصين على سبيل المثال سوف تتغلب على نظيرتها من الأفلام السينمائية بعد وقت قصير، حيث وصلت بالفعل إلى 7 مليارات دولار أميركي سنوياً، وتصل أرباحها في الولايات المتحدة إلى ما يقرب من المليار دولار وفقاً لموقع "ديد لاين"، أي نحو ضعف أرباح نظيرتها الأميركية، أي أن هناك منافسة على اقتصاد المسلسلات أيضاً بين البلدين.

 

وتنتشر حلقات المايكرو دراما من كافة الثقافات عبر منصات عديدة في تفوق واضح للإنتاجات القادمة من جنوب شرقي آسيا سواء على مستوى الكم أو التنوع، بينما في مصر يحاول بعض الهواة الدخول لهذا المعترك، نظراً إلى أن التجارب العالمية أثبتت أنه ليس شرطاً الاحتراف الكامل، لكن حتى الآن التجارب لا ترقى للمستوى، بينما خلال الأسابيع الماضية أعلن ثلاثة من المنتجين البارزين عن مشاريع كبيرة سوف تدخل الدراما العربية عالم مسلسلات الفيرتكال "العمودي" من أوسع أبوابه، وكثير منهم بدأوا التنفيذ بالفعل، فيما كان مسلسل "يوميات عيلة كواك" إخراج وليد محمود وبطولة الإنفلونسر إسلام فوزي، وعارفة عبد الرسول، في موسمه الأول، من أوائل المسلسلات التي اقتحمت مجال المايكرو دراما، وترى مؤلفته الزهراء عصام، أن الفكرة من البداية جاءت لأنها وجدت أن هناك فئة منسية في القصص الدرامية بشكل عام في العالم العربي، وهي من سن التاسعة لـ24 سنة، على رغم أنهم الأكثر استخداماً للهواتف المحمولة ولمنتجات التكنولوجيا وتطبيقات الإنترنت بشكل عام، وقد جرى إنتاج العمل خصيصاً ليعرض عبر الهواتف وصوّر بالكامل بكاميرا هاتف محمول، وعلى رغم أن موسمه الثاني المعروض حالياً على شاهد ويصعد في قائمة الأعلى مشاهدة يعتمد على العرض الأفقي لا الرأسي، فإن الفريق الإبداعي يسعى لمزيد من تقديم أعمال المايكرو دراما.

مواهب جديدة وأفكار غير تقليدية

وفقاً للزهراء عصام، فكان العمل في الموسم الذي صور في مطلع 2020 عبارة عن 260 حلقة قصيرة، وعرض بالفعل بصيغة الفيرتكال، وقد حقق نجاحاً من خلال الرعاة والمشاهدات أيضاً، وفي ما بعد جرى دمجه ليعرض تقريباً على مدى 25 حلقة طويلة عبر منصة "شاهد".

من خلال هذه التجربة جرى التغلب على كثير من العقبات الإنتاجية التي تواجه الدراما التقليدية، أبرزها الموازنة الضخمة التي تلتهمها غالباً أجور نجوم الصف الأول، وأيضاً أزمة التكرار، حيث تتيح تلك النوعية من الدراما مناقشة أفكار مختلفة من دون التقيد بشروط بعينها تطلبها شركات الإنتاج، التي تعرض أعمالها تلفزيونياً أو عبر منصات رصينة، وكذلك فتح الباب لمواهب جديدة في الإخراج والتمثيل والكتابة والغرافيك والتصوير، والسماح للاعبين جدد في مجال الإنتاج بتنفيذ أفكارهم لأكثر انفتاحاً.

تتابع الزهراء عصام، "المايكرو دراما ببساطة هي المستقبل، هي تخاطب من ليس لديهم وقت لمتابعة حلقات طويلة لمعرفة نهاية القصة، حيث تقدم لهم الحكاية المشوقة في وقت أقل بكثير، إضافة إلى تقنيات التكنولوجيا، مثل الذكاء الاصطناعي وحتى سرعة التواصل مع المؤسسات العالمية جعلت مهمة تقديم قصص منوعة في الخيال العلمي على سبيل المثال أكثر يسراً، مع تحقيق عنصر الإبهار البصري، كذلك فسوق الإنتاج لم يعد حكراً على الكيانات الكبيرة التقليدية المخضرمة فقط، وهذا النوع من الدراما يمكن أن يستوعب أنماطاً شتى من الأفكار، بينها الدراما العائلية النادرة الوجود في العالم العربي على سبيل المثال، إذ إن أغلب الأعمال تقدم للمتزوجين أو ممن لديهم مشكلات عاطفية واجتماعية معقدة، بينما العمل الذي يراعي كل الأعمار يظل بعيداً من تفكير الصناع"، متوقعة أن يسهم هذا الانفتاح في تطوير حتى الدراما العادية نفسها.

المستقبل لمن؟

في المقابل، يشبّه الممثل والمؤلف محمود حمدان الذي كتب أعمالاً جماهيرية مثل "حق عرب"، و"فهد البطل" الدراما القصيرة جداً، بأنها تشبه وجبات "التيك أواي"، معتقداً أن البعض قد ينجذب إليها، لكن الشريحة الأكبر من المشاهدين العرب والمصريين سوف يظلون على ولائهم للدراما الطويلة. مفسراً هذا التوقع بالقول: "هي دراما تنفع لأوقات الاسترخاء أو أثناء الأكل أو قبل النوم، من دون أن تتطلب التركيز، بينما المشاهد العادي يبحث عن الارتباط بالحكاية، وهذا لا يتحقق إلا باللقطات الطويلة حيث يتصاعد البناء الدرامي، ولهذا تتحقق المتعة للمتفرج من دون أن تنقطع تجربة المتابعة كل دقيقتين".

وفقاً لأحدث التقارير فإن تطبيقات المايكرو دراما تشهد نشاطاً ضخماً في أعداد مشتركيها، وقد وصل عدد مستخدمي منصة "ريل شوت" على سبيل المثال إلى 55 مليون مشترك، فيما هناك توقعات باقتراب إيرادات هذه الصناعة في الولايات المتحدة من الأربعة مليارات دولار خلال سنوات قليلة، التكنيك الذي تعتمد عليه طريقة عرض الحلقات، يحمل جرعة عالية من التشويق، حيث يتعلق المشاهد بالأحداث السريعة المتعاقبة، التي تحمل مفاجآت وصدامات، وفي لحظة الذروة يتوقف العرض ويكون المطلوب منه الدفع للاشتراك على المنصة إذا أراد أن يعرف نهاية الحكاية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واللعبة هنا تنجح في أوقات كثيرة، نظراً إلى أن أغلب الأفكار المعروضة تعتمد على مبالغات شديدة وحبكات متسارعة تحمل ميلودرامية واضحة حيث تدور الأحداث عادة في عوالم تتسم بالطبقية من خلال صراعات بين فاحشي الثراء والمقهورين، وتتكرر فيها قصص الحب بين الطرفين بكل ما تحمله من تعقيدات، إضافة إلى أفكار أخرى عن ذوي القدرات الخارقة، أو قصص النجاح المؤثرة، والبحث عن الهوية، وتتسم المشاهد بالجرعة العالية من العنف في أوقات كثيرة، كذلك يحمل السياق أيضاً في بعض الأحيان رسائل وعظية وخطابية مباشرة، فيما تلعب الخوارزميات دوراً مهماً في كثافة ترشيحات المشاهدة لاستهداف الجمهور الصحيح على الدوام.

وبالطبع فإن تنفيذ تلك السيناريوهات يتميز عادة بالجرأة الشديدة مما يضمن انتشاراً أوسع، وفضولاً أكبر، لكن كيف سيجري التغلب على عنصر الجرأة التي هي أساس هذه القصص في الغالب، في ما يتعلق بالمشروعات المنفذة عربياً؟

تحديات عربية

تشير المؤلفة والمنتجة الزهراء عصام إلى أن جذب المتابع لا يتحقق فقط بتجاوز الخطوط الحمراء في المشاهد، لأن تكنيك السرد واختيار موضوعات تلفت الانتباه يمكن أن يحققا هذا الغرض بسهولة، مشددة على أنه من الطبيعي تقديم أعمال تراعي خصوصية المجتمع والجمهور الموجهة إليه.

تعزز المايكرو دراما بطبيعة الحال فكرة الانعزالية في المشاهدة، إذ إن تجربة متابعة عمل فني في أوقات كثيرة تكون جماعية، يشترك فيها الأصدقاء أو الأسرة، لكن نظراً إلى طبيعة الحلقات شديدة القصر وارتباط طريقة عرضها بشكل شاشة الهاتف، فإن الأمر يصبح فردياً تماماً، كذلك يمكن الشخص أن يجد نفسه قد غرق في المشاهدة لساعات نظراً إلى سرعة الأحداث، وأيضاً لأن اقتراحات المشاهدة لا تتوقف في صناعة تتميز بالتدفق الهائل والمشروعات التي تعمل على مدار الساعة، إذ ينجز المشروع الواحد خلال سبعة أيام على الأكثر، نظراً إلى أن غالبية الإنتاجات في هذه السوق تصنف بأنها زهيدة التكلفة، إذ إن مشروعاً جيداً بها قد لا يكلف أكثر من 300 ألف دولار أميركي، مما يشجع منتجين كثراً على تجربة حظهم، والمغامرة من دون التعرض لخسائر مؤثرة.

وفي حين تتحقق تلك الميزة بالاعتماد على وجوه ممثلين لا تزال واعدة، فإن الأمر عربياً على ما يبدو سوف يكون مختلفاً، حيث تعمل النجمة سيرين عبد النور حالياً على أول مشروع مايكرو دراما في حياتها بمشاركة الفنان أنس طيارة وبإدارة المخرجة رندة علم ليعرض على منصة سين المتخصصة في هذا النوع من الدراما، وتدور أحداثه حول مطاردات الشرطة.

وفقاً لما قاله أحد القريبين من المشروعات الجديدة المقرر أن تعرض قريباً على المستوى العربي في هذا المضمار، فإن التكلفة في أحيان كثيرة لن تختلف كثيراً عما يحدث في المسلسلات الطويلة، مدللاً بأن تكلفة إنتاج مشروع واحد مدة حلقاته مجتمعة قد تصل إلى ساعة أو ساعة ونصف، توازي تقريباً إنتاج نفس هذه المدة في السلاسل الدرامية التقليدية، مضيفاً: "قد يصبح الأمر أكثر فائدة بعض الشيء إذا جرى الاستغناء عن نجوم الصف الأول واستبدالهم بممثلين أقل شهرة أو وجوه جديدة، لكن على مستوى التقنيات فغالبية المشاريع التي تنجز حالياً تصور بكاميرات عادية وليس كاميرات موبايل، لكن قطع الصورة يكون طولياً ليناسب هذا النوع من الدراما، وهذا لكي يخرج العمل على مستوى عال".

ويعتقد المصدر نفسه أن هذه الدراما بالطبع لن تقضي على نظيرتها التقليدية أو على السينما، لكن سوقاً جديدة وكبيرة تفتح أبوابها وتشجع على الاستثمار والربح. متوقعاً أن المنافسة هنا سوف تسهم في تحسين جودة إنتاجات الدراما بكافة أنواعها.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون