ملخص
غياب الإحصاءات عن نفوق الحيوانات خلال الحرب، بخاصة التي نفقت بشكل مباشر متأثرة بالقذائف والعطش وتلوث المراعي أو التي تعرضت للتجارة العشوائية عبر حدود السودان المفتوحة دون ضوابط، أسهم في أن تفقد البلاد سلالات تاريخية.
منذ اندلاع الصراع بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) عام 2023، تعرض قطاع الثروة الحيوانية في السودان والمقدرة بحوالي 110 ملايين رأس إلى أضرار واسعة، بخاصة في كردفان ودارفور، لا سيما أن اتساع رقعة القتال وتطاوله في هذين الإقليمين عمق حجم الخسائر، إذ تتركز بهما نحو 60 في المئة من الثروة الحيوانية التي طاولتها عمليات النهب وحرق المراعي وتلوثها، فضلاً عن تدمير البنى التحتية البيطرية.
وتشير تقارير دولية إلى أن السودان خسر أكثر من مليار دولار من صادرات الماشية خلال النصف الأول من عام 2025، بفعل توقف الطرق المؤدية إلى الموانئ وارتفاع كلفة الوقود بنسبة 300 في المئة، والنزوح الذي أدى إلى تأثر نحو سبعة ملايين شخص في المناطق الرعوية، بخاصة النساء اللاتي يشكلن جزءاً أصيلاً من نشاط الرعي.
في وقت أكدت تقارير مركز النزاعات البيئية أن ولاية غرب كردفان تشهد تراجعاً في عدد القطعان بنسبة 40 في المئة بسبب الجفاف والحرب معاً. ورغم الخسائر الفادحة يشهد القطاع بعض مظاهر الصمود، إذ نجح خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، في تصدير أربعة ملايين رأس ماشية بزيادة 10 في المئة عن عام 2024 في ظل الطلب المتزايد من السعودية ومصر.
تدخلات حكومية
في السياق، قال وكيل وزارة الثروة الحيوانية السودانية عمار الشيخ إنه رغم استمرار الحرب في إقليمي دارفور وكردفان، هناك جهود مشتركة مبذولة لإنقاذ هذه الثروة من الانهيار تتمثل في دعم الجمعيات المحلية في مناطق الإنتاج خصوصاً في كردفان بهدف النهوض بالقطاع، إذ يتقاسم الرعاة الإعلاف والمراعي للحفاظ على ما تبقى من تلك الثروة، مما أدى ذلك إلى تخفيف الخسائر إلى حد كبير، إضافة إلى حملات التطعيم التي غطت نحو 70 في المئة من القطعان في المناطق الآمنة بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو).
وأكد الشيخ أن وزارته ماضية في تنفيذ الاستراتيجية الخمسية لتعافي القطاع، التي تضمنت إنشاء مدن للأعلاف وتوطين صناعة اللقاحات وتحسين البيئة الرعوية.
بينما يرى مختصون أن صمود قطاع الثروة الحيوانية مرتبط بتوقف النهب وتأهيل طرق النقل، إذ تعد الخطوات الأولى كالاستراتيجية الخمسية والشركات الدولية أفق جديدة وبارقة أمل في أن يستعيد السودان موقعه كأحد أكبر مصدري الماشية على المستويين العربي والأفريقي باحتلاله المركز الأول والمرتبة السادسة عالمياً في حجم الثروة الحيوانية التي تسهم بأكثر من 20 في المئة من الناتج المحلي.
في حين، قال عضو شعبة مصدري المواشي هشام صالح إن قطاع الثروة الحيوانية دفع فاتورة باهظة ثمناً للحرب في السودان، إذ فقد مسالخ ومحاجر ومراكز بحوث كثيرة، فضلاً عن نفوق أعداد كبيرة من الماشية، لكن رغم ذلك أثبت الرعاة والحكومة قدرة لافتة على الصمود .
وبحسب وزارة المالية في السودان، فإن الماشية الحية قبل الحرب بلغت 4.72 مليون رأس، وصادرات اللحوم 5.89 مليون طن، وصادرات الجلود 1.75 مليون طن بقيمة 552.46 مليون دولار، إلا أن الحرب تسببت في تراجع هذه الأرقام إلى أقل من النصف.
ضرر وصمود
من جهته، يقول محمد عبدالرزاق أحد الرعاة في منطقة المجلد غرب كردفان إن "الحرب أفقدتنا إرث أجدادنا في تربية المواشي، إذ كنت قبل الحرب أمتلك أكثر من 900 رأس، والآن لم يتبق معي سوى 300 رأس بعد نفوقها بسبب المرض والعطش والجوع الناجم من انعدام الأعلاف التي التهمتها نيران الحرب، فضلاً عن تعرضها لعمليات نهب واسعة من ميليشيات ’الدعم السريع‘ أثناء البحث عن ملاذات آمنة".
وأشار إلى أن "الحرب دمرت أسواق الماشية وأصبح الحصول على العلف غاية في الصعوبة والبحث يتطلب أيام للعثور عليه ناهيك عن خطر التنقل، فضلاً عن كلفته العالية، وأحياناً نضطر لبيع رأس لإطعام باقي القطيع".
وتابع عبدالرزاق "حالي ينطبق على آلاف الرعاة في كردفان ودارفور، إذ يجدون أنفسهم وسط نيران الصراع ومواجهة تحديات البقاء والانهيار، لكنهم يتمسكون بثروتهم التي تمثل مصدراً للأرزاق والهوية ولا يعرفون ممارسة أي نوع من الأنشطة غيرها".
وأشار راعي المواشي إلى أن "الرعاة في غرب كردفان باتوا يتقاسمون الأعلاف عبر جمعيات رعوية انتظمت بسبب تدمير المراعي الخصبة وتحويلها إلى مناطق مثقلة بالمخاطر، فضلاً عن الاستفادة من حملات التطعيم التي قامت بها المنظمات الدولية، علاوة على الدعم الحكومي للأعلاف تحفيزاً لزيادة الإنتاج".
أعمال عدائية
من جانبه، قال سيد عبد القيوم صاحب قطيع مواشي في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان إنه "منذ اندلاع الحرب اعتادت قوات ’الدعم السريع‘ على نهب وسلب مئات من الإبل والأبقار والماعز والضأن، وامتدت أعمالهم العدائية إلى تدمير مخازن الأعلاف، وحرق قرى بأكملها تنشط في تربية الماشية التي تمثل العمود الفقري لاقتصاد وحياة المواطنين في المنطقة".
وأردف أن "الرعاة يشكلون قوة لوقف نزف الثروة الحيوانية، لكن سلوك ’الدعم السريع‘ العدواني تجاه أصحاب المواشي وصل حد القتل، مما يمثل تصعيداً خطراً في سلسلة الانتهاكات التي تستهدف سبل العيش، وبالتالي تؤثر على الأمن الغذائي كون مدينة الدلنج أصبحت من المناطق التي تعاني المجاعة".
وزاد "الحرب المستمرة في كردفان أنهكتنا، ونحاول عدم الاستسلام والتغلب على العاصفة للحفاظ على ثروتنا، ولا نعلم متى تهدأ الأحوال في ظل تصعيد العمليات العسكرية في المنطقة".
ومضى صاحب القطيع في القول "نسعى أحياناً للهرب عبر منافذ تبعد عن سيطرة ’الدعم السريع‘، لكن الطرق باتت مقلقة والرحلات الطويلة بالقطيع تعد مخاطرة، مما جعلنا محاصرين في نطاق ضيق، حيث نواجه القذائف التي تطلق من طرفي الحرب براً وجواً، فضلاً عن مخاوف انتشار الأمراض مع انعدام مراكز اللقاحات".
فقد سلالات تاريخية
الباحث في مجال المنظمات الدولية صلاح الأمين أشار إلى أن "قطاع الثروة الحيوانية من أكثر القطاعات تأثراً بالحرب، نظراً إلى أن المناطق المنتجة والتي تتركز في كردفان ودارفور تشهد انهياراً واسعاً في بنيتها التحتية".
واستطرد الأمين "معلوم أن إقليمي كردفان ودارفور ينتجان سلالات مواشي مطلوبة عالمياً لاعتمادها على العلف الطبيعي، إلى جانب أن القوة البشرية التي تسهم في الإنتاج تعد مدربة بالفطرة، ولديهم خبرة في الرعي، لكن من المؤسف أصبحوا جنوداً في التشكيلات العسكرية المسلحة، وخرجوا من السلسلة الإنتاجية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونوه إلى أن "غياب الإحصاءات عن نفوق الحيوانات خلال الحرب، بخاصة التي نفقت بشكل مباشر متأثرة بالقذائف والعطش وتلوث المراعي أو التي تعرضت للتجارة العشوائية عبر حدود السودان المفتوحة دون ضوابط، أسهم في أن تفقد البلاد سلالات تاريخية ".
وأردف الباحث في مجال المنظمات الدولية "في تقديري أن الخطط الطموحة التي أعلنت عنها وزارة الثروة الحيوانية بتأهيل 40 مشروعاً استثمارياً في القطاع جهد مقدر ومهم جداً، إلا أن الحرب المستمرة لا تقود إلى تحقيق النتائج المتوقعة بسبب خروج مناطق الثروة الحيوانية في السودان من الدورة التدريبية".
تدخل دولي
كانت منظمة الأغذية والزراعة العالمية للأمم المتحدة أطلقت بالتعاون مع الحكومة السودانية الحملة الوطنية لتلقيح الثروة الحيوانية بالبلاد من أجل حماية سبل عيش أكثر من ثلاثة ملايين من المزارعين والرعاة الذين يعانون من أزمة غذائية خانقة.
وتسعى المبادرة التي ستستمر حتى يناير (كانون الثاني) عام 2026، إلى حماية 9.4 ملايين رأس من الماشية من الأمراض الحيوانية العابرة للحدود والأمراض ذات المنشأ شديدة العدوى، في وقت تعد الثروة الحيوانية عصب الاقتصاد الريفي في البلاد، إذ توفر الأمن الغذائي والتغذوي والدخل، كما يمثل وجود قطعان سليمة أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على مكانة السودان كواحد من أكبر البلدان المصدرة للثروة الحيوانية، كون أن حملة التلقيح ستحقق فوائد غير مباشرة للمستهلكين المحليين والإقليميين للبروتينات الحيوانية، في حين يواجه السودان أزمة متفاقمة جراء نقص الغذاء.
وتجري المنظمة للمرة الأولى تجربة إيصال اللقاحات عبر الحدود التشادية إلى دارفور وغرب كردفان، بالتنسيق مع مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) في تشاد، بهدف التغلب على القيود التي تعيق الوصول الآمن للتطعيمات للمجتمعات المحلية الضعيفة في المناطق شديدة النزاع.