ملخص
بريطانيا تغرق في أزمة ثقة غير مسبوقة، إذ تتسارع الاستقالات وتتعثر الحكومات، فيما تتآكل مكانة الطبقة الحاكمة وتتفكك ركائز الحياة العامة. وبين ضعف القيادة وتراكم الفضائح، تبدو البلاد عالقة في شلل سياسي يجعل قدرتها على الحكم موضع شك متزايد.
إنها أيام عصيبة تمر على كير ستارمر وبريطانيا والديمقراطية. إن استقال رئيس الوزراء على خلفية تعيينه بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة، فماذا يعني ذلك بالنسبة إلى الحالة التي وصلنا إليها؟ حتى إن بقي ستارمر في منصبه، فسيواصل مهماته وهو متضرّر سياسياً إلى حدّ يُضعف نفوذه ويجعل سقوطه مسألة وقت لا أكثر.
إن بلدنا في حال سيئة. فحكومتنا فاسدة وطبقتنا السياسية آخذة في التفتت أمام أعيننا. بطبيعة الحال، سوف تدعي زعيمة المحافظين كيمي بادينوك كما رئيس حزب "ريفورم" نايجل فاراج أن هذا الأمر غير صحيح، وأن المشكلة محصورة بحزب العمال وحده - وهي مشكلة يقدر كل من حزبيهما على حلها. ولكن هل يجب أن نضع ثقتنا في شخصية من حزب المحافظين تخلف بوريس جونسون وليز تراس؟ أو في شخص كذب في شأن بريكست وقبل أموالاً من متبرعين لا يظهرون أي ولاء صريح لهذا البلد؟
على عكس ما يزعمون، هذه ليست مشكلة حزب واحد. فقد أشادت العديد من الشخصيات من مختلف الأطياف السياسية بتعيين ماندلسون في هذا المنصب، وفاراج أحدهم.
لا، بل يتعلق الأمر بأمة لم تعد تحترم قادتها - أمة غيرت رؤساء وزرائها بسرعة مذهلة دون أن تكترث لذلك. يمكن القول إن جونسون وتراس لم يكونا مؤهلَين للحكم، لكن الأمر أبعد من ذلك. ففي ما يتعلق بطبقتها الحاكمة، تعاني بريطانيا خللاً عميقاً يتجاوز بكثير الشخصية التي تشغل منصب رئيس الوزراء.
قد لا يكون هذا الوضع جديداً: فقد دفع جنودنا وعائلاتهم ثمناً باهظاً في الحرب العالمية الأولى لأنهم كانوا أسوداً يقودهم حمير [جنود شجعان تقودهم قيادات عاجزة]. وربما يعود الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، ولطالما كان موجوداً - أن يرعى المسؤولون مصالحهم الخاصة بينما يتحمل من هم أقل حظاً العواقب، أو يعانون مصيراً مروعاً إذا لم يكونوا مستعدين لذلك.
ومع ذلك، شهدت البلاد أيضاً فترات طويلة من الهدوء النسبي، حظي فيها السياسيون بالاحترام وكانت بريطانيا، على عكس اليوم، تحكم بشكل معقول. وعندما عانت السلطة مشاكل، طُبقت إصلاحات وحُلت المشاكل. لكن الأمر ليس كذلك الآن. فقد انتُخبت هذه الحكومة بغالبية ساحقة، لكنها لم تحرز أي تقدم في حل أزمة الإسكان أو تحسين حال هيئة الخدمات الصحية الوطنية أو إصلاح البنية التحتية المتداعية أو معالجة مشكلة الركود الاجتماعي، مقارنةً بسابقيها.
لقد توقفنا في مكاننا. لا شيء يتحرك، ما خلا تبديل الوزراء لمقاعدهم أو إفساح المجال لآخرين ليحلوا محلهم. مع كل رحيل وقدوم، تحل فترة من التكيف والتأقلم - ثم، ما إن يصبحوا جاهزين لأداء مهامهم حتى يغادروا. إنه جنون يفضي إلى تآكل ثقتنا على نحو مطرد.
بدأ الانهيار مع كشف فضيحة نفقات النواب عام 2009. صحيح أن بعض حالات الفساد والفضائح حدثت قبل ذلك، لكنها كانت حالات فردية تتعلق بأشخاص معينين. لكن التلاعب بالإيصالات والتجاهل المتعجرف - أي الشعور بالاستحقاق الذي يبلغ حد ازدراء من انتخبوهم - كان منتشراً في جميع الأوساط السياسية. وكشفت هذه الحادثة عن شرخ ربما كان موجوداً طوال الوقت، لكننا اخترنا تجاهله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لقد تابعنا تطور الفضيحة بأكملها، لكن شيئاً لم يتغير. زُج ببعض النواب في السجن وفقدوا مقاعدهم، لكن موقف قادة البلاد ظل على حاله. وحدث الشيء نفسه مع الأزمة المالية التي بدأت عام 2008. فقد احتفظ المصرفيون والمسؤولون في القطاع المالي والمصرفي بمناصبهم.
فضيحة نفقات النواب تلتها قضية التنصت على الهواتف وتحقيق ليفيسون عام 2011، مما أضعف بشكل كبير ركيزة أخرى من ركائز مجتمعنا. وبدورها، انقسمت ركائز أخرى أيضاً - الكنيسة و"بي بي سي" والعائلة المالكة والشرطة، وحتى مدارس النخبة التي خرجت أولئك الذين كنا نثق بهم لقيادتنا. تدمرت هذه الركائز واحدة تلو الأخرى.
ثم جاء تصويت "بريكست" والذي سبقته أكاذيب أُلصقت على جوانب الحافلات وكرروها في الصحف وبرامج التلفزيون. وعندما انكشفت الأكاذيب، قابلوا الفضيحة بالتجاهل والسخرية. بعد ذلك وقع حريق برج "غرينفيل" السكني. وتبعته قضية مدراء مكاتب البريد الفرعية وظهر في أعقابها أقارب ضحايا الدم الملوث، الذين أُجبروا على خوض معركة من أجل الاعتراف بقضيتهم وتعويضهم. ثم انتهكوا قواعد كوفيد - التي كانت مفروضة على الجميع، لكنها طُبقت فقط على الناس العاديين.
في الوقت نفسه، تدهورت نوعية الأشخاص الذين يدخلون معترك السياسة والحياة العامة، وتلاشت الثقة التي كنا نتمسك بها. نأمل دائماً أن يختلف القادم عن سابقه. لكن ربما يكون خليفة ستارمر شخصاً أُجبر على ترك منصبه بسبب تلاعبه في قضايا ضريبية. وقد يكون رئيس الوزراء الذي يخلف ذلك الشخص هو فاراج. من المفترض أن تكون الروايات عن أيام دراسته في كلية دولويتش كافية، لكنها لن تكون كذلك - مثلما لم يكن سلوك جونسون في الماضي كافياً.
وعندها سيكون الأوان قد فات. فالبلاد أصبحت عصيةً على أن تُحكم بشكل سليم وعادل وفعال، وربما كل هذه الفضائح والكوارث، إضافةً إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تساهم في تشجيع النقاش المدروس، قد أوصلت بريطانيا إلى حالة من الجمود.
نسمع مراراً وتكراراً من المقربين من ستارمر أنه رجل صالح. فهو محامٍ تدرب على التحليل الجنائي والالتزام بمعايير صارمة. ناهيك عن أنه مدع عام. هذا ما دفعونا إلى تصديقه، أنه سيكون أفضل بالفعل.
ومع ذلك، قرر تعيين شخص اضطر إلى الاستقالة مرتين بسبب تعاملاته مع رجال أعمال أثرياء. تجاهل ستارمر دبلوماسيين محترفين يتمتعون بكفاءة عالية - موجهاً بذلك رسالة لهم ولنا.
لا داعي لأن نذرف الدموع على ستارمر. لكننا نبكي على أمتنا التي كانت عظيمة يوماً ما.
© The Independent