ملخص
قصص كثيرة عن النخبة الفاسدة التي تحترف هذه النوعية من الأعمال في نوادٍ حصرية قدمتها السينما العالمية وكأنها كانت تعلم كثيراً عن هذا العالم قبل أن يخرج للعلن وسط صدمة المتابعين. وفي حين بدا بعض ضحايا تلك الأعمال الفنية منسيين وذوي حظوظ عاثرة في مماتهم وحياتهم، فإن الحراك الأخير جدد الأمل في نيلهم قليلاً من العدالة على أرض الواقع.
تجاوز فيلم "عيون مغمضة على اتساعها" (1999) مستواه الفني المذهل، وبراعة مخرجه ستانلي كوبريك أحد عباقرة السينما، بل وتجاوز أزمته الإنسانية المتعلقة بالحياة الزوجية وتشريح نفوس الشركاء، وكذلك كونه يخلط الحقائق بالهذيان بعالم الأحلام، مع كشف مزيد من خبايا قضية جيفري إبستين، أشهر فضائح الاستغلال الجنسي للقاصرات في العصر الحديث، إذ ترك المهتمون كل جوانب الفيلم الأخرى وحللوا الترابط والتشابه الكبيرين بين العالم الذي استعرضه الفيلم، الذي فارق مخرجه الحياة قبل أيام قليلة من عرضه الجماهيري، وبين أسلوب الطبقة المحيطة بجيفري إبستين والحياة الموازية التي صنعها لهم ليعيشوا في فقاعة كبيرة حتى اعتبرهم المتابعون الذين تلقفوا الوثائق التي أفرج عنها أخيراً مجرد نخبة كبيرة متوحشة يتزاوج فيها عالم المال والأعمال والسياسة والنفوذ والفن والتكنولوجيا. إنهم صفوة امتلكوا كل شيء ولم يعد هناك ما يفعلونه سوى استحداث أنماط أخرى من التسلية لطرد ملل الثراء والرفاهية بمزيد من الرفاهية التي تفضي عادة إلى جرائم خيالية، تشبه عالم الـ"دارك ويب" الذي يشكل رعب الناس في العصر الحديث.
مر على فيلم ستانلي كوبريك "عيون مغمضة على اتساعها" (Eyes Wide Shut) نحو 26 عاماً، وها هو تُعاد قراءته مجدداً، محاطاً بتساؤلات من قبيل: هل كان المخرج الأميركي الراحل، الذي استوحى أحداث فيلمه من رواية نمسوية عن الحياة الزوجية، قريباً من أباطرة تقديم هذا النوع من اللهو الذي خلّف ضحايا كثراً؟ فقد كان مصيرهم يوازي سواد مصير ضحايا فيلمه من الفتيات اللاتي يتم ابتزازهن وإجبارهن على تلبية رغبات هؤلاء الناس.
عالم النخبة السري
الفيلم الذي انغمس في عالم من الأحلام المتخم بدلالات الألوان والأقنعة وحركات الأجساد، يجعل المشاهد نفسه يتشكك وتمر معه بعض الأحداث من دون أن يعرف هل هي حقيقة أم اخترعتها مخيلة البطل الباحث عن شغف جديد يعيد علاقته بزوجته التي تهرب بمشاعرها منه، ثم يجد نفسه في حفلة مجون حصرية تربك حساباته مجدداً، بكل تداعياتها الإجرامية التي أسقطت ضحايا مغلوبين على أمرهم، وكأنهم مجرد نقطة في ماكينة من النفوذ والجبروت، مجرد أثر جانبي يسحق تماماً بلفتة أو بهمسة تخرج كأمر مباشر بالتصفية والإخفاء، وتتدافع المشاهد الاحتفالية التي تملؤها الأقنعة والملابس الصارخة والمظاهر الصادمة التي جعلت الفيلم يصنف ضمن الأكثر جرأة حتى اليوم.
إن أكثر ما يربطه في نظر الجمهور المتعطش للتحليل بقضية إبستين هو تورط النخبة الحاكمة والمسيطرة على الكيانات السياسية والاقتصادية في العالم، إذ ظهرت أسماء وصور في الوثائق المثيرة للجدل والصادمة للملياردير الأميركي، من بينهم بيل كلينتون وبيل غيتس ودونالد ترمب والفيلسوف نعوم تشومسكي، وكذلك المخرج وودي آلان والسياسي ستيف بانون، وبالطبع الأمير أندرو الذي تخلى عن حضوره الملكي في العائلة البريطانية الملكية تماماً بسبب تلك الفضائح التي دأب على نكرانها قبل أن يرضخ وسط سيل الأدلة.
كان إبستين رجل مجتمع معروفاً، بالتالي من الطبيعي أن تجمعه المناسبات بمشاهير كثر من كل حدب وصوب، حتى لو لم يشاركوا في أعماله أو تكن لهم علاقة بممارساته في استغلال الأطفال بجزره المنعزلة ومنازله الفاخرة، لكن هناك أسماء بعينها ثبت تورطها وفق التحقيقات الموثقة، وكان من أبرزهم الأمير أندرو الابن الثالث للملكة الراحلة إليزابيث الثانية، والتي بذلت كل في وسعها لحمايته ودفعت تعويضات باهظة لضحاياه، ولكن السمعة تلطخت إلى الأبد.
"لوليتا" وإبستين
لكن الفيلم، الذي فارق مخرجه الحياة بعدما سلم نسخته النهائية للعرض، وقيل إنه كان سبباً رئيساً من أسباب طلاق بطليه توم كروز ونيكول كيدمان حينها، وتلقاه الجمهور والنقاد بتعليقات متناقضة بين الإعجاب والصدمة وعدم الفهم أحياناً، لم يكن الوحيد الذي حمل تقاطعات بين كوبريك وإبستين، إذ كشفت تركة الوثائق التي يتم الكشف عن فحواها تباعاً عن ولع إبستين وشبكته برواية الجنس الأشهر "لوليتا" للكاتب الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف، فقد أظهرت بعض الصور اقتباسات متنوعة من الرواية على جسد فتاة مجهولة، و"لوليتا" قدمها ستانلي كوبريك كفيلم عام 1962، والجدل الأخلاقي الذي فجرته الرواية نال الفيلم أيضاً نصيباً كبيراً منه، إذ جسدت فيه سو ليون شخصية البطلة، حينما كانت لا تزال في الـ16 من عمرها، فيما الخط الأساس للقصة كما هو معروف يتحدث عن غرام رجل أربعيني بفتاة مراهقة يتطلع لإقامة علاقة معها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
القصة المنحرفة لهوس المطلق البالغ بطفلة صغيرة استهوت صناع السينما أكثر من مرة، إذ استلهمت الحكاية في أعمال عديدة، وبطبيعة الحال فإن الأجواء التي صنعها جيفري إبستين تترابط في أكثر من موضع مع الأفكار التي صاغها المؤلف على لسان البطل المضطرب الذي يعاني تشوهات أخلاقية باشتهائه طفلة.
كذلك انجذبت الدراما مراراً إلى الحياة الموازية في النوادي والجزر الحصرية لأصحاب الحظوة، والتي يشرف عليها عادة رجل أعمال أو نجم مجتمع قد لا يرتاب به أحد، ولكن اللافت أن التغاضي قد يستمر سنوات حتى بعدما يتشجع البعض ويقرر وضع حد لسلسلة الاستغلال، وبالطبع ما حدث في قضية الملياردير جيفري إبستين نموذج واضح، إذ أثبتت التحقيقات أنه جرى حمايته ودائرته لسنوات وسنوات، وحتى في أزمة المغني والمنتج الأميركي شون ديدي، فإنه على رغم توثيق الكاميرات لجرائم الاعتداء والاستغلال وتواتر الشهادات، انتهت القضية بحكم مخفف وسط صدمة الجمهور.
طقوس الفساد
يبدو أن السينما الهوليوودية التي يتقاطع صناعها في كثير من المواقف مع رواد هذه العوالم، لديها سجل كبير من الولع بتقديم ما يحدث في كواليس هذه الحياة السرية، وبخلاف "عيون مغمضة على اتساعها" هناك أفلام أخرى أعاد الجمهور مشاهدتها من جديد، معتبرين أنها حملت سمات من عوالم إبستين وفضحت ما يتستر عليه نجوم المجتمع والمبدعون وصناع السياسة الحكيمة ومؤسسو الشركات الناجحة، وكثير منها كان يمر من دون محاولة ربطه بأية وقائع ملموسة، بخاصة تلك الأعمال التي عرضت قبل أن تكشف فضائح الشبكة التي أسسها جيفري إبستين من خلال أمسيات حفلات مروعة عابرة للقارات، ولكن الأمر يتخذ أبعاداً أخرى في تلك الأعمال التي عرضت في السنوات الأخيرة، فحتى لو لم تكن تقصد تلك القضية بحد ذاتها فإن خيالات المشاهدين لا تتوقف عن الربط بينها.
من هذه الأعمال فيلم "المسبح اللامتناهي" (Infinity Pool) (2023) للمخرج براندون كروننبرغ، وفيه يتم الدخول إلى عالم الأثرياء الباحثين عن الشغف والمزايا الفائقة التي تقدم لهم باعتبارهم فئة عليا يمكنهم الإفلات من أية أزمة، والهرب للعيش في مجتمعات شديدة الحصرية، والانغماس في تجارب عنيفة بفضل تمكنهم من استغلال الفئات الأضعف من دون أن يطرف لهم جفن.
الهوس بالسلوكيات التي يجرمها القانون، والاندماج في جماعات سرية، والبحث عن التسلية بأي ثمن، ولو عبر طرق سوداوية، هو ما يتضح أيضاً في فيلم "تحت بحيرة الفضة" (Under the Silver Lake) (2018) للمخرج ديفيد روبرت ميتشيل، حيث أجواء خيالية تلعب بذهنية المشاهد والأبطال، ليبدو الفيلم متبنياً نظرية المؤامرة التي يعمل عليها نخبة المجتمع وصفوته، والذين يمتلكون قوة كبيرة تمكنهم من الاستغلال والسيطرة على الجميع بما فيها أجساد النساء التي تتحول إلى صفقات أو أدوات للعب والتجارب، فالطقوس السرية التي تمتهنها دوائر سرية وجماعات بعينها لديها الهيمنة الكاملة على عوالم شديدة القتامة والغرائبية، والطقوس الجنسية الماجنة إحدى أبرز أدواتها.
ضحايا الشاشة والواقع
تبدو قصة "الفتاة ذات وشم التنين" (The Girl with the Dragon Tattoo) (2011)، إخراج ديفيد فينشر أكثر واقعية، فالنفوذ والقوة والانتماء لطبقة رفيعة لا يحمي أصحابها إلى الأبد، ومن خلال تحقيق صحافي وخيط بسيط من المعلومات يتم كشف شبكة جرائم مروعة بينها الاستغلال الجنسي والقتل في إحدى أشهر العائلات ذات الهيمنة، وعبر دائرة متكاملة تحمي بعضها بعضاً يتضح أن هناك قائمة طويلة من الضحايا تتكشف صورهم ومعلوماتهم شيئاً فشيئاً بعدما حاولت الشخصيات النافذة إخفاء أثرهم الكابوسي بشتى الطرق، وهي طريقة متكررة في مثل هذا النوع من الشخصيات التي تحميها شبكة معقدة من العلاقات، ويبدو السيناريو شبيهاً بما حدث في قضية جيفري إبستين الذي حاول من خلال معارفه وسطوته طمس القضية في مهدها، كما أن الشرارة الأولى أيضاً لكشف الحقيقية كانت من خلال الصحافة التي حققت بدقة وأجبرت الجهات المعنية على القيام بدورها.
الأمر هنا لا يتعلق بالممارسات الجنسية بحد ذاتها، وإنما بهندسة الإذلال وارتكاب جرائم اعتداء وحشي كان ضحاياها الأكثر ممن هم تحت السن القانونية، إذ إن المتهمين هنا ليسوا عصابات نظامية بالمعنى المتعارف عليه وإن كانوا يستخدمون الأدوات نفسها. وفي حين أن الأفلام التي تناولت هذا العالم أدانته أخلاقياً وقانونياً بصورة واضحة، فإنه في كثير من الأوقات لم تكن النهاية سعيدة تحمل انتقاماً شافياً للناجين والناجيات، إذ إن كشف الحقيقة يطول أمده بسبب سياج السرية وطبقات الحماية المحكمة التي تصل لأعلى المناصب من رجال سياسة واقتصاد وكبار صناعة الترفيه، إضافة إلى أن كثيراً من تلك الأفلام اعتمد على فكرة الهذيان والخيالات وامتزاج الأحلام بالواقع من خلال التطرق إلى عوالم الطقوس السرية الغامضة.
أما قصة جيفري إبستين المباشرة فقد تلقفها صناع الأفلام الوثائقية وقدموا عنها أعمالاً عديدة أبرزها "ثراء فاحش" وهي حلقات توثيقية حملت شهادات من الناجيات اللاتي كشفن من خلال حكاياتهن منظمات حماية الشر والأشرار واستخدام النفوذ الكاسح لجيفري إبستين في إبعاد الشبهات عنه ومعارفه طوال سنوات طويلة من نشاطه المشين الذي تورطت فيه أسماء براقة من جميع المجالات.