Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الدراما الخليجية تحل الفجوة بين جيلين خلقتها التحولات السريعة

الأعمال الدرامية القديمة مساحة آمنة لطرح القضايا من دون صدام والتعميم الزمني حل لشحّ المراجع

مسلسل شارع الأعشى (شاهد)

ملخص

تتحول الأعمال الدرامية إلى جسر بين الماضي والحاضر، وأداة من أدوات القوة الناعمة، تعيد سرد القصة المحلية بلغة معاصرة، وتؤكد عمق التجربة التاريخية للمجتمع الخليجي في زمن الانفتاح والتحولات المتسارعة.

في مواسم درامية متتالية، بدا واضحاً ميل الدراما الخليجية، ولا سيما السعودية، إلى استعادة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بوصفهما زمنين مفصليين في تشكل المجتمع الحديث. ليست العودة إلى تلك الحقبة حنيناً عابراً أو توظيفاً جمالياً للديكور والأزياء، بل محاولة لقراءة اللحظة الراهنة عبر مرآة الماضي، وفهم الفجوة التي صنعتها الطفرات الاقتصادية والتحولات الثقافية المتسارعة بين جيل عاش البدايات وجيل ولد في زمن الحداثة المكتملة.

تتحول الشاشة في هذا السياق إلى مساحة آمنة لطرح أسئلة معاصرة بصيغة تاريخية. يمنح الإطار الزمني القديم مسافة تتيح مناقشة قضايا اجتماعية حساسة من دون احتكاك مباشر مع الواقع اليومي، ويخفف حدة الاستقطاب الذي قد تثيره الموضوعات نفسها لو قدمت في سياق زمني راهن. وبين قلة المراجع المكتوبة للتاريخ الاجتماعي واعتماد السرد الشعبي على الرواية الشفوية، يجد صناع الدراما هامشاً واسعاً للتعميم الزمني، مع التركيز على صدقية الروح العامة للمعلومة أكثر من التطابق الحرفي مع التفاصيل، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن العمل الدرامي ليس وثيقة تاريخية بقدر ما هو قراءة فنية لمرحلة صنعت ما بعدها.

الإطار الزمني القديم أكثر أماناً لمناقشة القضايا الاجتماعية

لم تعد العودة إلى "زمن الطفرة" مجرد موضة درامية، بل تحولت إلى خيار واعٍ يسعى إلى قراءة اللحظة الراهنة عبر استحضار زمن التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل المجتمع الخليجي. مرحلة قريبة زمنياً، لكنها تمثل نقطة انتقال بين مجتمع تقليدي وبدايات الحداثة، مما يجعلها أرضاً خصبة للسرد.

ويرى الكاتب إسماعيل المباركي أن الرجوع إلى منتصف القرن الماضي ليس اختياراً زمنياً عابراً، بل استدعاء لذاكرة كامنة في الوجدان الجمعي.

 

الحنين هنا يتجاوز العاطفة ليصبح قوة جذب سردية. ينظر إلى تلك المرحلة كزمن أبسط في إيقاعه، أكثر تماسكاً في بنيته الأسرية، وأقل تعقيداً في تفاصيله التقنية. المشاهد لا يتابع قصة فحسب، بل يفتش عن أصل الحكاية، كيف كانت البيوت، كيف تشكلت الحارات، وكيف نمت العلاقات قبل أن تعيد الطفرة رسمها.

وفي عمق هذا التوجه يبرز سؤال الهوية. التحولات السريعة صنعت فجوة بين جيل عاش البدايات وجيل ولد في زمن الحداثة، فتتحول الدراما إلى مرآة تسأل من كنا لنفهم من صرنا. ليست استعادة للماضي بقدر ما هي محاولة لتعريف الذات وسط التغير، إضافة إلى أن الماضي أقل حساسية من الحاضر. وقد يخلق تناول القضايا المعاصرة احتكاكاً مباشراً، بينما يمنح الإطار الزمني القديم مساحة رمزية أوسع لمناقشة قضايا المرأة والفقر والسلطة الأبوية من دون صدام مباشر. الزمن هنا لا يعمل كخلفية فحسب، بل كمسافة آمنة للفكرة.

النجاح ليس في التطابق الحرفي

في موازنة الدقة التاريخية بالبعد الدرامي، يوضح إسماعيل المباركي أن أي عمل يستعيد حقبة زمنية يتحرك بين ثلاث طبقات: دقة شكلية تتمثل في الديكور والملابس واللهجة، ودقة سياقية تتعلق بالقيم والعلاقات والعادات، ثم حرية درامية في بناء الشخصيات وتكثيف الأحداث.

ومن وجهة نظره، لا تقوم المعادلة الناجحة على التطابق الحرفي مع التفاصيل، بل على الصدق العام، أن يكون العمل صحيحاً في روحه حتى لو منح نفسه هامشاً من الحرية في بعض الجزئيات. الدراما ليست وثيقة تاريخية، لكنها في الوقت نفسه ليست خيالاً منفصلاً عن الواقع، بل مساحة تتقاطع فيها الحقيقة مع الرؤية الفنية.

من جانبه يركز المخرج راشد الورثان على الكتابة بوصفها العامل الحاسم في تحري الدقة، مشدداً على ضرورة وجود كاتب يملك معرفة تاريخية ومراجع مقروءة وشفهية ومسموعة. ويقول إن العمل التاريخي يتطلب أمانة في النقل والبحث والتقصي، ودقة عالية، وهو ما يستدعي جهداً مضاعفاً، خصوصاً من الكاتب.

ويضرب مثالاً بمسلسل "خيوط المعازيب"، الذي وثق عنصراً مهماً من تاريخ منطقة الأحساء وهويتها، عبر إبراز صناعة المشلح، أو ما يعرف بالبشت الحساوي، بوصفها جزءاً من الذاكرة الاقتصادية والثقافية للمنطقة.

 

بيَّن الورثان قصة التقصي للوصول للمعلومة، ويذكر بأن عندما تسلمت الشركة المنتجة النص من المؤلف الرئيس الأستاذ حسن العبدي كلفت مجموعة كتاب وعملت ورشة أخرى لكتابة السيناريو وتحويلها إلى ملحمة درامية رائعة، بحسب رأيه.

ويتابع الورثان ونفس العناصر في البحث والتقصي والدراسة لتلك الحقبة يجب أن يقوم بها المنتج والمخرج وفريق العمل كاملاً لأنها مرتبطة بكل صغيرة وكبيرة من أزياء وأكسسوارات ولهجة وبيئة معينة مناسبة للقصة المطروحة ومواقع وأحداث وقصص وأماكن، ويرى أن التحديات في هذا النوع من الأعمال كثيرة جداً والمسؤولية أكبر لذلك لا تحتمل التهاون أو اللامبالاة لأنك تنقل تاريخ وتتحدث عن حضارة وحقبة معينة سيوثقها التاريخ باسمك كمنتج ومخرج وكاتب الخطورة تكمن في المسؤولية التي تقع على عاتق الجميع.

نقص المراجع يفرض التعميم الزمني في السرد

اعتمد التاريخ الاجتماعي في الخليج طويلاً على الرواية الشفوية أكثر من التوثيق المكتوب، مما يجعل استعادة الماضي درامياً مهمة معقدة. ويرى إسماعيل المباركي أن المشكلة لا تكمن في غياب المراجع بقدر ما تكمن في تنظيمها وتحويلها إلى مادة سردية جذابة. فالباحثون والمهتمون بالتراث موجودون، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ربط المعرفة الأكاديمية بالمنتج الفني القادر على الوصول إلى الجمهور.

من جهته، يتفق المخرج راشد الورثان على وجود نقص في المراجع المكتوبة، خصوصاً في ما يتعلق بفترات تاريخية معينة. ويعزو ذلك إلى طبيعة الحياة القاسية في الصحراء، وضعف التدوين قبل مرحلة التوحيد، حين لم تكن الأولوية لحفظ التفاصيل الاجتماعية بقدر ما كانت للبقاء وتدبير شؤون الحياة اليومية.

ويستعيد الورثان تجربة شخصية حين طلب منه قبل ثلاثة أعوام تقريباً كتابة نص مسرحي عن البلدة القديمة في محافظة العلا شمال غربي السعودية. يروي أنه واجه شحاً واضحاً في المصادر المكتوبة، فلجأ إلى الجولات الميدانية، وأجرى لقاءات مع كتاب وأدباء وأعيان من البلدة نفسها، بعضهم عاصر مراحل مبكرة من تاريخها، وآخرون نقلوا روايات سمعوها من أجدادهم ومُعمّرين شهدوا بداياتها.

ويشير إلى دور دارة الملك عبدالعزيز في حفظ التاريخ والموروث الوطني، مؤكداً حرصها على توثيق المعلومات من مصادرها الرسمية والموثوقة. ويقول إنه خلال تعاونه معهم في مناسبات اليوم الوطني وأيام التأسيس لمس دعماً مباشراً وتوفيراً للمعلومات التاريخية يتم التعامل معها بموثوقية وأمانة وشفافية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما في ما يتعلق بالحساسيات الاجتماعية، فيوضح أن التعامل معها يتم غالباً عبر التعميم الزمني من دون تحديد سنة دقيقة، وعبر شخصنة الأحداث بحيث تقدم التصرفات كحالات فردية لا أحكام عامة. ويتم الحرص على إظهار الجوانب الإيجابية والسلبية معاً، حتى لا يسقط العمل في التجميل المفرط أو المبالغة في النقد.

السوق الخليجية تعيد تعريف نفسها

نبدو أمام مرحلة انتقالية ممتدة، تعيد فيها السوق الخليجية تعريف هويتها البصرية والسردية. المنصات تبحث عن محتوى محلي واضح الملامح، والجمهور متعطش لرؤية قصته على الشاشة، غير أن استمرار هذه الموجة مرهون بالتجديد، فإذا تكررت القوالب من دون تطوير، تحولت إلى موضة عابرة، أما إذا تطورت أدوات السرد وتعمقت المعالجة، فستترسخ كمسار دائم في الصناعة.

في المحصلة، قدمت هذه الأعمال تلك الحقبة بصورة جاذبة، وربطت بين الماضي والحاضر، وأعادت طرح سؤال الهوية بصيغة بصرية: كيف كنا، وكيف أصبحنا. ليست استعادة زمن مضى فحسب، بل إعادة تعريف للذات في سياق التحول.

ويعتقد المخرج راشد الورثان أن اللحظة الراهنة، مع اتساع الانفتاح الإعلامي وتداخل الثقافات، تفرض الحاجة إلى تكثيف هذا النوع من الأعمال أكثر من أي وقت مضى. ويرى أن وجود قناة مثل "ذكريات" يعكس اهتماماً رسمياً بحفظ الذاكرة الدرامية وتقديمها للأجيال الجديدة، بوصفها جزءاً من القوة الناعمة التي نخاطب بها الآخر، ونستعرض عبرها عمقنا التاريخي وتجربتنا الممتدة، تأكيداً على أن إنسان هذه الأرض امتداد تاريخي لا طارئ في سياق الزمن.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما