Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أوكار إبستين"... مسارح جرائم مكتملة الأركان

لوحات خليعة وصور لنساء عاريات منتشرة داخل منازله خلقت بيئة نفسية سهلت الاعتداء

أوكارا جرى تجهيزها بعناية لخلق أجواء نفسية تسهل الاعتداء، وضمت صوراً لنساء عاريات، وتماثيل لأجساد نسائية، ولوحات ورسومات ذات طابع إيروتيكي (وزارة العدل الأميركية)

ملخص

منازل جيفري إبستين صممت كمسارح جرائم، حيث أسهم الفن الإيروتيكي والديكور وغرف التدليك في تهيئة بيئة نفسية تطبع الجسد وتسهل الاعتداء، وتدعم شبكة استغلال جنسي ممنهجة امتدت عبر مواقع متعددة، وفق وثائق رسمية وشهادات ضحايا وتحقيقات صحافية.

يبدأ فهم الجرائم المركبة في التحقيقات الجنائية من قراءة مسرح الجريمة، بوصفه الشاهد الأول على الأفعال الجنائية، والمكان الذي احتضنها واحتفظ بآثارها، والكشف عن تفاصيل وقوعها وفهم سياق تنفيذها.

وفي قضية جيفري إبستين، الملياردير الأميركي المتهم بإدارة شبكة واسعة للاتجار الجنسي بالقاصرات، تعددت مسارح جرائمه، وحتى وإن تباعدت جغرافياً، إلا أنها حملت طابعاً واحداً يخدم غرضاً إجرامياً ممنهجاً.

وعند التمعن في الوثائق الرسمية المتعلقة بمنازل إبستين سيئة السمعة، الممتدة بين نيويورك وفلوريدا وجزيرته المعزولة في البحر الكاريبي، يظهر التشابه الواضح بينها في ما يتعلق بملاءمتها للانتهاكات، إلى حد أن تقارير صحافية وصفت هذه المواقع بأنها "مخابئ صممت بخيال إجرامي أكثر من كونها نتاج ذوق معماري".

وتظهر الصور الموجودة على موقع وزارة العدل الأميركية، التي اطلعت عليها "اندبندنت عربية"، أن تلك العقارات الفاخرة كانت أوكارا جرى تجهيزها بعناية لخلق أجواء نفسية تسهل الاعتداء، وضمت صوراً لنساء عاريات، وتماثيل لأجساد نسائية، ولوحات ورسومات ذات طابع إيروتيكي، وهو فن يركز على مواضيع جنسية بصيغة جمالية تقوم على الإيحاء والإثارة.

وتوزعت هذه العناصر البصرية بصورة منسقة بين الممرات والسلالم وغرف النوم والحمامات، في نمط استخدام مكاني منظم ساعد في خلق محيط يوصف في علم النفس بـ"البيئة الممكنة للانتهاك"، وفقاً لمتخصصين في علم الجريمة السلوكي.

الفن الإيروتيكي

يبدو أن هوس رجل الأعمال بالفن الإيروتيكي، من خلال اقتنائه عشرات الأعمال المعروضة في مختلف أرجاء عقاراته، كان جزءاً من الإطار الذي أحاط بأفعاله البشعة.

فبين عامي 1987 و1994، كان إبستين عضواً في مجلس إدارة أكاديمية نيويورك للفنون، وهي جامعة خاصة تقع في جنوب مانهاتن.

وفي عام 1995، التقى إبستين بالفنانة الأميركية الطموحة ماريا فارمر، التي كانت حينها طالبة في الأكاديمية وتبلغ من العمر 25 سنة، وخلال معرض تخرجها في أكاديمية نيويورك للفنون، اشترى منها لوحة تصور رجلاً يقف عند مدخل باب يراقب امرأة عارية مستلقية على أريكة.

وبحسب مجلة "آرت نيوز" المتخصصة في الفنون، قالت الفنانة إن العمل يستلهم لوحة إدغار ديغا "الداخلية" (1868–1869)، المعروفة باسم "الاغتصاب". وأفادت بأن بيع اللوحة لإبستين كان خياراً حراً بالكامل، مشيرة إلى أنها أقدمت على إتمام الصفقة باعتباره داعماً مهماً للأكاديمية، قبل أن تخفض قيمة العمل من 12 ألف دولار إلى 6 آلاف دولار.

 

وقالت فارمر في تصريحات صحافية "إذا بعت له إحدى لوحاتي بنصف السعر، فسيساعدني ذلك في مسيرتي المهنية". وبعد عام، وظفها للعمل لديه مستشارة فنية خاصة في "اقتناء الأعمال الفنية".

وأشارت إلى أن رجل الأعمال المتهم اشترى لوحة للفنان داميان لوب تصور مسابقة ملابس سباحة للأطفال، والمعنونة "الآنسة الصغيرة الطماطم الوردية".

وخلال فترة عملها، اطلعت عن قرب على ذائقته الفنية، التي وصفتها لاحقاً بأنها "تصادمية ومقلقة"، وهو ما انعكس في ديكور ممتلكاته، التي ضمت أعمالاً ولوحات أثارت جدلاً واسعاً.

ومن بين هذه الأعمال لوحة للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وهو يرتدي فستانا أزرق، رسمتها الطالبة في الأكاديمية بترينا رايان كلايد، وظهرت معلقة داخل أحد منازل إبستين.

 

إلا أن الرسامة الأميركية لم تسلم من أفعاله الشنيعة، إذ تقول فارمر في تصريحات صحافية إن علاقتها المهنية انتهت باعتداء جنسي تعرضت له من جانبه وشريكته غيسلين ماكسويل، مشيرة إلى أن الاعتداء طاولها وشقيقتها آني، التي كانت تبلغ 16 سنة آنذاك.

وشملت مهماتها، وفق إفادتها، شراء الأعمال الفنية ومراقبة من يدخل منزله، وخلال تلك الفترة، تزعم أنها رأت عدداً من الفتيات الصغيرات يدخلن المنزل، بعضهن كن لا يزلن يرتدين الزي المدرسي.

ومن بين الأعمال الإيروتيكية التي كشفت عنها وثائق القضية، جدارية بطول مترين وعرض ثلاثة أمتار، تعود للفنان الكوبي خورخي دياز ألفاريز، بعنوان "حفلة بلوغ سن الرشد"، رسمت عام 1995.

وباعت دار مزادات في ولاية نيوجيرسي، بهدوء، ما لا يقل عن 100 ألف دولار من الأعمال الفنية وقطع الأثاث العائدة للمدان بالاتجار الجنسي، على أن تطرح قطع أخرى للبيع في مراحل لاحقة.

وبحسب صحيفة "نيويورك بوست"، جرى بيع ما لا يقل عن 20 قطعة ديكور ضمن مزادات "ميليا بروس" المختارة، التي انطلقت جولتها الثانية مطلع ديسمبر الجاري، بعد جولة أولى أُقيمت في يونيو (حزيران) الماضي.

 

ولم تشر دار المزادات، في توصيف القطع الفردية المعروضة للبيع، إلى أية معلومات تفيد بملكيتها السابقة لرجل الأعمال المتهم.

ومن بين القطع التي بيعت، نسخة طبق الأصل من لوحة للفنان الهولندي - الفرنسي كيس فان دونغن بعنوان "المرأة القاتلة"، وهي تندرج ضمن الفن الإيروتيكي، وبيعت في مقابل 275 دولاراً. كما بيعت لوحة تعبيرية وصفت بالمخيفة، كانت تزين بهو منزل إبستين في شارع إيست 71، في مزاد علني في مقابل 850 دولاراً.

صور النساء العاريات

ولم يقتصر حضور العري على اللوحات، إذ أظهرت الصور وجود عدد كبير من الصور الفوتوغرافية لنساء عاريات بما فيها مشاهد عري للإطفال موزعة داخل غرف النوم وأورقه القصور.

ووصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية وكر أبستين بأنه فضاء مكتظ بالمقتنيات الغرائبية والصور الإباحية، تحيط فيه اللوحات بالسلالم والجدران، في نمط إعداد يتجاوز الاستخدام السكني التقليدي، ويجعل العري حاضراً منذ لحظة الدخول.

 

وفرقت تقارير صحافية بين الأعمال الفنية المعروضة، وبين صور إباحية احتفظ بها داخل المكان، في تجاوز متعمد لحدود الفن نحو تشييء مباشر للجسد، وتوزعت داخل العقارات تماثيل لأجساد نسائية، بعضها بلا رؤوس أو أطراف، وأخرى تظهر فتيات صغيرات.

وربطت صحيفة "واشنطن بوست" هذا التكوين بخلق بيئة بصرية قائمة على السرية والتحكم، إذ أصبحت التماثيل جزءاً من حركة الدخول والتنقل داخل المكان.

غرف التدليك… بوابة الاعتداء

تعد غرفة التدليك عنصراً متكرراً في كل عقار من عقارات المتهم باستغلال الفتيات الصغيرات، وبحسب الصور المرفقة في ملفات التحقيق، كانت هذه الغرف مجهزة بأضواء خافتة، ورفوف ممتلئة بالزيوت والكريمات المخصصة لهذا الغرض، إلى جانب كاميرات مراقبة خفية لتوثيق ما يجري داخلها.

وفي مثل هذه الغرف عملت فيرجينيا جوفري مدلكة، وكانت من بين ضحايا الاستغلال الجنسي وسوء المعاملة من جانب جيفري إبستين ورفاقه، عندما كانت في سن المراهقة.

وقالت إحدى الضحايا في شهادتها إن الغرفة كانت دائما "مهيأة مسبقاً"، مشيرة إلى أن الزيوت والأدوات كانت جاهزة قبل وصول الضحية.

 

ووصفت شبكة "إيه بي سي نيوز" هذه الغرف بأنها عنصر محوري في شهادات الضحايا، إذ جرى استدراج الفتيات تحت مسمى التدليك قبل الانتقال إلى الاعتداء.

وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن غرفة التدليك في منزل مانهاتن بنيت بطريقة تجعل من المستحيل رؤية ما بداخلها من الخارج، وبأبواب لا تفتح إلا من الجهة الداخلية، مما يجعل الخروج منها من دون إذن شبه مستحيل.

وضمن الوثائق التي كشف عنها، وجد كتاب يحمل عنوان "التدليك للمبتدئين"، وهو دليل تعليمي مبسط يشرح أساسيات التدليك لغير المتخصصين، ويتضمن شرحاً لأنواع التدليك، وقواعد الأمان، ومناطق الخطر، وتقنيات التطبيق خطوة بخطوة.

كما بينت مقتنيات إبستين، التي أظهرتها الوثائق، وجود أدوات وألعاب ذات طابع جنسي محفوظة بين الملابس والإكسسوارات، وفي محيط غرف التدليك وغرف النوم، ويشير وجودها المكشوف في بعض الأحيان إلى نمط تجهيز مرتبط باستخدام متكرر.

وفي الجزيرة الكاريبية، أفادت إحدى التقارير الصادرة عن لجنة رقابة فيدرالية بأن القصر احتوى على "مخزن كامل للألعاب الجنسية"، بعضها صمم خصيصاً وفقاً لطلبات خاصة.

العقلية الإجرامية

تعكس عقلية جيفري إبستين، وفق تحليلات نفسية وجنائية منشورة، بنية ذهنية إجرامية قائمة على السيطرة المطلقة، وتشييء الضحايا، وتعطيل الحدود الأخلاقية التي تنظم العلاقة بين الجاني والآخرين.

هذه العقلية تشكلت بوصفها منظومة متكاملة حكمت سلوكه لسنوات، وامتدت من الفعل الإجرامي المباشر إلى تصميم الفضاءات التي مارس داخلها جرائمه وأدارها بعناية.

هذا التوصيف تدعمه دراسة تحليلية بعنوان "الثالوث المظلم قيد التطبيق"، وهو تقييم نفسي -جنائي بعدي لشخصية المدان في قضايا الاستغلال الجنسي ودلالاته في الممارسة الجنائية أعدها الباحث في علم النفس الجنائي لازلو بوكورني، وهو باحث مستقل مقيم في الولايات المتحدة ومنتسب إلى جامعة نيوجيرسي سيتي، ونشرت عام 2025 بوصفها تحليلاً نفسياً وجنائياً بعد الوفاة اعتمد على السجلات القضائية، وشهادات الضحايا، والأنماط السلوكية الموثقة.

وربطت الدراسة سلوك إبستين مباشرة بسمات "الثالوث المظلم" في علم النفس الجنائي، وهي النرجسية المرضية، والاعتلال المعادي للمجتمع، والميول الميكافيلية.

وتخلص الدراسة إلى ان هذه السمات لا تعمل بصورة منفصلة، وإنما تتداخل لتنتج شخصية قادرة على التلاعب المنهجي وفرض الهيمنة، واستخدام الآخرين بوصفهم أدوات داخل منظومة استغلال مغلقة ومحكمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوضح أن هذه البنية الذهنية تترجم عملياً عبر هندسة بيئات خاضعة للسيطرة الكاملة، يعاد داخلها تشكيل إدراك الموجودين في المكان، وتطبع ممارسات الانتهاك تدريجاً ضمن إطار نفسي جرى ضبطه وفق قواعد الجاني وأولوياته.

هذا الاستنتاج يتقاطع مع ما كشفت عنه الصور والوثائق الرسمية في مساكن إبستين، إذ ظهر نمط بصري ثابت يقوم على الانتشار الكثيف للوحات الإيروتيكية وصور النساء العاريات داخل غرف الاستقبال والممرات والمساحات الخاصة، وهذا التكوين البصري أدى وظيفة نفسية واضحة، تمثلت في تطبيع الجسد، وتفريغ العري من دلالاته الصادمة، وتحويله إلى عنصر يومي داخل فضاء مغلق يخضع لسيطرة كاملة.

وفي علم النفس الجنائي، تدرج هذه الممارسات ضمن استراتيجيات تهيئة البيئة التمكينية، إذ يستخدم المكان بوصفه جزءاً فاعلاً من السلوك الإجرامي نفسه، يعيد ضبط الحدود النفسية للضحايا، ويمنح الجاني إحساساً دائماً بالهيمنة، ويهيئ الأرضية لتكرار الانتهاك ضمن منظومة مغلقة يصعب كسرها.

ويتوافق هذا النمط مع مؤشرات مقياس الاعتلال السيكوباتي المعتمد في تقييم الجناة ذوي السلوك الإجرامي التكراري، القائم على الخداع، وانعدام التعاطف، والقدرة على إدارة شبكات استغلال طويلة الأمد داخل بيئات محكمة الإغلاق.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات