ملخص
ظهر اسم ستالي للمرة الأولى في نسخة تعود إلى عام 2012 بصفته "منفذاً احتياطياً"، أي أنه لا يتولى إدارة التركة إلا في حال تعذر على المنفذين الآخرين القيام بمهامهم، غير أن اسمه ورد لاحقاً كمنفذ كامل في نسختين مؤرختين في عامي 2013 و2014، أيضاً ورد اسم سامرز في نسخة عام 2014 بصفته منفذاً احتياطياً، بحسب الوثائق.
كشفت وثائق حديثة أن الرئيس التنفيذي السابق لبنك "باركليز" جيس ستالي، ووزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز، جرى تعيينهما منفذين لوصية المدان بجرائم اعتداء جنسي على قاصرات الراحل جيفري إبستين.
وتُظهر ملفات نشرتها وزارة العدل الأميركية أول من أمس الثلاثاء، نسخاً متعددة من الوصية الأخيرة لإبستين، تشير إلى أنه كان يعتزم إسناد إدارة شؤونه إلى عدد من المقربين منه، من بينهم ستالي وسامرز، في حال وفاته.
ويظهر اسم ستالي للمرة الأولى في نسخة تعود إلى عام 2012 بصفته "منفذاً احتياطياً"، أي أنه لا يتولى إدارة التركة إلا في حال تعذر على المنفذين الآخرين القيام بمهامهم، غير أن اسمه ورد لاحقاً كمنفذ كامل في نسختين مؤرختين في عامي 2013 و2014، أيضاً ورد اسم سامرز في نسخة عام 2014 بصفته منفذاً احتياطياً، بحسب الوثائق.
ولا يظهر اسما ستالي أو سامرز في ما يبدو أنها النسخة النهائية من وصية إبستين لعام 2019، وكان الممول واسع النفوذ قد توفي داخل زنزانته في أغسطس (آب) 2019، أثناء انتظاره المحاكمة بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات.
ومن شأن هذه الإفصاحات الجديدة أن تعيد طرح تساؤلات حول طبيعة وعمق علاقة الرجلين بإبستين، لا سيما أن ستالي سبق أن مُنع من العمل في القطاع المصرفي البريطاني بعد اتهامه بالتقليل من شأن علاقته بالممول المدان.
أما سامرز، وهو اقتصادي بارز ووزير خزانة سابق، فقد استقال في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، من منصبه التدريسي في جامعة "هارفارد"، بعد أن أظهرت دفعة سابقة من الوثائق أنه ظل على تواصل مع إبستين حتى عام 2019، وتوقف عن ذلك قبل فترة وجيزة من اعتقاله في يوليو (تموز) من العام نفسه.
وخلال جلسة استماع أمام محكمة في الربيع الماضي، حاول فيها ستالي الطعن في قرار منعه من العمل في القطاع المالي البريطاني، سُئل عمّا إذا كان "وصياً" على تركة إبستين، فأجاب بأنه "رفض ذلك وامتنع عن تولي أي دور كوصي".
وأضاف لاحقاً أمام المحكمة "رفضت أن أكون منفذاً لوصيته"، وفقاً لمحاضر الجلسات.
ويُذكر أن المنفذ يتولى تنفيذ ما ورد في الوصية، في حين يكون الوصي مسؤولاً عن إدارة الأصول وتوزيعها.
وكان تحقيق هيئة السلوك المالي البريطانية، الذي انطلق بعد الكشف عن أكثر من 1200 رسالة بريد إلكتروني متبادلة بين ستالي وإبستين، خلص إلى أن العلاقة بينهما كانت "وثيقة بالفعل" وتجاوزت كونها علاقة مهنية بحتة.
واستقال ستالي من منصبه رئيساً تنفيذياً لبنك "باركليز" في عام 2021 بعد إعلان نتائج التحقيق، قبل أن يُحظر عليه العمل في القطاع المالي البريطاني عام 2023.
وقال متحدث باسم لاري سامرز لصحيفة "الغارديان" إن "السيد سامرز لم يكن لديه أي علم بإدراج اسمه في نسخة مبكرة من وصية إبستين، ولم تكن له أي علاقة بشؤونه المالية أو بإدارة تركته".
وتواصلت الصحيفة مع ممثلي جيس ستالي للحصول على تعليق، من دون أن تتلقى رداً حتى الآن.
الحجم الحقيقي لثروة إبستين غامض
وكان جيفري إبستين رجلاً فاحش الثراء، لكن الحجم الحقيقي لثروته ومصادرها ظلّا محاطين بالغموض حتى اليوم.
وكانت رسائل إلكترونية كُشف عنها في سبتمبر (أيلول) الماضي، قد ألقت ضوءاً جديداً على دور إبستين كوسيط مستقل لتطوير العلاقات مع كبار العملاء، إذ عمل كحلقة وصل بين شخصيات سياسية نافذة وأباطرة أعمال، مقدّماً للأولى أنماط حياة لا يستطيعون تحمّل كلفتها، وللثانية قنوات للتأثير السياسي.
وكشف هذا الدور أدى إلى نهاية المسيرة السياسية للسفير البريطاني لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون، وأشعل أزمة داخل حكومة حزب "العمال"، بعدما أظهرت الرسائل أن اللورد ماندلسون وجّه صفقة مصرفية بقيمة مليار دولار إلى إبستين، وأبدى تعاطفاً مع إدانته عام 2008 بتهمة استدراج قاصرات لأغراض جنسية.
وذهبت رسائل حصلت عليها وكالة "بلومبيرغ" ووسائل أخرى إلى أبعد من ذلك، كاشفة أن شخصيات من شبكة إبستين، التي ضمت مليارديرات وسياسيين ومشاهير وأفراداً من عائلات ملكية ومثقفين، جرى تجميعهم ضمن مخططات نفوذ متداخلة.
وقال أحد معارفه لـ"الغارديان" في سبتمبر الماضي، "كان جيفري مهووساً بالتقرب من المشاهير وأصحاب النفوذ، أي شخص اعتقد أن لديه تأثيراً كان يحاول ضمه إلى مجموعته، وماندلسون مراوغ وينبهر بالمال، ولهذا أعجبه جيفري".
وتُظهر الرسائل أن دوائر النفوذ التي أنشأها إبستين اعتمدت في آن واحد على إتاحة الوصول وتقديم الهدايا.
وحصلت "بلومبيرغ" على جدول نفقات بدا في بعض الحالات متطابقاً زمنياً مع رسائل متبادلة بين إبستين وصديقته السابقة وشريكته في الجرائم غيسلين ماكسويل، المدانة لاحقاً بالمشاركة في شبكة الاتجار الجنسي.
وأظهر أحد البنود، المؤرخ في 21 ديسمبر (كانون الأول) 2005، شراء ساعة بقيمة 35 ألف دولار لشخص يُشار إليه بالحرفين" D"، في اليوم نفسه الذي ناقش فيه إبستين وماكسويل عبر البريد الإلكتروني إهداء مساعد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون دوغ ب
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اند، ساعة من طراز أوديمار بيغه بالقيمة نفسها، قبل أن ينفى باند تسلّم أي ساعة، وبصورة إجمالية، تضم الرسائل جدولاً يوثق نحو 2000 هدية ومقتنى فاخر ومدفوعات، بلغت قيمتها نحو 1.8 مليون دولار.
قُدّرت ثروته بنحو 600 مليون دولار عند وفاته
لكن الأسئلة حول مصدر ثروة إبستين لم تُحسم قط، فقد قُدّرت ثروته بنحو 600 مليون دولار عند وفاته، جاءت في معظمها من عميلين مليارديرين بارزين، مؤسس "فيكتوريا سيكريت" ليز ويكسنر، ولاحقاً الشريك المؤسس لشركة "أبولو غلوبال مانجمنت" ليون بلاك، إضافة إلى وريثة "جونسون آند جونسون" إليزابيث ليبت جونسون، شقيقة السفير الأميركي السابق لدى بريطانيا وودي جونسون.
وبين مجموعة من العقارات الفاخرة في نيويورك وبالم بيتش وباريس، وجزيرتين خاصتين في الكاريبي، وطائرتين خاصتين ومروحية، امتلك إبستين ما يقارب من 380 مليون دولار نقداً واستثمارات، بحسب تركته.
وقد ظهرت هذه الثروة بشكل مفاجئ، فبحسب مقربين منه، كان إبستين حتى أواخر تسعينيات القرن الماضي يعيش في شقة متواضعة من غرفتي نوم في الجانب الشرقي الأعلى من مانهاتن، ولم يتغير نمط حياته جذرياً إلا بعد وصول غيسلين ماكسويل من لندن.
انتقل بعدها إلى منزل مستقل في شارع 68، ثم إلى قصر مساحته نحو 28 ألف قدم مربعة في شارع 71، نُقلت ملكيته إليه لاحقاً من ويكسنر عام 2011.
وزعم الشريك التجاري السابق لإبستين والمدان بإدارة مخطط احتيالي هرمي ستيفن هوفنبرغ، أن والد ماكسويل، قطب الإعلام البريطاني الراحل روبرت ماكسويل، هو من عرّف ابنته على إبستين في أواخر الثمانينيات.
"ممّول ورجل أعمال متمرس وناجح"
وكشف تحقيق لصحيفة "ميامي هيرالد" عام 2022 عن معاملات مالية معقدة لعائلة ماكسويل مرّت عبر شركات في جيرسي وجزر العذراء البريطانية وبنما، ووصفتها الصحيفة بأنها "أسلوب ممتد لعقود من الخداع المالي".
وفي إفصاح قانوني عام 2013، وصف إبستين نفسه بأنه "ممّول ورجل أعمال متمرس وناجح"، و"رائد أعمال أسس عدة شركات شديدة الربحية"، و"أحد رواد الاستثمار القائم على المشتقات والخيارات".
ومن أصل أكثر من 800 مليون دولار من الإيرادات التي جلبها ويكسنر وبلاك بين عامي 1999 و2018، وفق بيانات مالية حصلت عليها صحيفة "نيويورك تايمز"، حصل إبستين، على رغم أنه لم يكن محامياً ضريبياً مرخصاً ولا محاسباً قانونياً معتمداً، على ما لا يقل عن 490 مليون دولار كرسوم.
وتُظهر سجلات قضائية في دعوى أقيمت عام 2022 ضد بنك "جيه بي مورغان تشيس" أن شركات إبستين المسجلة في جزر العذراء الأميركية كانت المصدر الوحيد لإيراداته بين 1999 ووفاته في 2019.
وبموجب برنامج التنمية الاقتصادية في تلك الأراضي، يُقدّر أن إبستين وفّر نحو 300 مليون دولار من الضرائب بين عامي 1999 و2018.
وخلص تقرير صدر عام 2023 عن لجنة المالية في مجلس الشيوخ، برئاسة حينها رون وايدن، إلى أن ليون بلاك دفع لإبستين 170 مليون دولار "مقابل ما قيل إنه استشارات ضريبية وتخطيط للتركات".
ولم تُوجَّه إلى بلاك أي اتهامات، وقال في مكالمة أرباح عام 2020 إنه "يأسف بشدة" لعلاقته بإبستين. وخلص تقرير أعدته شركة المحاماة العالمية "ديشيرت" إلى "عدم وجود أي دليل" على تورط بلاك في أنشطة إبستين الإجرامية.
أما ويكسنر، فقال بعد اعتقال إبستين عام 2019 إن الأخير "اختلس" أكثر من 46 مليون دولار من ثروته الشخصية، وكتب في رسالة لموظفي شركته "إل براندز"، "أدركت الآن أن ثقتي به كانت في غير محلها على الإطلاق، وأندم بشدة على أن طرقنا قد تقاطعت".
لكن بحلول عام 2006، وبعد انتهاء رعاية ويكسنر، تراجعت إيرادات شركة "فايننشال تراست" التابعة لإبستين، التي كانت قد حققت 300 مليون دولار كرسوم، إلى أقل من 5 ملايين دولار خلال خمس سنوات.
ثم جاءت إدانته عام 2008 لتوجه ضربة إضافية، فعاد إلى نيويورك محاولاً إنقاذ سمعته وأعماله.
وأفادت "نيويورك تايمز" في سبتمبر الماضي، بأنه على رغم مؤشرات داخلية مقلقة بشأن سحوبات نقدية وتحويلات مشبوهة، واصل بنك "جيه بي مورغان تشيس" التعامل مع إبستين كعميل مميز يمتلك أكثر من 200 مليون دولار في حساباته.
والأهم من ذلك، أنه كان يؤدي بشكل غير رسمي دور مطوّر علاقات لقطاع إدارة الثروات الخاصة في البنك.
ووصف "جيه بي مورغان تشيس" علاقته بإبستين بأنها "خطأ"، وكان إبستين قد عرّف مسؤولي البنك على شخصيات تحولت لاحقاً إلى عملاء، من بينهم الشريك المؤسس لـ"غوغل" سيرغي برين، وكذلك على قادة عالميين مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبيل غيتس، وإيلون ماسك وغيرهم.
وتقاضى إبستين 15 مليون دولار مقابل تسهيل بيع حصة بقيمة 1.3 مليار دولار من صندوق التحوط "هاي بريدج كابيتال مانجمنت"، البالغة قيمته 7 مليارات دولار والمملوكة لغلين دوبين، إلى البنك. وبحلول ذلك الوقت، أصبحت علاقاته أكثر قيمة من ثروته نفسها.
وكانت الصلة الأساسية بين إبستين والبنك هي جيس ستالي، الذي أصبح لاحقاً رئيساً تنفيذياً لبنك باركليز، وتوصلت الجهات التنظيمية البريطانية إلى أنه ضللها بشأن طبيعة علاقته بإبستين.
أما نظريات المؤامرة التي زعمت أن إبستين كان يبتز معارفه الأثرياء عبر استدراجهم إلى "مصائد عسل" شملت عارضات أزياء جرى جلب بعضهن إلى الولايات المتحدة، من بينهن عبر جان-لوك برونيل، مؤسس شركة "أم سي 2" لإدارة العارضات، والذي توفي بدوره في السجن أثناء انتظاره المحاكمة بتهم جرائم جنسية، فلم تثبت حتى الآن، لكن أياً يكن المسار التالي لفضيحة إبستين، وأياً تكن الشخصيات الأخرى التي قد تطاولها، فإن ظله يواصل التجول كـ"شبح حي" في أوساط الثروة والسلطة.