ملخص
كي نتمكن من تسيير شؤون المدينة المعاصرة تسييراً عقلانياً وسلساً، أي ذلك الفضاء العمومي الذي يلتقي فيه الجميع على اختلافهم الديني واللغوي والجنسي والهوياتي، علينا أن نحرر العقل من ظاهرة القياس على الماضي قياساً حرفياً، والإبقاء على هذا الماضي حاضراً فينا من خلال المرآة الارتدادية كمؤشر نعود له بين حين وآخر، كي نعرف من أين جئنا ونحن نتقدم إلى الأمام.
يختلف التعامل مع الدين من موقع الدراسة والدرس إلى موقع العبادة والإيمان، ودرس الدين أو مساءلته من مدخل سوسيولوجي أو سياسي أو تاريخي أو نفسي لا تعني المس بطقوس العبادة التي تميزه، بل الدراسة هي تحليل لوجوده التاريخي في ظل واقع معين أو متغير تحكمه جملة من العلائق السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والنفسية المتجددة، وتحكمه الجغرافيا أيضاً والعمران.
إن العقيدة التي تمارس في ظل فضاء صحراوي أو ريفي، بما له من خصوصيات سيسيوثقافية تختلف في سلوكها عن تلك التي تمارس في مدينة مركبة تعبرها رياح كبرى قادمة من كل الجبهات الأيديولوجية والأخلاقية والإدارية والعمرانية، وكلما زحفت العقيدة إلى المدينة تعقدت الأسئلة حولها وعنها.
اليوم حين نحاول وضع بورتريه روحي وفكري للمسلم المعاصر علينا أن نضع في الحسبان كل تلك العوامل التي تهزه من الداخل روحياً، في مدينة مفتوحة عقائدياً واجتماعياً وثقافياً وسلوكياً وتكنولوجياً وعمرانياً.
وتبدو صورة المسلم المعاصر وهو يعيش في القرن الـ 21 شبيهة بصورة إنسان لا يزال في كثير من الحالات يتصرف متكئاً على عكازات من أفكار غير موثوقة تعود إلى القرن السابع الميلادي، فكلما واجهته معضلة ما، سياسية كانت أو أخلاقية أو علمية أو نفسية أو اجتماعية أو حتى هندامية، تجده يبحث عن جواب لها لدى نموذج عاش في هذا القرن كي يتخذ من سلوكه خلاصاً أو تبريراً، يقوم بمثل هذا القياس من دون أي اعتبار للتغيرات الاجتماعية والثقافية المعقدة والمركبة التي تراكمت عبر التاريخ، وبهذا تبدو صورته وكأنه ينتمي جسدياً إلى العصر الراهن ورمزياً ينتمي إلى زمن آخر بعيد عنه بـ 14 قرناً، وهذا ما يضاعف حال التوتر والضياع في سلوكه اليومي، سواء أكان في بلده الإسلامي أم في بلد الضيافة الذي قد تكون أنظمته تسير وفق عقيدة مدنية، وهذا ما قد يذكي نار ثقافة العنصرية والتهميش التي يعانيها المسلم في كثير من المهاجر.
وعلينا الاعتراف بأن هذا الإنسان الذي يعيش حالاً من القلق الثقافي والاجتماعي والنفسي هو من يعمر المدينة العربية والمغاربية، مدينة تبدو في ظاهرها تنتمي إلى مجموعة المدن العصرية، إلا أننا لو قرأنا تفاصيلها وتابعنا بدقة وتيرة الحياة بها سنجدها تسير بعقلية ريفية أو صحراوية لا تزال تحن إلى حياة تعود لـ 14 قرناً خلت، وهو ما يجعل مدننا تتميز بفوضى عارمة في العمران والسلوك الفردي والجماعي والأخلاق.
وفي ظل سيطرة هذه العقلية الانفصامية تولدت عندنا اختلالات في تسيير المدينة المعاصرة التي تحتاج إلى مصفوفة من الأنظمة الصارمة المتصلة بالإدارة والعمران والنظافة، وكلما يرتبط بتدبير الشأن العام والخاص، من احترام جمع النفايات إلى احترام موقف الباصات إلى حركة سير السيارات إلى علاقة الإداري بالمواطن إلى ثقافة المال في البنوك إلى حضور المرأة في الفضاء العام إلى أخلاق الحديث إلى احترام الرصيف وغيرها.
إن فلسفة المواطنة تقوم على احترام العلاقة الأفقية بين مكونات المجتمع بغض النظر عن عقيدة هذا أو ذاك، فالمواطنة هي العقد الاجتماعي الذي يعيش في ظله الناس جميعاً وفيها يخضعون بالتساوي لمسطرة من القوانين الوضعية البشرية، حتى ولو كانت هذه المسطرات مستوحاة من روح العقيدة الدينية، كما هي الحال في كثير من البلدان الإسلامية وغير الإسلامية، أما العلاقة مع السماء، أي مع الله، فهي علاقة عمودية، أي من المؤمن إلى ربه، فالإله لا يحتاج إلى وسيط كي يسمع عباده أو كي يسمعه عباده، في علاقة خاصة لا يمكن لأحد أن يقوم بها نيابة عن آخر، وكلما تداخلت العلاقة الأفقية بالعلاقة العمودية حدثت اختلالات في تسيير الروحي وتسيير الوضعي المدني في الوقت نفسه، مما ينتج خللاً في تدبير شأن المدينة اجتماعياً وروحياً، جماعياً وفردياً.
ويبدو أن هذه الحال هي ما تعيشه مدننا، إذ يختلط الشأن الزمني التاريخي البشري بالشأن الروحي العبادي الإيماني، وفي ظل هذا التداخل يلجأ بعضهم إلى تنصيب مجموعة من وكلاء لسلطة السماء على الأرض، ونظراً إلى الخلافات التي كثيراً ما تندلع بينهم جراء قراءة النصوص الدينية المرجعية وطرق تأويلها، وهو ما ينعكس على المدينة، فتظهر في المجتمع صراعات كثيرة ظاهرها ديني ولكن باطنها سلطوي سياسي، ومثل هذا الوضع يحدث في كل الديانات السماوية وغير السماوية حين يجري الخلط ما بين المدني والديني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي مثل هذه الحال من الخلط والصراع يظهر المواطن المؤمن البسيط في حال تشبه الضياع، ويصبح سلوك الفرد قابلاً للاهتزاز السياسي والعقدي والثقافي والهوياتي في كل لحظة، فلا هو قادر على أن يجد راحة روحية في طقوسه الدينية وعبادته نظراً للخلافات بين القائمين على شأن العقيدة من وكلاء السماء، ولا هو واجد راحة في ما هو مدني وضعي، لأن ذلك لا يحترم من قبل الجميع ويتعرض لنقود بتهمة الاستلاب وتقليد الغرب وتهميش الدين.
إن مهمة المؤمن في المدينة المعاصرة ليست مراقبة إيمان هذا المسلم أو ذاك ومساءلته عن أمور عبادته: هل صلى؟ هل صام؟ هل أدى الزكاة؟ هل حج؟ فتلك أمور من صلاحية الله تبارك وتعالى، وهو وحده من يجازي عنها وهو وحده من يعاقب من أخل بها، إن مهمة المؤمن المواطن الصالح في المدينة المعاصرة هي طرح أسئلة أخرى جوهرية تتصل بالشأن العام في الفضاء العام الذي يشترك فيه مع غيره لصناعة حياة مدنية نظيفة ومحترمة ومتوازنة وعادلة، أسئلة لها علاقة بالأخلاق العامة والعملية: هل وصل المواطن إلى عمله في الوقت المناسب؟ هل غادر عمله في الوقت المطلوب؟ هل دفع هذا المواطن الضرائب؟ هل دفع الاشتراكات الخاصة بأعباء نظافة العمارة وسلامتها؟ هل أنزل كيس الزبالة في الوقت المناسب وبالمواصفات المطلوبة حضارياً؟ هل احترم الضوء الأحمر ومسار المشاة وهو خلف مقود سيارته؟ هل يرافق ابنته وابنه في مراهقتهما؟ هل يتابع دراسة أطفاله ويراجع المعلم والمدير؟ هل يوجه علاقة أبنائه بوسائل التواصل الاجتماعي الخطرة؟ هل يحترم الجار ويسأل عنه إذا ما غاب؟ هل يشارك في اختيار رئيس البلدية؟ وهذه بعض أمور لا ننتظر من السماء أن تقوم بها، لأنها شأننا اليومي المشترك لصناعة مدينة معاصرة.
وكي نتمكن من تسيير شؤون المدينة المعاصرة تسييراً عقلانياً وسلساً، أي ذلك الفضاء العمومي الذي يلتقي فيه الجميع على اختلافهم الديني واللغوي والجنسي والهوياتي، فعلينا أن نحرر العقل من ظاهرة القياس على الماضي قياساً حرفياً، والإبقاء على هذا الماضي حاضراً فينا من خلال المرآة الارتدادية كمؤشر نعود له بين حين وآخر، كي نعرف من أين جئنا ونحن نتقدم إلى الأمام، وعلينا أن نحرص على ألا يتحول هذا الماضي بديلاً عن مستقبلنا أو حاضرنا، لأن زمننا ليس زمن أجدادنا، وزمننا نحن لن يكون أبداً زمن أحفادنا.
ومنطلقاً من ذلك فإن الأزمة التي تعيشها المدينة العربية والمغاربية المعاصرة ناتجة من كون المواطن في هذه البلدان بصورة عامة لم يحلّ بعد علاقته بالزمن التاريخي، فهو يريد أن يعيش زمنه، أي راهنه، ولكنه مرتبط بحنين في الوقت نفسه بزمن آخر بعيد، وقد أخفق في بناء جسر سالك أو طريق آمن ومؤمن ما بين الزمنيين، وهذا إشكال فلسفي وسياسية كبرى يعانيها المجتمع العربي والإسلامي برمته.