Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتدخل مصر عسكريا في السودان؟

حديث الخطوط الحمراء من القاهرة عزز التوقعات بتحرك مصري لردع "الدعم السريع"

ترتبط مصر والسودان باتفاق دفاع مشترك وُقع عام 1976 (أ ف ب)

ملخص

تلويح الرئاسة المصرية باتفاق الدفاع المشترك أثار التساؤلات من جديد، وسط انهيار الخطوط الدفاعية للجيش السوداني داخل إقليم كردفان وسيطرة "الدعم السريع" على عدد من المدن الاستراتيجية مثل بابنوسة وهجليج، وهو الوضع الميداني الذي يصفه المتخصصون بأنه "حرج للغاية".

للمرة الأولى، أعلنت مصر عن خطوط حمراء لا يمكن السماح بتجاوزها في السودان، باعتبارها تؤثر في الأمن القومي المصري، ملوحة بتفعيل اتفاق الدفاع المشترك بين البلدين، لضمان عدم تجاوز تلك الخطوط الحمراء، وهو ما جدد التساؤل في شأن إمكانية تدخل مصر عسكرياً في الجار الجنوبي، في ظل التراجع الميداني للجيش السوداني خلال الأسابيع الأخيرة مقابل تقدم قوات "الدعم السريع" للسيطرة على مدن استراتيجية ومحاولتها ترسيخ حكومة موازية غير معترف بها دولياً، وهو ما غذى مخاوف تقسيم البلاد.

وتزامناً مع زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى القاهرة، أصدرت رئاسة الجمهورية المصرية بياناً اعتُبر الأشد لهجة منذ بداية الحرب داخل السودان التي اندلعت خلال أبريل (نيسان) 2023، إذ أكدت أن الأمن القومي المصري يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي السوداني، وهناك خطوط حمراء لا يمكن التهاون في شأنها ومنها الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان، مؤكدة الرفض القاطع لإنشاء أية كيانات موازية أو الاعتراف بها، باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه، وشددت مصر على أن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بها خط أحمر.

الدفاع المشترك

وكان البند اللافت ضمن البيان هو تأكيد مصر "حقها الكامل في اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة كافة التي يكفلها القانون الدولي واتفاق الدفاع المشترك بين البلدين الشقيقين، لضمان عدم المساس بهذه الخطوط الحمراء أو تجاوزها".

ويرتبط البلدان باتفاق للدفاع المشترك وُقع خلال يوليو (تموز) 1976 بين الرئيسين أنور السادات وجعفر النميري، إضافة إلى اتفاق آخر للتعاون العسكري وقعه رئيسا أركان جيشي البلدين خلال مارس (آذار) 2021، يشمل مجالات التدريبات المشتركة والتأهيل وأمن الحدود ونقل وتبادل الخبرات العسكرية والأمنية.

وفي أعقاب سيطرة "الدعم السريع" على مدينة الفاشر خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ظهرت تساؤلات في وسائل الإعلام حول ما إذا كان على مصر التدخل عسكرياً لوقف تقدم القوات المناوئة للجيش السوداني، وبخاصة مع صدور تهديد مبطن من قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي) باستهداف أي مطار تخرج منه طائرة لاستهداف قواته، وهو ما فُسر على أنه موجه لمصر. ولم تخرج ردود رسمية على ذلك، واقتصر رد الفعل الرسمي بتأكيد رفض أية محاولة لتقسيم السودان.

إلا أن تلويح الرئاسة المصرية باتفاق الدفاع المشترك أثار التساؤلات من جديد، وسط انهيار الخطوط الدفاعية للجيش السوداني داخل إقليم كردفان وسيطرة "الدعم السريع" على عدد من المدن الاستراتيجية مثل بابنوسة وهجليج، وهو الوضع الميداني الذي يصفه المتخصص في شؤون الأمن القومي اللواء محمد عبدالواحد بأنه "حرج للغاية"، في ظل دعم من قوى إقليمية ودولية لقوات "الدعم السريع".

كل السيناريوهات مفتوحة

وقال عبدالواحد لـ"اندبندنت عربية" إن بيان الرئاسة المصرية كان غير مسبوق، مشيراً إلى أن تلويح القاهرة باتفاق الدفاع المشترك أكد التكهنات باحتمالية تحول الدعم المقدم للخرطوم إلى عسكري، إذ لن تقف مصر مكتوفة الأيدي أمام تهديدات من حدودها الجنوبية، بالتالي كل السيناريوهات مفتوحة في شأن دفاع مصر عن أمنها القومي.

وأوضح أن النقطة الفاصلة التي تستوجب تدخل مصر عسكرياً هي سيطرة "الدعم السريع" على أماكن استراتيجية أو الاقتراب من الحدود مع مصر، حينها لن تتورع مصر عن التحرك باتجاه قوات "الدعم السريع" و"من يدعمها"، مؤكداً أن من حق القاهرة الدفاع عن نفسها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

وتمتد الحدود الجنوبية لمصر مع السودان، اللذين كانا قبل عقود مملكة واحدة، على مسافة 1280 كيلومتراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسالة ردع

ويُرجع مساعد وزير الخارجية المصري السابق لشؤون السودان السفير حسام عيسى إصدار بيان مصري قوي خلال هذا التوقيت، إلى الانتهاكات المتكررة التي تقوم بها قوات "الدعم السريع" داخل عدد من المدن منذ اجتياحها الفاشر خلال أكتوبر الماضي، مما أدى إلى قتل عشرات الآلاف فضلاً عن الجرحى وحالات الاغتصاب المروعة، وهي جرائم وثقتها المنظمات الدولية، على رغم إعلانها رسمياً قبولها الدخول في هدنة لم تلتزمها منذ اليوم الأول.

وأضاف عيسى لـ"اندبندنت عربية" أن التلويح باتفاق الدفاع المشترك بين مصر والسودان يعد رسالة ردع مطلوبة بأن مصر تمتلك كل الأوراق على الطاولة لحفظ أمنها القومي، مشيراً خلال الوقت نفسه إلى أن الدولة المصرية قوية وحدودها مؤمنة بالكامل ولا يجرؤ أحد على تهديدها.

وأوضح أن مصر ما زالت تتمسك بالحل السياسي للأزمة السودانية وترحب بكل الجهود الدولية الرامية لذلك، لافتاً إلى أن أول بنود البيان الرئاسي المصري كان تأكيد الدعم الكامل لرؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في السودان، واختتم البيان بتجديد مصر حرصها الكامل على استمرار العمل في إطار الرباعية الدولية بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية، تقود إلى وقف لإطلاق النار.

وبينما لم تعلق قوات "الدعم السريع" على البيان المصري، اختتم البرهان زيارته القاهرة بتدوينة على منصة "إكس"، قائلاً "شكراً مصر... شكراً فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي".

طمأنة لبورتسودان

وتعد زيارة البرهان إلى القاهرة الزيارة الخارجية الثانية خلال ثلاثة أيام، بعدما التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض، تزامناً مع تحركات أميركية ضمن هذا الملف بقيادة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الذي زار السعودية وأجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية المصري منذ أيام.

وأشار الباحث في الشأن الأفريقي محمد عبدالكريم إلى وجود ضغوط دولية وإقليمية على البرهان للتوصل إلى صيغة لوقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن البيان الرئاسي المصري قد يُقرأ على أنه رسالة طمأنة للدولة السودانية على استمرار دعم القاهرة، ووصفه بأنه أكثر المواقف المصرية وضوحاً منذ بدء الحرب، إذ لم يكتف بالحديث التقليدي عن دعم وحدة واستقرار السودان، بل قدم رؤية مفصلة للثوابث المصرية، وهو ما قد يشجع الحكومة السودانية على التجاوب مع الجهود المصرية - السعودية بتيسير أميركي، مؤكداً أن هناك تفاهمات مصرية - سعودية مشتركة في تهدئة الأوضاع داخل السودان.

وحول دعم مصر للجيش السوداني، قال عبدالكريم لـ"اندبندنت عربية" إن الأعوام الأخيرة قبل الحرب شهدت تزايد الدعم العسكري المصري، مثل التدريب الجوي المشترك "نسور النيل -1" خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، والمناورات الضخمة "حماة النيل" خلال مايو (أيار) 2021 والتي تزامنت مع عمليات الجيش السوداني لضبط الحدود مع إثيوبيا داخل منطقة الفشقة، وحين اندلعت الحرب خلال أبريل 2023 كانت توجد قوات مصرية داخل السودان للمشاركة في تدريب مشترك.

سيناريو الصومال

ورجح أن تكرر مصر سيناريو دعمها العسكري للصومال من خلال إرسال أسلحة وقوة عسكرية للدعم والتدريب بناءً على طلب رسمي من الحكومة السودانية، وهذا الطلب سيمنع أي اعتراض من الدول الداعمة لقوات "الدعم السريع". وأشار إلى أن التدخل العسكري المصري واجب الحدوث منذ سيطرة قوات حميدتي على المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا خلال يونيو (حزيران) الماضي، ثم اجتياح الفاشر وغيرها من المدن الاستراتيجية، مشيراً إلى أن التحرك العسكري قد يكون قريباً بناءً على اللهجة القوية في البيان الرئاسي المصري.

وينص اتفاق الدفاع المشترك بين مصر والسودان الموقع خلال السبعينيات من القرن الماضي على أن الدولتين تعتبران "كل اعتداء مسلح يقع على أي منهما أو على قواتهما المسلحة اعتداء عليهما، ولذلك فإنهما عملاً بحق الدفاع الشرعي في ميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية تلتزمان بأن تبادر كل منهما إلى معونة الدولة الأخرى التي وقع عليها الاعتداء، وأن تتخذ الدولتان معاً وعلى الفور جميع التدابير، وتستخدم كل منهما ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوات المسلحة لردع العدوان ورده".

الاتفاق قائم

وعقب تشكيك إعلاميين ونشطاء سودانيين في صلاحية الاتفاق بدعوى إلغائه وعدم التصديق عليه من حكومات سودانية لاحقة، أكد رئيس الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية المصرية ضمن تصريحات تلفزيونية أن الاتفاق قائم، ويشمل مواجهة أية أخطار أو تهديدات تمس أمن البلدين، موضحاً أن مصر ترفض أي تهديد لوحدة السودان من أي طرف كان، بما في ذلك محاولات فرض حكومة موازية، وأكد التزام القاهرة بالحفاظ على سيادة السودان ووحدة أراضيه.

ومنذ بداية الحرب تتمسك مصر بالدعوة إلى وقف إطلاق النار والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية وعلى رأسها القوات المسلحة، في مقابل عداء مع قوات "الدعم السريع" بدأ باحتجازها قوات مصرية في قاعدة مروي السودانية العسكرية خلال الأيام الأولى للحرب، زعم حميدتي أنها كانت لدعم الجيش بينما قالت القاهرة إنهم مشاركون ضمن تدريب مشترك، وتوالت بعد ذلك اتهامات حميدتي لمصر بتقديم الدعم إلى الجيش السوداني، على رغم تأكيد القاهرة وقوفها على مسافة واحدة من الأطراف السودانية. وكان الانتقاد الأبرز من جانب حميدتي خلال أكتوبر 2024 حين اتهم الطيران المصري بضرب قواته، وردت الخارجية المصرية بالنفي ووصفت "الدعم السريع" بـ"الميليشيا" رسمياً للمرة الأولى، داعية المجتمع الدولي للتحقق من تلك التهم.

وتأرجحت مواقف حميدتي بعد ذلك بين دفع قواته للسيطرة على المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان، ثم إعلانه خلال يونيو الماضي أنه "راجع حساباته" ويسعى إلى حل خلافاته مع مصر عبر الحوار، لكنه عاد ليهدد بضرب أي مطار تنطلق منه طائرات تستهدف قواته، مما فُهم أنه تحذير لمصر وفق مراقبين.

ومصر أحد أعضاء الرباعية الدولية المعنية بالملف السوداني، التي تضم أيضاً السعودية والولايات المتحدة والإمارات. ودعت اللجنة خلال سبتمبر (أيلول) الماضي إلى هدنة تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير