Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضرورة تحصين الذائقة لمواجهة طغيان الآلة على الإبداع

"الفصاحة" صارت معروفة المصدر ومكشوفة الهوية... فهل على المبدع أن يقلق؟

الأدب والأنترنت (سوشيل ميديا)

ملخص

مع انفجار عالم "السوشيال ميديا"، وما أعقبه من زلازل الذكاء الاصطناعي، وبخاصة الذكاء التوليدي، صارت "الفصاحة" معروفة المصدر، مكشوفة الهوية، وأضحى "شات جي بي تي" الصديق الصدوق، وصاحب الحقوق الحصرية الذي سيّل المعرفة، وصنع خلطة خوارزمية تؤمَر فتطيع، وكل ذلك يتم في رمشة عين، وبحرفة، ومن دون "تحميل جمايل".

من كان يعلم من الشعراء السابقين أنّ زمناً قريباً سيأتي يكون فيه التعبير أسهل من رشفة ماء، وتكون الكتابة متاحة لمن يملك قلماً حتى لو لم يكن القلم مليئاً بالحبر، أو كان قلماً من حجر أو هباء.

المهم أن يعبّأ هذا "الهراء" في ورق، ويسكب بين دفتي "كتاب" يمنح صاحبه لقب كاتب. ولو أحصى المراقبون عدد من يحملون هذا اللقب في العالم العربي لأعياه الإحصاء.

المقللون من أخطار الذكاء الاصطناعي في حقل الإبداع، يبدون شكوكاً متزايدة بشأن قدرة الآلة على صناعة النصوص العظيمة، لأنّ الآلة لا تبتكر أمراً لم يسبق حدوثه، بل هي تعيد إنتاج ما كُتب. أي أنّ الآلة لا تبدع، بمقدار ما تصهر ما سبق إشهاره، وهو ممتد على عصور مختلفة، ثم تسكبه في خليط نصي يثير الدهشة، لسبكه وحسن لغته وترابطه المنطقي الظاهري.

السؤال الملحّ

بيْد أنّ السؤال الملحّ ها هنا: هل يبحث القراء جلّهم عن العبقرية الخارقة في ما يودون قراءته؟ وهل ارتقت ذائقتهم إلى مستوى أنهم لن يتنازلوا عما تحقق على يد امرئ القيس والمتنبي والجاحظ وجبران خليل جبران ونجيب محفوظ ومحمود درويش وتولستوي دوستوفسكي، وماركيز، وسائر القافلة الممتدة من الفلاسفة والمبدعين الذي صاغوا هوية الذائقة، ورفدوها بآلاف الينابيع التي أمدت نهر الكتابة منذ السومرية التي استخدمت الكتابة المسمارية على ألواح طينية، حتى الآن؟

الكتابات العظيمة في أغلبها مرهقة للروح والعقل، لأنها محرضة وكاشفة واستبطانية وخالقة لمعانٍ هي بنت الخيال الجامح والذهن المتقد والعاطفة البركانية (اشتعالاً وانطفاءً). وهذه الكتابات لا يأبه بها القطاع العريض من القراء الذين يسكنون إلى ما هو سهل ومباشر ومتداول من المشاعر التي نمّطها التلفزيون والسينما، ومنصات العرض الرقمية، وصارت بفعل طوفان هذه الأعمال تبتكر ذائقة خاصة تشبه المسطرة المعدنية الباردة التي تقاس بها الأحجام من طول وعرض وارتفاع، لكنها لا تكشف الأعماق.

 

في غمرة "تسونامي" التحولات التي عصفت بالعالم في العقود القليلة الماضية، سادت طبقة من "الكتاب" يمكن وصفهم بأنهم ثمرة التلقيح الاصطناعي، وحازوا بسرعة على حضور إعلامي/ إعلاني، مدفوعين بسطوة المنصات وانتشارها الفائق السرعة، ثم أيضاً (وهذا هو الأهم) تدني الذائقة العامة وتفككها، ورغبتها في مجاراة عصر السرعة في كل شيء، من الكتابة، إلى العلاقات العاطفية والاجتماعية، إلى أنماط الطعام والشراب، إلى شكل الحياة التي خلقت، للمرة الأولى، الإنسان المعولم الذي يشبه سواه في أي مكان، شكلاً وهيئة وتفكيراً وأحلاماً.

مشروعية القلق

هل يتعين، إذاً، على المبدع أن يقلق؟ ربما نعم، لأنّ من كان يتسيد المنصة، ما قبل العهد الرقمي، كان يمتلك سلطة الكلام، وتفجير الخيال، بمقدرات ذاتية. كان الكلام هو الابن الشرعي لقائله أو كاتبه، وكان معيار الجودة واضحاً، وكان المعيار عابراً للثقافات، فلم يصدف أن تم الاختلاف، بصورة متطرفة، بشأن نبوغ كاتب أو انحطاط منتجه. كان ذلك الزمن غير البعيد محتفظاً بالحد الأعلى من الذائقة الرفيعة المحلقة القائمة على الاختلاف والعمق والمغايرة والحفر في أزمنة لم تكن قد ولدت بعد، فكانت الكتابة قابلَتها، وكان الخلاف، إن وجد، على المعنى، لا على جودة التعبير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الضفة الأخرى من المشهد، ليس على المبدع أن يفرط في القلق، لأنّ الكتابة المصنّعة من خلال الآلات ستبقى رغم زخرفها الشكلي ونصاعتها اللفظية، خالية من الرؤية، ومن طاقة الحدس، ومن كسر الحواجز، ومن حرارة التجربة الإنسانية والمعاناة والخوف والألم، ومن خصوصية الصوت وفرادته. الآلات تعيد إنتاج أصوات الآخرين الماضية، وتجتهد في صهرها بشدة وكثافة حتى يكاد لا يبين الخيط الأبيض من الأسود، إنها تعمل كخلاط عملاق وذكي، لكنه يبقى خلاطاً يتغذى على ما يُلقم في جوفه.

المعركة غير متكافئة بين الآلة والإنسان، مع أنّ الأولى من صنع الثاني، لكنّ المتفائلين يعتقدون أنّ الحسم مرهون بتطوير الذائقة كي تقوم بمقاومة تزييف الزمن، وذلك بالمضي في كتابة النصوص التي تثير القلق، ولا تسعى إلى الرضى والتصفيق، وتتمكن من السير عكس التيار وإغضاب المتلقي عبر تدريب ذائقته على "النفور الواعي"، لأنّ ما ترفضه الذائقة بوعي، يمكث أكثر مما تقبله بحب، وهذه من حيل الإبداع الإنساني الخلاق.

المناعة الأدبية

وفي الطريق الطويل نحو خلق "المناعة الأدبية" التي تحمي الابتكار من الصدأ، وتمكن المتلقين من تمييز الغث من السمين، فإنّ نهر الإبداع سيبقى جارياً بثقة، ولن تكدره الآلات مهما عظم ذكاؤها.

الآلات لا تعرف القلق، ولا تدرك تفاصيل ما كان يعتمل في قلب نيتشه وعقله، ولا يمكنها أن تخطّ سطراً يضاهي مهابة "هكذا تكلم زرادشت"، أو "عوليس" لجيمس جويس، أو "البحث عن الزمن المفقود"، لمارسيل بروست، أو "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي. وكلما عدنا بالزمن أبعد أصبح حال الآلة أكثر حرجاً، لأنّ الكثير من المعرفة لا يزال غافياً بين بطون الكتب والمخطوطات، ولم يجرِ نقله إلى منصات تغذي محركات البحث.

ولكن، هل يمكن "تصنيع" الذائقة؟

على المدى البعيد، يمكن إنتاج ذائقة تتماشى مع منتجات الآلات من نصوص وكتابات بالمنصات المتعددة. قد تنجح المهمة بفعل "ميكانيزمات" الضخ الإعلامي التي يعتمد على خوارزميات فائقة الذكاء تتبع تفضيلات الأفراد، وتقرأ نقراتهم ولمساتهم على الشاشات، وتستخدم هذه "الداتا" من أجل صياغة مجموعة من الأفكار التي تدخل في إطار "اقتصاد الفضول".

لكنّ خلق ذائقة أصيلة تتمتع بالقدرة على تطوير الصدق المقلق، عوضاً عن الجمال السهل المريح، هو أكثر ما يتعين أن تتوجه إليه روح الخلق الإنسانية الجبارة.

الآلة صنعت البيانو، لكنها لا تقوى على إنتاج "السيمفونية التاسعة" التي أبدعها بيتهوفن في المرحلة الأخيرة من عمره، بعد أن نال منه الصمم وأعياه عن السمع. هل تفهم الآلة ماذا يعني ذلك؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة