ملخص
كشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة "الأحفاد" السودانية للبنات بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني محلية، عن واقع مأسوي لبائعات الشاي والعاملات المنزليات في مدينتي أم درمان والقضارف
داخل الأزقة، وفي الأسواق الشعبية، ومنازل الأسر المقتدرة اقتصادياً، وتحت حرارة الشمس أو برد الشتاء القارس، تصارع النساء السودانيات اللاتي نزحن من مناطق الصراع المسلح يومياً لأجل تلبية حاجات الأطفال وكبار السن وتوفير الغذاء والدواء، خصوصاً بعدما باتت عشرات النساء بلا معيل وتعقدت حياتهن كثيراً، واضطررن إلى العمل لمواجهة ظروف الحرب القاسية.
على رغم الاستغلال والتحرش الجنسي وغياب الحماية، تمكنت كثيرات من النسوة الأرامل، خصوصاً النازحات من دارفور وكردفان، من مقاومة مآلات الصراع المسلح والتغلب على ظروفهن برسم واقع مغاير من خلال العمل في الأعمال المنزلية وبيع الشاي والقهوة، فضلاً عن ممارسة أنشطة تدر عائداً مناسباً يساعدهن في تسيير معيشتهن اليومية.
استغلال وصعوبات
كوثر بشير التي نزحت من منطقة الفولة بغرب كردفان، قالت "أصبح أطفالي بلا معيل يعينهم على توفير أدنى حاجاتهم اليومية بعد وفاة زوجي في قصف بطائرة مسيرة، لذا وجدت نفسي أمام تحديات صعبة، وقررت العمل في أي مهنة تدر عائداً يسهم في تسيير المعيشة اليومية"، وأضافت "من خلال رحلة البحث المستمرة حصلت على فرصة عمل في منزل أسرة مقتدرة اقتصادياً بمدينة أم درمان بمقابل مالي جيد، لكنني أعاني الاستغلال وزيادة ساعات العمل من دون وجود حماية في ظل ظروف الحرب الحالية"، وأوضحت بشير أن "عدداً كبيراً من النساء العاملات في منازل أحياء أم درمان يعانين الأمرين بسبب الاستغلال والعمل ساعات طويلة مقابل رواتب لا تفي حتى بالحد الأدنى من متطلبات المعيشة الأساسية، مما أدخلهن في دوامة من الديون والهموم"، وتابعت "تفاقم الوضع المعيشي في ولاية الخرطوم إلى حد لا يطاق، وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية إلى أكثر من خمسة أضعاف عقب انهيار الجنيه السوداني في مقابل الدولار".
تحرش ومضايقات
أما عائشة هارون التي نزحت من شمال دارفور، فهي تعيل أسرة من أربعة أبناء وبنات، وظلت منذ نحو عام ونصف العام تنفق عليهم من عملها كبائعة شاي في مدينة القضارف شرق السودان بعد وفاة زوجها منذ اندلاع الحرب، وباتت تصارع ظروفاً قاسية، وتعمل بكد لإعالة أسرتها.
وقالت هارون، "لم أنل حظاً من التعليم نظراً إلى طبيعة المجتمع الريفي في إقليم دارفور، لكنني حالياً أكثر إصراراً على توفير كل ما يعين أبنائي في الدراسة، والآن ما يأتيني من دخل يكفي لتأمين المعيشة ومصاريف الدراسة"، وأضافت "أكثر ما يؤلمنا هو التحرش الجنسي والمضايقات التي نتعرض لها في الأسواق خصوصاً من سائقي الشاحنات وبعض جنود المجموعات المسلحة خلال ساعات الليل، إضافة إلى غياب الحماية وعدم التمكن من فتح بلاغات في أقسام الشرطة نظراً إلى فقدان الأوراق الثبوتية والوثائق"، وأردفت النازحة السودانية "نواجه، هذه الأيام، مشكلة تراجع الدخل بسبب قلة الزبائن نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، علاوة على ارتفاع تعرفة المواصلات".
أوضاع مأسوية
وكشفت دراسة حديثة أجرتها جامعة "الأحفاد" السودانية للبنات بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني محلية، عن واقع مأسوي لبائعات الشاي والعاملات المنزليات في مدينتي أم درمان والقضارف. وأفادت نتائج الدراسة بأن "الحرب حولت نحو 57 في المئة من النساء اللاتي شملتهن الدراسة إلى معيلات لأسرهن، إذ تقع على عاتق 83 في المئة منهن مسؤولية إعالة أربعة أشخاص أو أكثر"، وبينت الدراسة أن 75 في المئة من بائعات الشاي في مدينة أم درمان هن نازحات من مناطق النزاع بخاصة ولاية جنوب كردفان. وأشارت إلى أنه "على رغم أن 66 في المئة منهن يشعرن بأمان نسبي في مواقعهن المباشرة، فإن 33 في المئة عبرن عن قلق عميق جراء انتشار الأسلحة وتدهور المعايير الأخلاقية الناجم عن تداعيات الحرب".
ووثقت الدراسة التي اعتمدت على منهج بحثي مختلط، كيف تحولت الحرب إلى محرك رئيس لدفع النساء نحو مهن تفتقر لأدنى مقومات الأمان، إذ تواجه بائعات الشاي تحرشاً لفظياً وتنمراً مستمراً في الأماكن العامة من قبل الزبائن بنسبة 55 في المئة، وكذلك تواجه العاملات المنزليات تهديداً أكبر بالعنف الجسدي والجنسي داخل البيوت.
حقوق ضائعة
في السياق أوضح المحامي والمستشار القانوني محمد بخيت أن "بائعات الشاي والقهوة والعاملات في المنازل يفتقرن إلى الحماية بسبب تداعيات الصراع المسلح، إضافة لتعرضهن للتحرش والاستغلال من الأسر، لا سيما في عمليات الاتفاق المالي، إذ تسود العقود الشفهية بنسبة 95 في المئة نتيجة فقدانهن الوثائق والأوراق الثبوتية، مما يترك العاملات عرضة لإنكار الحقوق والأجور"، ونوه بخيت إلى أن "هناك أزمة ثقة من قبل النازحات في أجهزة إنفاذ القانون الرسمية وآليات الإبلاغ عن الحوادث نظراً إلى التصنيف الجهوي أو القبلي في بعض الأحيان، مما يدفع نساء كثراً للصمت خوفاً من الوصمة أو الملاحقة"، ولفت المحامي والمستشار القانوني إلى أن "النازحات من كردفان ودارفور يعملن في المنازل ما بين 12 و14 ساعة يومياً من دون عقود موثقة تضمن حقوقهن بسبب عدم معرفتهن بقوانين العمل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حماية قانونية
على الصعيد نفسه، عدت الناشطة في العمل النسوي وحقوق المرأة جواهر مسعود أن "حماية النساء النازحات من مناطق النزاع المسلح باتت قضية جوهرية يجب الالتفاف حولها من مختلف المنظمات التي تدافع عنهن وترصد أوضاعهن، فهن في أمس الحاجة إلى تحريكها وعدم السكوت عنها في ظل الوضع الراهن، الذي تغيب خلاله الجهات التي تعمل في هذا المجال"، وأوضحت مسعود أن "المرأة العاملة في الأسواق لا تجد حماية قانونية فعلية، فهي خارج أطر العمل الرسمي، ولا يطبق عليها قانون العمل أو الحماية الاجتماعية، مما يجعلها عرضة للاستغلال والانتهاك"، وشددت الناشطة في العمل النسوي وحقوق المرأة على "ضرورة التزام الدولة بحماية النساء النازحات من كل صور العنف والتمييز، والعمل على إدماج منظور النوع الاجتماعي في السياسات الوطنية".
رمز للكفاح
على نحو متصل، أشارت الباحثة الاجتماعية محاسن إدريس إلى أن "النساء النازحات سيدات مكافحات يعملن بجهد ومشقة لإعانة أسرهن في ظل ظروف الحرب القاسية، ولم يقتصر العمل في المنازل وبيع الشاي والقهوة على الأرامل بل اقتحمت الفتيات أيضاً هذا المجال، على رغم أن الخطوة تلاقي استنكاراً من قبل المجتمع السوداني المحافظ الذي ينظر إلى الفتاة التي تعمل في البيوت أو تجلس في الشارع نظرة دونية". وتابعت إدريس "النساء النازحات من مناطق النزاع المسلح يمثلن رمز كفاح لا هوادة فيه ومغالبة لكل الظروف غير المواتية من أجل الكرامة والعيش اللائق، ومن ثم يجب دعمهن ومنحهن الحقوق المالية وتقديم الدعم القانوني والحماية بخاصة أن العشرات منهن فقدن أزواجهن خلال فترة الحرب"، وزادت الباحثة الاجتماعية "بصورة عامة هن نساء فقيرات وقادمات من طبقات مسحوقة، يؤدين عملاً يعود بالنفع لأسرهن، ويسعين للكسب الحلال، لذا ينبغي أن تقوم السلطات بتوفير الحماية لهن، وكذلك استخراج وثائق الهوية التي تمكنهن من الوصول إلى الخدمات المالية، فضلاً عن ضرورة إعطاء الأولوية لتمويل المنظمات النسائية المحلية".