Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اللعب يبدل جلد الطفل ويتنكر في صورة معالج

جيل يلهو ليهدئ قلقه وآخر يخاف مما تخبئ له الخوارزميات

 الألعاب الحسية والمشاركة في اللعب تجعل التركيز والسلوك أفضل (بيكسلز)

 

ملخص

أطفال جيلي "Z" و"ألفا" لا يلعبون "بيت بيوت"، بل لديهم عوالم كاملة على "روبلوكس" و"فورتنايت"، والسؤال ماذا يلعبون وكيف تعيد هذه الألعاب تشكيل قلقهم وهويتهم وصورتهم عن أنفسهم؟ وبين لعبة معتمدة كعلاج لاضطراب الانتباه وألعاب تسرع ضربات قلب الطفل، يصبح واجب الأهل أن يفرقوا بين اللعب كدواء واللعب كإدمان، وألا يتركوا الشاشة تربي أبناءهم بالنيابة عنهم.

لنتخيل معاً طفلاً بعمر خمس سنوات يلعب بسكين بلاستيكي ودمى وسيارات صغيرة في غرفة هادئة، سيبدو المشهد من بعيد عادياً جداً، أما من قرب فسنجد هذا الطفل يعيد بناء عالمه الداخلي قطعة قطعة، فيقتل خوفاً هنا وينقذ شخصاً هناك، قد تكون أمه، ويهرب من أب غاضب في لعبة مطاردة.، وستراه المدرسة طفلاً صعباً ربما وسيعتقد أهله أنه غير طبيعي كالأطفال الآخرين، ولكن عالمة النفس الأميركية فيرجينيا أكسلين التي خالفت المفهوم التقليدي للعلاج القائم على الحوار ستجد فيه حالاً عبقرية تؤكد أن اللعب قد يكون أداة علاج نفسي لا تقل جدية عن الكلام في عيادة نفسية للكبار.

هذا الطفل الذي نتحدث عنه عرفه العالم لاحقاً باسم ديبس، بطل كتاب شهير في تاريخ العلاج باللعب كتبته أكسلين بعنوان "Dibs in Search of Self"، بعد معالجتها لديبس الذي كان يظن الجميع أنه متخلف عقلياً، ليظهر مع اللعب الحر أنه ذكي وحساس لكنه مختنق عاطفياً، فهل ألعاب الأطفال مجرد تسلية؟ أم هي عبارة عن لغة عاطفية وعصبية كاملة يمكن تحويلها إلى أداة علاجية؟

وإذا كان الجيل الذي لعب بالتراب و"بيت بيوت" والمعلمة والتلاميذ وسواها قد استفاد من اللعب بهذا الشكل، فماذا عن أطفال جيلي "Z" و"ألفا" الذين يلعبون على "روبلوكس" و"فورتنايت" و"تيك توك غيمينغ"؟.

اللعب لغة الطفل

يتعامل علم النفس الحديث مع اللعب على أنه لغة الطفل وليس مجرد وسيلة لتمضية الوقت، وفي مراجعة حديثة نشرت عام 2023 بعنوان An Overview Of Play Therapy عن العلاج باللعب، تظهر أن الجلسة العلاجية لا تقوم على الوعظ والإرشاد وإنما على توفير غرفة آمنة وألعاب مختارة تحتوي دمى ورملاً وبيوتاً وعساكر وأدوات رسم، ثم يترك فيها الطفل ليبني قصته ويفكك مخاوفه ورغباته من خلال اللعب، بينما يقوم المعالج بالملاحظة والاحتواء من دون أي إملاء.

وقد وضعت أكسلين التي طورت ما عُرف لاحقاً بالعلاج غير الموجه أو المتمركز حول الطفل مبادئ بسيطة لكنها تعد ثورية، تتلخص في قبول غير مشروط واحترام لحرية الطفل في اللعب وعدم استعجال التفسير، فالطفل لا تسحب منه لعبته لنعرف سبب غضبه وإنما يُترك هو يعبر عن غضبه من خلال تحطيم أو إنقاذ أو إخفاء شخصيات في اللعبة، وعلى المعالج أن يقرأ هذه اللغة كما يقرأ محلل نصاً أدبياً، فديبس مثلاً تعد قصته نموذجاً صادماً، فهو طفل من عائلة ثرية ومتعلمة صُنف بـ "غير قابل للتعليم"، وبأنه منطوٍ وعنيف أحياناً ويرفض التفاعل، ولكن بعد سلسلة من جلسات اللعب بدأ صبي آخر يخرج من بين الأنقاض، صبي ذكي وحساس وقادر على بناء عوالم معقدة في اللعب، وعلى إعادة ترتيب علاقته بأهله ونفسه، وهو ما يؤكد أن اللعب ليس كماليات طفولة بل طريقة الدماغ لتنظيم نفسه وتفريغ توتره وتجريب السيناريوهات قبل الدخول في الواقع الحقيقي.

من الحارة إلى "السيرفر"

كثيراً ما لعب جيل آبائنا وأجدادنا في الشارع والحارة والرمل والغميضة وألعاب جماعية جسدية بصورة عملية ومباشرة من دون آلات ولا تخيلات، وجاء الجيل بعده ليمسك مجد اللعب الحر في الشارع والألعاب الجماعية في يد، ويكتشف باليد الأخرى الكومبيوتر بألعابه المدهشة والـ "بلاي ستايشن" البدائي، أما جيل "Z" (مواليد 1997 - 2012) فهو أول جيل نشأ والإنترنت في جيبه، من ألعاب "أونلاين" و"موبايل غيمز"، ومنصات مثل "فورتنايت" و"ماين كرافت" و"روبلوكس"، وألعاب تنافسية أخرى، وكان له فرصة بسيطة في اللعب الجماعي، ليأتي جيل "ألفا" بعده وكأنه مولود بتنزيل Download ولم يعرف عالماً بلا شاشة لمس ولا "يوتيوب" أو "تيك توك"، فأصبح اللعب الذي كان يحدث في الحارات والشوارع يحدث في "السيرفر"، وما كان يحتاج حذاء رياضياً ومساحة أصبح يحتاج "واي فاي" وبطارية مشحونة.

وتشير إحصاءات حديثة نشرت هذا الشهر في دراسة بعنوان Gen Alpha and Gen Z Gamers: How They Engage with Games  إلى أن 88 في المئة من أفراد جيل "Z" يلعبون ألعاب فيديو، وأن 90 في المئة منهم يصنفون كشغوفين بالألعاب، أما جيل "ألفا" فالصورة أكثر حدة حيث 92 في المئة يلعبون، و70 في المئة منهم لا يكتفون باللعب بل يشاهدون محتوى عن الألعاب أيضاً.

كما ذكر تقرير تربوي عام 2025 بعنوان Dangers of Excessive Screen Time for Generation Alpha  أن أطفال جيل "ألفا" يمكن أن يقضوا حتى تسع ساعات يومياً أمام الشاشات، مع قفزة كبيرة في زمن الشاشة منذ وباء كورونا، مما جعل الأهل والباحثين يدقون جرس الإنذار بسبب التأثير في الانتباه وزيادة التعرض لمحتوى عنيف أو جنسي، إضافة إلى قلق حول الصحة النفسية والتنمر الإلكتروني.

ماذا يلعب جيلا "Z" و"ألفا" فعلياً؟

يمكن القول إن جيلي "Z" و"ألفا" لا يلعبان ألعاب أطفال بالمعنى الكلاسيكي، فهما يتحركان بين عوالم كاملة بعضها يعتمد على البناء والتخيل مثل "ماين كرافت" و"روبلوكس"، إذ يبني الطفل مدناً ويكتب قواعده الخاصة ويجرب الهدم وإعادة البناء بلا عواقب حقيقية، وبعضها تنافسية عالية الإثارة مثل "فورتنايت" و"ببجي"، وألعاب إطلاق النار الجماعية، إضافة إلى الـ "سوشيال غيمز" مثل الألعاب الخفيفة على الهواتف والألعاب الجماعية عبر "تيليغرام" و"سناب شات" وغيرها، لنجد مستوى أو بعداً آخر لمفهوم اللعب يكون بالمشاركة أحياناً وبالتفرج أحياناً أخرى، مع نسبة كبيرة في مشاهدة محتوى يخص الألعاب ساعات طويلة، وكأن ثقافة اللعب خلعت عن ذاتها هويتها المعتادة وامتدت من صندوق خشبي للألعاب في زاوية الغرفة إلى بيئة كاملة تحاصر الطفل من كل الاتجاهات.

اللعبة وصفة طبية

لم يقف العلم متفرجاً أمام هذا الانفجار في عالم اللعب الرقمي، فلدينا اليوم مسار كامل اسمه serious games أو الألعاب الجادة، وهي مصممة للتدريب أو العلاج أو تطوير مهارات محددة إضافة إلى التسلية، ويمكن لبعض هذه الألعاب أن تحسن مهارات اجتماعية وذاكرة لفظية وأن تخفف القلق عند الأطفال والمراهقين إذا صممت وفق أسس علاجية واضحة وخضعت لاختبارات علمية بحسب مراجعة نفسية بعنوان Effectiveness of applied and casual games for young people's mental health  نشرت عام 2024.

وقد وافقت "إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) "للمرة الأولى عام 2020 على لعبة فيديو كعلاج طبي للأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) واللعبة اسمها EndeavorRx، تهدف إلى تحسين الانتباه عند الأطفال بين عمر ثمان سنوات و12 سنة، بناء على أبحاث عصبية امتدت لأعوام وتجارب سريرية شملت مئات الأطفال.

هذه اللعبة لا تُباع كلعبة تجارية عادية وإنما تحتاج إلى وصفة طبيب، وتعتبر جزءاً من برنامج علاجي متكامل وليست بديلاً عن الدواء أو العلاج النفسي، وتذكر تقارير طبية تحسناً ملموساً في مؤشرات الانتباه لدى نسبة معتبرة من الأطفال الذين استخدموها وفق البروتوكول العلاجي، لنجد أن الجهاز نفسه الذي يستخدمه الطفل لسهرات "فورتنايت" يمكنه أن يحمل لعبة موصوفة من طبيب لتحسين الانتباه، وهذا وحده كفيل بأن يربك كل التصورات القديمة عن اللعب.

العبء على الدماغ

لكن الأبحاث نفسها التي تغري الأطباء والأهل بفكرة اللعب العلاجي تحذر من الإفراط في اللعب، خصوصاً "أونلاين"، إذ تشير إلى أن الاستخدام المفرط لدى المراهقين يرتبط بزيادة في مشكلات صحية نفسية مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم وانخفاض الرفاه العام، خصوصاً عندما يتحول اللعب إلى إدمان أو يعوض عن العلاقات الواقعية.

وفي مراجعات أخرى دلائل على أن بعض أنواع الألعاب تقوي المرونة المعرفية وسرعة المعالجة، والتنسيق بين العين واليد والعمل الجماعي، ولكن بشرط السيطرة على الوقت وطبيعة المحتوى، فلا يترك الطفل في فضاء مفتوح ست أو ثمان ساعات يومياً.

مرآة اجتماعية وعصبية

ومما لا شك فيه أن بعض الألعاب يمكن تفسير تأثيرها بحسب محتواها والحاجات النفسية والاجتماعية للعبها، ففي ألعاب البناء المفتوحة تظهر حاجة إلى السيطرة على عالم يشعر فيه الطفل أن كل شيء خارج السيطرة، وفي ألعاب البقاء والتنافس يمكنه تفريغ العدوانية والبحث عن هوية قوية في عالم مرتبك، أما في ألعاب "الأفاتار" والهوية الافتراضية فيمتلك مساحة لتجريب "من أكون؟" بعيداً من عيون الأهل والمدرسة، وتعد الألعاب الجماعية الـ "أونلاين" تعويضاً عن الفقر في المساحات الآمنة في الواقع في كثير من الأحيان، وهنا تصبح الألعاب بالنسبة إلى المعالج النفسي ما يشبه شاشة داخل الطفل، فيكفي أن يسأل الطفل أية لعبة تفضل؟ ما الذي تحبه فيها؟ هل تحب أن تكون الشخص الذي يهاجم أم الذي يخطط؟ ليحصل على إجابات تحمل معلومات عن مزاج الطفل ودوافعه ومصادر قلقه، وحتى طريقة تعامله مع السلطة والحدود، فاللعب لم يعد فقط ما نشتريه من محل ألعاب، وأصبح ما يفعله دماغ الطفل حين يبحث عن معنى وسلطة وتوازن، وحتى مكان آمن يجرب فيه نفسه والعالم، ولا يمكن تجاهل اللعب فهو أقوى نافذة على نفس الطفل، وإذا فهمنا اللعب جيداً فيمكن أن نحوله من مضيعة وقت في نظر الكبار إلى أداة تشخيص وتعبير وعلاج، وربما إلى أول مكان حقيقي يشعر فيه الطفل أن صوته مسموع حتى من دون أن يتفوه بكلمة واحدة.

وفي السياق أوضحت المتخصصة في العلاج باللعب مها غزالي والتي يقوم جوهر عملها على مرافقة الأطفال في تجاوز صعوباتهم السلوكية والعاطفية عبر أدوات اللعب العلاجية باعتبارها لغة الطفل الطبيعية ومساحته الآمنة للتعبير، أنها تعمل بالتوازي مع الأهالي فتساعدهم في فهم كيفية عمل الجهاز العصبي لدى الطفل وكيفية تنظيم مشاعره، وتطوير العلاقة بينه وبين اللعب كوسيط تربوي وعاطفي.

اللعب بين الأجيال

وأشارت الزعتري إلى أن التحول الحاصل في مفهوم اللعب بين الأجيال ليس ناتجاً من تغير الأطفال بحد ذاتهم وإنما عن تغير البيئة المحيطة بهم، "فالأجيال السابقة كانت تلعب في الشوارع والطبيعة والمساحات المفتوحة، إذ كان اللعب جسدياً واجتماعياً وغنياً بالتجارب الحسية، أما اليوم فتقلصت هذه المساحات إلى حد كبير، كما تغير نمط الحياة مما جعل اللعب المعاصر أكثر تحفيزاً بصرياً وأقل حركة، وهو ما لا يصب في مصلحة الطفل جسدياً أو ذهنياً"، لافتة أيضاً إلى أن خوف الأهالي واعتقادهم بأن بقاء الطفل في المنزل أكثر أماناً، إضافة إلى غياب المساحات العامة المهيأة، دفعت إلى لجوء أكبر نحو اللعب الإلكتروني مما أعاد تشكيل مفهوم اللعب جذرياً.

وشرحت المتخصصة في العلاج باللعب أن معظم ما يلجأ إليه الأطفال اليوم هو الألعاب الإلكترونية التي توفر لهم عالماً مفتوحاً سريع الإيقاع "إذ يجدون فيها مساحة للتواصل الاجتماعي الافتراضي، غير أن محتوى هذه الألعاب ليس دوماً آمناً أو مراقباً، وغالباً ما يتيح التواصل مع غرباء والانتقال بين عوالم بلا ضوابط"، وقالت إن الجيل الحالي يتعرض لما تصفه بعض الأدبيات بـ "الجيل القَلق"، إذ أصبح الأهل يبالغون في حماية أطفالهم من العالم الواقعي، لكنهم في المقابل يتركونهم بلا حماية داخل العالم الإلكتروني الذي قد يكون أكثر خطورة نظراً إلى اتساعه وغياب الرقابة على محتواه.

ألعاب الموضة

وتوقف الزعتري عند نوع من الألعاب المنتشرة حالياً مثل لعبة "لابوبو" وسواها تلك التي لا تحمل قيمة لعبية فعلية، إنما تعمل بوصفها منتجاً تصميمياً أو موضة يتشاركها الأطفال والكبار على السواء، وهي ألعاب تمنح الطفل شعوراً بالانتماء لأن رفاقه يملكون اللعبة نفسها، لكنها لا تعوض بأي شكل عن اللعب الحقيقي القائم على الخيال والتجربة الحسية، ولا تعكس قيمة تطورية أو تربوية، مضيفة أن الألعاب الإلكترونية أصبحت عند المراهقين وسيلة جديدة لاختبار ذواتهم، إذ يجربون من خلالها أدواراً وشخصيات وآليات قوة أو تحكم، ويعالجون ضغوطهم اليومية من خلف الشاشة، إذ يوفر لهم العالم الافتراضي مسافة آمنة تمكنهم من خوض تجارب اجتماعية من دون الاصطدام المباشر بقلق الواقع، ولذلك باتت الألعاب شكلاً من أشكال التعبير عن الهوية في هذه المرحلة العمرية، مشددة على ضرورة إبعاد الأطفال من الشاشات خلال الاعوام الأولى، قائلة إن الدراسات تشير إلى أن الألعاب الإلكترونية ترفع مستويات "الدوبامين" (ناقل عصبي) بسرعة كبيرة مما يجعل الطفل يعتاد على وتيرة مثيرة وسريعة، فيفقد القدرة على احتمال المهمات البطيئة أو الانتقال السلس من نشاط إلى آخر، "أما اللعب الواقعي فإيقاعه الطبيعي والحسي يسمح للطفل بالتحكم ببطئه وسرعته، ويعزز الانتباه والذاكرة والمرونة المعرفية، كما يتيح اختبار الإحباط والمحاولة مجدداً، وهي عناصر أساس لنمو صحي ومتوازن".

التوازن بين الواقعي والرقمي

وأكدت أيضاً أن الألعاب الإلكترونية، على رغم ما يمكن أن تمنحه من متعة وفوائد معينة، تحتاج دائماً إلى أن تستخدم بحذر وضمن حدود واضحة، "فالتجربة الرقمية قد تكون ممتعة لكنها ليست بديلاً عن اللعب الواقعي، ولذلك يجب خلق توازن واع بين العالمين، هذا التوازن ليس رفاهية إنما ضرورة تربوية، إذ إن الإفراط في اللعب الإلكتروني قد يخل بالتنظيم العاطفي والسلوكي لدى الطفل إذا لم يُراع نوع المحتوى الذي يتعرض له".

فوائد وسلبيات

وأشارت الزعتري إلى أن الألعاب الرقمية تحمل جوانب إيجابية بالفعل، "إذ تتيح للأطفال بناء صداقات افتراضية وتطوير مهارات التعاون وحل المشكلات ضمن بيئة تشاركية، لكن هذه الإيجابيات لا تلغي سلبيات واضحة أبرزها إيقاع اللعب السريع الذي يؤثر في النوم والتركيز، إضافة إلى طبيعة المحتوى نفسه وما إذا كان مناسباً وآمناً، وهنا يعود معيار الجرعة ومدى التعرض، فكل شيء يتحدد بحسب كمية الوقت ونوعية اللعبة ومن يشارك الطفل اللعب، ولذلك يصبح دور الوالدين جوهرياً في أن يكون تفاعل الطفل مع التكنولوجيا مقصوداً وليس عشوائياً، بخاصة في مجتمع أصبح يغرق أكثر فأكثر في الرقمنة".

ورأت الزعتري أن بعض المدارس ودور الحضانة حول العالم بدأت تعتمد مناهج قائمة على اللعب الواقعي إدراكاً لقيمته التطورية، مثل منهج Waldorf وReggio Emilia وغيرهما من المقاربات التي تتمحور حول الطفل وتسمح له بقيادة لعبه بنفسه، شارحت أن مقاربات مثل Montessori وWaldorf وReggio Play وغيرها من نماذج play-based interventions تعيد الاعتبار للإيقاع الطبيعي للطفل، "فهذه المناهج تسمح له بالقيادة واتباع اهتماماته وحل مشكلاته بنفسه بالتعاون مع أقرانه، وعلى رغم أن الأبحاث تُجمع على أهمية هذا النوع من اللعب لكن اعتماده بات يحتاج إلى نية تربوية واضحة لأن العصر الحالي يدفع نحو السرعة والتشتت، مما يجعل كثيرين يتبعون الترند بدل أن يتبعوا ما يخدم حاجات الطفل الحقيقية".

اللعب والعدوانية

وأوضحت الزعتري أن تقليد الطفل الأدوار العنيفة في اللعب لا يعني بالضرورة أنه سيصبح عدوانياً في الواقع، "فالطفل بطبيعته يختبر السلطة ويحاول فهم كيفية تجسد الأدوار والسلوكيات المختلفة من باب الفضول، غير أن المشكلة تظهر حين يتحول هذا النوع من اللعب إلى الوسيلة الأساس لتنظيم المشاعر أو عندما يغيب دور الراشد القادر على احتواء الطفل ومساعدته في فهم مشاعره، فغياب التوجيه يجعل السلوك يختل وليس اللعب نفسه، لذلك العنف في اللعبة ليس هو الذي يخلق العدوانية بل غياب الدعم العاطفي والتنظيمي الذي يحتاجه الطفل خلال هذه التجارب"، مضيفة أن "اللعب ليس مجرد نشاط ترفيهي، فهو الوسيلة الأكثر ملاءمة للنمو النفسي للطفل، والنافذة الطبيعية التي يعبر من خلالها عما يعجز عن قوله بالكلام، وفي العلاج باللعب يُعاد بناء فهم الطفل من خلال مراقبة تفاصيل لعبه من تسلسل الأحداث والتكرار والإيقاع والأدوار التي يختارها، وقدرته على التنظيم وما يبرزه سلوكه أثناء اللعب من مؤشرات على مستوى نضج جهازه العصبي، ومن هنا يصبح اللعب أداة تشخيص دقيقة تكشف نقاط الضعف التي تحتاج إلى دعم".

وتابعت "أن الفرق بين جيلي 'ألفا' و'Z' ينعكس بوضوح في أسلوب اللعب، إذ يميل أطفال الجيل الأصغر إلى تقليد ما يشاهدونه على 'يوتيوب' وتطبيقات الألعاب، فيعيدون نسخ الأصوات والحركات والمشاهد التي تعرض أمامهم، ينما يظهر لدى أطفال الجيل الأقدم قدرة أكبر على الابتكار والخلق، لأن تأثير الإنترنت عليهم كان أقل حدة، ومع ذلك يبقى التقليد أيضاً خطوة نحو اكتشاف الذات، إذ يحاول الطفل عبره أن يجد صوته الخاص".

ورأت الزعتري أن الألعاب الإلكترونية تحولت إلى منصة ثقافية جديدة مختلفة عما نشأنا عليه، فقد أصبح الإيقاع السريع والتنافس والنماذج المتشابهة جزءاً من عالم اللعب في كل مكان، مما جعل الأطفال حول العالم يلعبون الألعاب نفسها تقريباً، من لبنان إلى أميركا الجنوبية، وعلى رغم هذا التشابه يبقى التعبير داخل اللعبة متأثراً بالثقافة المحلية مثل اللغة وأساليب المزاح والتواصل"، وبحسب خبرتها فلا ترى الزعتري فرقاً كبيراً بين ما يفضله الأطفال في العالم العربي وما ينجذب إليه الأطفال في الغرب، "فالألعاب الرائجة تنتشر عالمياً في اللحظة نفسها تقريباً ويقبل عليها الجميع بلا استثناء، ويكمن الاختلاف الحقيقي في أسلوب التربية وفي مساحة الحرية الممنوحة للطفل وقدرته على التعبير، إضافة إلى حدود الرقابة التي يفرضها الأهل، ومع تسارع انتشار المحتوى الرقمي بات العالم أقرب إلى فضاء موحد ينعكس على سلوك الأطفال وخياراتهم".

صناعة الإدمان الرقمي

ولفتت المتخصصة في العلاج باللعب إلى أن الإعلام الحديث "بما يقدمه من مؤثرين ورواد محتوى جعل من الألعاب والشاشات بوابة للهوية والشهرة ومصدراً للمكافأة الاجتماعية، وفي مرحلة المراهقة تحديداً يتحول عدد الإعجابات والمتابعين إلى معيار للقيمة الذاتية، مما يدفع بعض المراهقين إلى أنماط إدمان باكرة مثل ساعات طويلة على الألعاب وانهماك مستمر في العالم الافتراضي، وتبنّي سلوكيات مشابهة لنجوم المنصات الرقمية، وهذا التعلق يترك تأثيراً كبيراً في خياراتهم النفسية والاجتماعية، ويغذي شعوراً داخلياً بأن القيمة تأتي من الخارج لا من الذات"، مشددة على أن الطفل لا يمتلك القدرة على تحديد مصلحته الرقمية، "لذلك يصبح دور الأهل أساساً في وضع الحدود وقول كلمة لا حين يلزم الأمر، فالعلامات التي تشير إلى مشكلة رقمية ليست خفية وتتمثل عادة في تراجع النوم والعصبية والانعزال عن العائلة، وانقطاع الاهتمام بالنشاطات الواقعية وضعف الأداء المدرسي واللجوء إلى الشاشات كوسيلة لتنظيم المشاعر بدل العلاقات والحركة"، ووصفت هذه المؤشرات بأنها إشارات باكرة لإدمان رقمي يحتاج إلى تدخل واع وسريع من الأسرة، ولكن على رغم التحذيرات فـ "العالم الرقمي ليس عدواً للطفل إذا أحسنا استخدامه، فالألعاب الإلكترونية قد تساعد في التخطيط والتنظيم وتنمي مهارات القيادة والعمل الجماعي، وتمنح الأطفال الأكثر خجلاً مساحة آمنة للتواصل، كما يمكن أن تشكل نشاطاً مشتركاً بين الطفل ووالديه يقوي الروابط داخل الأسرة، فالمشكلة لا تكمن في وجود الألعاب وإنما في غياب التوازن والرقابة، إذ إن اللعب الرقمي يجب أن يكون وسيلة داعمة للعالم الواقعي وليس بديلاً عنه، ليُبنى الأساس في العلاقة مع التكنولوجيا من خلال إدراك موقعها الحقيقي كونها يجب أن تكون أداة لتطوير المهارات وليس ملجأً يبتلع المهارات التي يفترض أن تنمى في الحياة الواقعية". واعتبرت الزعتري  أن المهارات الحياتية والتجربة الاجتماعية الحقيقية والحركة والتفاعل المباشر هي الركائز التي لا يمكن لأية شاشة أن تعوضها، "والعالم الرقمي مهما كان واسعاً فلا يفترض أن يحل مكان العالم الذي ننتمي إليه جسداً وثقافة وتاريخاً".

المزيد من منوعات