Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهرجان لوميير يستعيد تود هاينز المخرج الطليعي

أفلامه المتعددة اختبرت معنى الهوية وواجهت تناقضات الفرد والجماعة

جوليان مور في فيلم تود هاينز "بعيداً من الجنة" (ملف الفيلم)

ملخص

في السينما الأميركية المستقلة، قلّة هم المخرجون الذين جعلوا من الشكل وسيلة لاختبار الهوية والرغبة والضغوط الاجتماعية بقدر ما فعله تود هاينز.

منذ أفلامه الأولى، كشف المخرج الأميركي تود هاينز (65 سنة) عن التناقضات التي تحكم الأفراد والمجتمعات، وعن المسافة بين ما يرغب الإنسان وما يُسمح له. لذلك، لا تبدو عودة هاينز للميلودراما الكلاسيكية، أو استعادته عالم الروك، أو انشغاله بالمرض والعزلة، مسارات متباعدة في فيلموغرافيته، ذلك أنها تكشف عن هاجس واحد يتخذ في كل مرة مظهراً مختلفاً.

في الدورة الـ18 من مهرجان لوميير السينمائي المقام في ليون، حضر هاينز مكرّماً، مصحوباً بمنتجته كريستين فاشون، في مناسبة استعادة أربعة من أفلامه: "سمّ" (1991)، و"آمن" (1995)، و"بعيداً من الجنة" (2002)، و"لستُ هناك" (2007). تكتسب هذه البرمجة أهمية خاصة مع عرض نسختين مرمّمتين من الفيلمين الأولين اللذين يعودان أيضاً إلى الصالات التجارية. فيلمان ننتقل معهما إلى البدايات التي تشكّلت فيها ملامح مشروعه السينمائي. الأفلام التي عُرضت في لوميير تضيء جوانب أساسية من تجربة ظلّت وفية لحرية التجريب، حتى عندما استندت إلى أشكال سينمائية مألوفة أو استعانت بنجوم من الصف الأول.

في لقائه مع الجمهور في سينما "باتيه بلكور"، استعاد هاينز محطات من تكوينه الفني، بدءاً من اكتشافه الباكر لسحر الصورة المتحركة. يقول إنه شاهد "ماري بوبينز" وهو في الثالثة، وكان مفتوناً إلى درجة دفعته إلى الرسم وإلباس والدته ملابس الشخصية. في تلك اللحظة بدأت تتبلور لديه الرغبة في الخلق، قبل أن يأتي اكتشاف الميلودراما في المرحلة المدرسية ليوسّع أفقه السينمائي. أسماء دوغلاس سرك، راينر فرنر فاسبيندر، مارسيل أوفولس، ستصبح لاحقاً من مراجعه الأساسية.

لم تكن استقلالية هاينز يوماً مجرد موقف من استوديوهات هوليوود أو رفضاً للعمل داخل منظومتها. في ماستركلاس سابقة له في روما، لخّص المسألة بالقول إن الاستقلالية "حساسية فنية أكثر منها انتماء". وهو تعريف ينسجم مع مسيرته، التي لا تقوم على الانعزال عن الصناعة بقدر ما تأبى الاحتفاظ بحرية اختيار الموضوع والشكل، وعدم إخضاع الفيلم لمقتضيات التصنيف التجاري أو التوقّعات. فوجود ممثلين مثل جوليان مور وكايت بلانشيت وكريستيان بايل في أفلامه لم يبدّل طبيعة مشروعه، وإنما أتاح له توسيع جمهوره من دون التخلي عن مغامرته الجمالية.

تحتل المنتجة كريستين فاشون موقعاً لا يقل أهمية عن موقع الممثلين. تعرّف إليها هاينز في نيويورك، في منتصف الثمانينيات، حين كانا طالبين. علاقتهما المهنية بدأت فعلياً مع فيلمه القصير "سوبر ستار: حكاية كارين كاربنتر". شاهدت فاشون الفيلم في منزله، ثم أبلغته فوراً رغبتها في إنتاج عمله التالي. منذ ذلك الحين، صارت شريكته الأساسية في خوض مغامرات سينمائية لم يكن تمويلها سهلاً، خصوصاً في بداياتهما.

يستعيد هاينز الصعوبات التي رافقت إنجاز "آمن"، إذ كان يحتاج إلى مليون دولار، فيما بدت فرص جمع المبلغ ضئيلة إلى حد أنه فكّر في التخلي عن المشروع. لكن فاشون لم تستسلم، وبحثت عن التمويل حتى صار الفيلم حقيقة. يقول عنها إنها تقاتل كل يوم كي ترى الأفلام النور.

في "سم"، فيلمه الروائي الطويل الأول، تتقاطع ثلاثة مسارات سردية تستلهم بحرية كتابات جان جينيه، وتقترب من عالم التهميش والانتهاك والتمرد. يمزج هاينز بين الوثائقي والميلودراما وفيلم السجون، من دون أن يستقر على صيغة واحدة. منذ هذا العمل، ظهرت رغبته في اختبار الحدود بين الأشكال السينمائية، وفي جعل الشخصيات التي تدفعها الأعراف الاجتماعية إلى الهامش مركزاً للاهتمام. 

المرض الذي سيعود في أكثر من محطة في أفلامه، يحتل مكانة خاصة في تكوينه. عندما انتقل إلى نيويورك عام 1986، كان الإيدز قد بلغ ذروته. أدرك الجميع أن كارثة خطرة تقع، لكن الخوف والجهل ونقص المعلومات جعلت التعامل مع المرض بالغ الصعوبة. في تلك الفترة، دخل هاينز وفاشون في النشاط المناهض للإيدز إلى جانب منظمة "أكت أب"، وصار المرض والعلاج والخشية من الموت عناصر حاضرة في حياتهما اليومية، ومن ثم في عالمهما السينمائي.

المرض ونظرة المجتمع

لم يكن الأمر، بالنسبة إليه، انتقالاً من السياسة إلى الفن، إذ لم يكن ثمة فصل بينهما. فالجسد الذي يصاب بالمرض يصطدم أيضاً بنظرة المجتمع، وبالمؤسسات الطبية، وباللغة التي تحاول تفسير ما يحدث له. هذه المسألة تجد أحد أكثر أشكالها تعقيداً في "آمن"، حيث تؤدي جوليان مور دور ربة منزل ميسورة تبدأ حياتها بالتفكك بعدما تظهر عليها أعراض جسدية غامضة.

إذا كان "آمن" يضع الجسد في مواجهة قوى يصعب تحديدها، فإن "بعيداً من الجنة" ينقل الصراع إلى قلب المجتمع الأميركي في خمسينيات القرن الماضي. مرة جديدة، تؤدي جوليان مور دور ربة منزل تكتشف هذه المرة أن زوجها (دينيس كوايد)، يخفي ميوله المثلية. وفي الوقت نفسه، تنشأ بينها وبين بستاني أسود علاقة عاطفية تصطدم بالتمييز العنصري والأعراف السائدة. من هذه الحكاية، يبني هاينز ميلودراما تستعيد جماليات السينما الكلاسيكية، وتحديداً عالم دوغلاس سرك، من دون أن تحوّل هذا الاستدعاء إلى تمرين أسلوبي فارغ.

في نظر هاينز، لم تكن الميلودراما عند سرك مجرد أسلوب عاطفي مبالغ فيه، وإنما لغة مصطنعة في ظاهرها، قادرة على قول حقائق اجتماعية يصعب التعبير عنها بلغة مباشرة. فالألوان والديكورات والملابس وتكوينات الصورة ليست عناصر تزيينية، إنها جزء من نظام يفرض على الشخصيات أدواراً محددة، ويحوّل كل خروج عن القواعد إلى فضيحة. وما يبدو جميلاً على السطح، يخفي وراءه عالماً خانقاً.

كان هاينز قد اكتشف سرك في الثمانينيات، خلال دراسته، ووجد في أفلامه نموذجاً لمخرج يستخدم اللغة السينمائية السائدة كي يكشف تناقضاتها. وفي حديثه السابق عن "بعيداً من الجنة"، أشار إلى أن شخصية جوليان مور لم تكن مكتوبة أصلاً مع وضع الممثلة في الحسبان، على رغم أن تعاونها معه في "آمن" كان قد أرسى علاقة فنية مثمرة. استطاعت مور أن تمسك بالشخصية منذ قراءتها الأولى للسيناريو، لتصبح لاحقاً أحد أبرز الوجوه المرتبطة بسينما تود هاينز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في "لستُ هناك"، يذهب هاينز أبعد في زعزعة فكرة الهوية الثابتة. ستّة ممثلين، بينهم كريستيان بايل وكايت بلانشيت وريتشارد غير وهث ليدجر وجوليان مور، يتقاسمون تجسيد جوانب مختلفة من حياة بوب ديلان ومسيرته، في عمل يتداخل فيه الواقع بالتخييل. اقترب هاينز من شخصية أفلتت باستمرار من محاولات تعريفها. كان ديلان، في نظره، قد أسهم في صياغة ملامح الستينيات، بقدر ما صاغت تلك الحقبة ملامحه. ومع كل تحول فني، حاول الابتعاد عن الصورة التي التصقت به، تاركاً وراءه نسخة سابقة من ذاته. لذلك، كان اختيار ستة ممثلين هو الطريقة الأكثر مواءمة لفنان جعل التبدل جزءاً من هويته.

يروي هاينز أن ديلان أبدى إعجابه بالفيلم في تصريح له لمجلة "رولينغ ستون" بعد عرضه بنحو عام ونصف العام. وكان شرطه لقبول المشروع أن يُقدَّم بعيداً من الصيغة التقليدية لأفلام السيرة. أما اختيار امرأة هي كايت بلانشيت لتجسيد إحدى شخصياته، فكان مغامرة حتى بالنسبة إلى الممثلة التي شعرت بالخوف من أداء الدور. لكن هاينز كان واثقاً من قدرتها على التقاط تلك المرحلة من حياة ديلان، حين كان المغني يتخلى عن صورته الفولكلورية ليخوض تحولات موسيقية وشخصية حادة.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما