ملخص
.أعربت وزارة الخارجية السعودية في بيان أصدرته في مستهل الزيارة عن "تطلع المملكة إلى تعاطي أطراف الأزمة بكل إيجابية وعملية مع نتائج هذه الزيارة ومع جهود قطر وباكستان المستمرة، بما يسهم في حل الأزمة عبر الحوار والدبلوماسية، مشددةً على أهمية فتح قنوات التفاوض بما يمنع عودة التصعيد العسكري في المنطقة
بعد عام ونصف العام شهدت حروباً وأهوالاً من زيارة حمل خلالها رسالة إلى المرشد الإيراني الراحل، عاد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى طهران، اليوم الإثنين، في مهمة تختلف ظروفها وأطرافها، لكنها تلتقي مع سابقتها عند هدف واحد، هو محاولة تجنيب المنطقة حرباً أشد اتساعاً.
وبين الزيارتين، تحولت التحذيرات من مواجهة إقليمية إلى واقع، إذ تعرضت إيران لتحديات قاسية وهجمات مروعة، طاولت تداعياتها الإقليم أجمع، إذ تعرضت السعودية وجاراتها الخليجية والأردن والعراق وسوريا لعدوان إيراني استهدف منشآتها الحيوية، فيما باتت إيران أمام تحالف دفاعي صلب يسعى من موقع قوة وصدقية إلى اختبار فرص التهدئة قبل جولة جديدة من التصعيد.
ويترأس الأمير خالد وفد السعودية في اجتماعات تجمع إيران بالدول الموقعة على "حلف مكة الدفاعي"، بمشاركة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن. ومن المقرر أن يجتمع المسؤولون الثلاثة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، في أول تواصل رفيع المستوى يجمع طهران بأعضاء التحالف الثلاثة مجتمعين منذ تصاعد الأزمة الإقليمية.
وأوضح وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة رائد قرملي أن الاجتماعات تأتي في إطار "جهود دول الاتفاق لخفض التصعيد، وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطة التي تقودها قطر وباكستان"، وهو ما أكدته وزارة الخارجية السعودية في بيان لاحق. ويعكس مستوى التمثيل، الذي يجمع مسؤولين دفاعيين واستخباراتيين، انتقال مساعي التسوية إلى دائرة الأمن الإقليمي، في ظل تداخل المواجهة الأميركية - الإيرانية مع أزمات المنطقة.
تحذيرات الزيارة الأولى
وتكتسب عودة الأمير خالد للعاصمة الإيرانية دلالة خاصة بالنظر إلى ما سبق زيارته الأولى في الـ17 من أبريل (نيسان) 2025، عندما استقبله خامنئي وتسلم منه رسالة خطية من العاهل السعودي. وبعد أسابيع، كشفت وكالة "رويترز"، نقلاً عن أربعة مصادر خليجية وإيرانية، أن الرسالة تضمنت دعوة للتعامل بجدية مع عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتوصل إلى اتفاق نووي، باعتباره فرصة لتجنب هجوم إسرائيلي محتمل وحرب إقليمية.
وبحسب الرواية التي نشرتها الوكالة، حملت الرسالة تحذيراً من ضيق الوقت المتاح أمام الدبلوماسية، ومن أن استمرار التعثر قد يدفع المنطقة إلى مواجهة يصعب احتواء تداعياتها. غير أن وزارة الخارجية الإيرانية نفت آنذاك صحة ما أوردته "رويترز" عن مضمون الرسالة، ووصفت المعلومات بأنها مفبركة، مما أبقى تفاصيل التحذير موضع خلاف.
واليوم، يعود الوزير السعودي بعدما تبدلت المعادلة التي أحاطت بالزيارة السابقة. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، شهدت المنطقة ضربات متبادلة واضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز، قبل أن تتسع المواجهة مع تصاعد هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيّرات على المنشآت والمطارات السعودية. وفي ظل تعثر جهود التسوية وتجدد التهديدات الأميركية والإسرائيلية، تبدو محادثات طهران محاولة لمنع تكرار دورة التصعيد.
تحرك من موقع القوة
غير أن المشاركة السعودية في اجتماعات طهران لا تعني رهن خيارات الرياض الأمنية بالتفاهم مع إيران، التي تعد الداعم الخارجي الأبرز للحوثيين بالسلاح والخبرات العسكرية. فالسعودية تتعامل مع الملف اليمني بصورة مستقلة عن الحرب الكبرى ضد إيران، فقد عززت قدراتها الدفاعية وتحالفاتها الإقليمية، وواصلت دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وقواتها التي استعادت زمام المبادرة في عدد من الجبهات، وفق تقديرات عسكرية.
وعلى رغم ترابط ملفات التصعيد الإقليمي، ترى أوساط خليجية أن كف طهران عن توظيف الحوثيين في صراعاتها سيفتح المجال أمام تسوية يمنية وفق المرجعيات السياسية المتفق عليها، أو حسم عسكري يعيد سلطة الدولة لكامل أراضيها، بما فيها صنعاء، من دون أن يتوقف ذلك على نتائج محادثات طهران.
ووصف المحلل السياسي السعودي علي الشهابي، زيارة خالد بن سلمان طهران بأنها "ليست مجرد لفتة دبلوماسية عابرة؛ فمكانته وقربه من القيادة السعودية يبعثان برسالة قوية، مفادها أن الرياض تستثمر ثقلاً سياسياً كبيراً في الحوار مع إيران، سعياً منها لضبط التصعيد وتمهيد مسار دبلوماسي موثوق للخروج من الأزمة".
وقبل وصول الوفد الثلاثي إلى طهران، أعلن التحالف بقيادة السعودية تنفيذ قواته المشتركة عملية عسكرية نوعية، "شملت تدمير وتحييد أهداف عسكرية مشروعة بمناطق سيطرة الميليشيات الحوثية الإرهابية، وشملت العملية تدمير خمسة أنفاق لتخزين الصواريخ الباليستية وأربع منصات لإطلاق الصواريخ الباليستية ومخزن للصواريخ، والتركيز على قطع إمدادات الميليشيات الحوثية بين مناطق سيطرتها، وشملت العملية استهداف تحصينات الميليشيات وتجمعات عناصرها وعتادها العسكري بخطوط التماس بالداخل اليمني".
وأكد المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي أن ذلك جاء انطلاقاً من "الحق الأصيل والمشروع في الدفاع عن النفس لحماية أمن وسلامة أراضي السعودية وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، ورداً على الاعتداءات المتكررة من الميليشيات الحوثية الإرهابية بمحاولتها استهداف المدنيين والأعيان المدنية في السعودية واليمن باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة". وهي عملية تداول النشطاء مقاطع مصورة لها (غير مؤكدة)، مؤكدين أنها كانت غير مسبوقة في صنعاء.
مفاجأة دبلوماسية وفرصة أخيرة
ووصف المفكر السياسي السعودي عبدالرحمن الراشد التحرك بأنه "رحلة مفاجئة إلى طهران"، لافتاً إلى توقيته قبل أيام من الهجوم الأميركي الموعود على إيران. وتكمن المفاجأة بصورة خاصة في مشاركة وزير الدفاع السعودي، بالنظر إلى التوترات الأخيرة بين الرياض وطهران، بينما تتمتع تركيا وباكستان بقنوات اتصال أكثر انتظاماً مع الجانب الإيراني.
وأعربت وزارة الخارجية السعودية في بيان أصدرته في مستهل الزيارة عن "تطلع المملكة إلى تعاطي أطراف الأزمة بكل إيجابية وعملية مع نتائج هذه الزيارة ومع جهود قطر وباكستان المستمرة، بما يسهم في حل الأزمة عبر الحوار والدبلوماسية، مشددةً على أهمية فتح قنوات التفاوض بما يمنع عودة التصعيد العسكري في المنطقة، وتمهيدًا للوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة ويحقق الأمن والسلم بالمنطقة والعالم"، منوهة بالدور الذي وصفته بـ"المحوري"، لدول اتفاقية مكة في "استتباب أمن المنطقة واستقرارها والعمل مع كافة الدول لضمان تحقيق السلام بالمنطقة والعالم".
وتعزز هذه القراءة خصوصية التحرك الجديد، إذ لم تعد الرياض تتحرك منفردة، بل ضمن اتفاق دفاعي وقعته مع تركيا وباكستان في مكة المكرمة خلال أغسطس (آب) الماضي، ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الجميع. وبذلك تكتسب المحادثات بعداً عسكرياً يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، وتضع أمن الدول الثلاث ضمن حسابات أي تفاهم إقليمي محتمل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ظريف يدعو إلى مراجعة عقلية التهديد
من الجانب الإيراني، أبدى المسؤولون ترحيباً بالاجتماع، وعدوا أنه يمكن أن يمهد لترتيبات أمنية تنطلق من مصالح دول المنطقة نفسها. وأوضح نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي باقري كني أن المبادرة طُرحت خلال زيارة عاصم منير الأخيرة إلى طهران، معرباً عن أمله في أن تسهم المحادثات ببناء أمن إقليمي مستدام.
وفي موقف لافت، دعا وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف إلى استثمار الزيارة في إرساء أسس "رابطة أمن غرب آسيا " (WASL)، وهي شبكة إقليمية شاملة تقوم على عدم الاعتداء والضمان المتبادل والازدهار المشترك. وكتب عبر منصة "إكس"، بحسب ترجمة تصريحه، أن "الأمن في منطقتنا لا يمكن استيراده، بل يجب أن يُبنى معاً على أيدي شعوبها".
وتعيد دعوة ظريف للأذهان انتقاداته السابقة قبل أسابيع للنهج الذي يحكم تعامل طهران مع جيرانها، التي أثارها تسجيل متداول قبل أسابيع، لم يتحدد تاريخ تسجيله. وكان ظريف قد انتقد النظر إلى المحيط الإقليمي بوصفه مصدراً دائماً للتهديد، وعدّ أن هذه العقلية تحول الدول التي يمكن أن تكون شريكة في التجارة والمصالح إلى خصوم.
واستحضر ظريف في ذلك التسجيل زيارة الأمير خالد السابقة ولقاءه خامنئي، متسائلاً عن جدوى الخطاب العدائي تجاه السعودية، بينما تفرض المصالح السياسية والدبلوماسية الجلوس معها إلى طاولة واحدة. وأشار إلى أن "من اعتادوا مهاجمة الرياض لم يتوقعوا أن يأتي يوم يجلس فيه المرشد الإيراني إلى جانب وزير الدفاع السعودي"، وعدّ أن استمرار استدعاء صراعات الماضي يحرم المنطقة فرص التعاون.
ويمنح هذا الموقف زيارة اليوم بعداً إضافياً، إذ يعود الوزير السعودي نفسه لطهران، لكن هذه المرة وسط حرب قائمة، وتحالف دفاعي جديد، ومخاوف من مواجهة أشد تدميراً.
أمل إيراني حذر
وفي قراءة أكثر تفاؤلاً، يرى المحلل السياسي الإيراني محمد صدقيان في تدوينة على "إكس" أن الاجتماع يفتح نافذة لم تكن متاحة منذ بداية الحرب. وقال "للمرة الأولى منذ الـ28 من فبراير الماضي، تاريخ بدء الحرب العدوانية على إيران، يلوح ضوء لإنهاء الحرب في المنطقة والتوصل إلى تفاهمات لعودة الأمن والاستقرار".
لكن صدقيان يربط نجاح الاجتماع بموقف واشنطن، ورأى أن الرئيس ترمب "ليس بعيداً من هذا الاجتماع ويتطلع إلى نتائجه"، وأن فرص نجاحه تعتمد على موافقته على التفاهمات التي قد تنتج منه، وفي مقدمها إنهاء الحرب والعمليات العسكرية في المنطقة.
ولا تبدو الرياض في هذا السياق معنية بمقايضة أمنها الوطني بأي تسوية إقليمية، بقدر ما تسعى إلى دفع طهران نحو خفض التصعيد، وهي تحتفظ بخياراتها الدفاعية والعسكرية والسياسية. ويبقى الاختبار في مدى استعداد إيران لفصل علاقاتها بجيرانها عن أدوات الضغط التي استخدمتها في أزمات الإقليم، وما إذا كانت نتائج الاجتماع ستترجم إلى التزامات توقف الهجمات وتتيح استمرار المسار الدبلوماسي.
هل تعود حليمة لعادتها القديمة؟
وفي أعقاب الاتفاق السعودي - الإيراني الذي رعته بكين عام 2023، برز التساؤل عما إذا كانت طهران ستتمكن من تجاوز إرث الخصومة وتأسيس علاقة أكثر استقراراً مع جيرانها، أم أن التطورات ستعيدها لسياساتها السابقة. وهو تساؤل ازدادت أهميته بعدما تعرضت دول الخليج لهجمات إيرانية، ثم واجهت السعودية تصعيداً حوثياً على رغم استمرار قنوات الحوار الدبلوماسي.
واليوم، يعود السؤال نفسه في ظروف أشد خطورة، بعدما أصبحت الحرب واقعاً لا مجرد احتمال. فهل تستطيع زيارة خالد بن سلمان الثانية تحقيق ما عجزت عنه التحذيرات السابقة، وتدفع طهران إلى تبني مقاربة أكثر عقلانية تجاه أمن المنطقة؟ أم تعود حليمة لعادتها القديمة، وتغلب نزعة الثأر والانتقام، بما تحمله من أخطار على المدن الإيرانية وأمن الإقليم بأكمله؟
وبين الزيارة الأولى والثانية، يبدو الفارق أن الفرصة التي كانت متاحة لتجنب الحرب تحولت اليوم إلى محاولة لوقفها. أما إذا كانت طهران ستستثمر هذه الفرصة أم تفوتها مجدداً، فسيظهر في الخطوات التي تلي الاجتماعات، لا في الترحيب بها وحده.