Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأسهم السعودية أمام اختبار السيولة... هل توقف أطول موجة خسائر؟

متخصصون لـ"اندبندنت عربية": عودة الأموال لا تكفي وحدها وأرباح الشركات وثقة المستثمرين تحددان مسار التعافي

تعمقت الضغوط على الأسهم السعودية خلال تعاملات اليوم الأحد (اندبندنت عربية)

ملخص

تكشف حركة التداولات عن أن المشكلة لا ترتبط بحجم الأموال المتاحة وحده، بل باتجاه تدفقها وطبيعة استخدامها.

تواجه سوق الأسهم السعودية اختباراً يتجاوز قدرتها على استقطاب السيولة إلى مدى استعداد المستثمرين إلى العودة للمخاطرة، بعدما اتسعت خسائر المؤشر الرئيس "تاسي" على رغم ارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 116 دولاراً للبرميل، في مفارقة تعكس تغير محركات السوق تحت وطأة التوترات الجيوسياسية وضغوط الأسهم القيادية وتراجع شهية الاستثمار.

وتكشف حركة التداولات أن المشكلة لا ترتبط بحجم الأموال المتاحة وحده، بل باتجاه تدفقها وطبيعة استخدامها، إذ قد ترتفع قيم التداول خلال موجات الهبوط نتيجة تسارع البيع وتصفية المراكز، من دون أن يعكس ذلك عودة حقيقية للطلب الاستثماري.

وبين تراجع نشاط السوق وتحركات المستثمرين الأجانب والمؤسسات المحلية، تبرز تساؤلات حول المحفزات القادرة على وقف الخسائر وإطلاق تعافٍ مستدام.

أطول موجة خسائر منذ 1994

تعمقت الضغوط على الأسهم السعودية خلال تعاملات اليوم الأحد وهي أول جلسات الأسبوع الأخير من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بعدما تراجع المؤشر بأكثر من ثلاثة في المئة خلال الجلسة، وفق البيانات الواردة في التقرير، لينخفض دون مستوى 9400 نقطة، وسط موجة بيع شملت قطاعات رئيسة، في مقدمها البنوك والطاقة.

وجاءت التراجعات امتداداً لخسائر الأسبوع الماضي، الذي أغلق فيه "تاسي" عند 9696 نقطة، بعدما فقد 231 نقطة في جلسة الخميس، بانخفاض 2.32 في المئة، وبتداولات بلغت قيمتها 4.9 مليار ريال (1.3 مليار دولار).

وعلى المستوى الأسبوعي، تكبد المؤشر خسائر تجاوزت أربعة في المئة، مواصلاً التراجع للأسبوع الثامن على التوالي، في أطول سلسلة خسائر أسبوعية منذ عام 1994، بينما بلغ انخفاضه منذ بداية أكتوبر حتى نهاية تعاملات الخميس نحو 7.13 في المئة، مقابل خسائر بلغت 7.58 في المئة منذ مطلع العام.

وتعكس هذه التطورات اتساع الضغوط البيعية، خصوصاً مع تراجع الأسهم القيادية التي تتمتع بأوزان مؤثرة في المؤشر، مما يجعل محاولات الارتداد المحدودة غير كافية لتغيير الاتجاه العام للسوق.

عودة السيولة... الشرط الأول للتعافي

تضع البيانات الأخيرة السيولة في مقدمة العوامل التي يراقبها المستثمرون لتحديد فرص التعافي، بعدما تراجعت قيمة التداولات في السوق السعودية 11.82 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 الحالي، إلى 894.25 مليار ريال (238.47 مليار دولار)، مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي.

وفي سبتمبر (أيلول) وحده، انخفضت قيمة التداولات إلى 79.15 مليار ريال (21.11 مليار دولار)، بتراجع سنوي يقترب من 38 في المئة، في مؤشر إلى فتور النشاط الاستثماري وتراجع وتيرة التعاملات.

لكن انخفاض السيولة المتداولة لا يعني بالضرورة نقص الأموال داخل الاقتصاد، مثلما لا يمثل ارتفاع التداولات دليلاً تلقائياً على تحسن السوق، إذ ارتفعت كميات الأسهم المتداولة بنسبة 1.88 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى، على رغم انخفاض قيمتها، مما يعكس تأثير تغير مستويات الأسعار وتركيبة التعاملات.

وتزداد أهمية التمييز بين السيولة الشرائية التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع، والسيولة الناتجة من عمليات البيع، خصوصاً أن متوسط التداول اليومي خلال الأسبوع الماضي ارتفع 11 في المئة إلى 3.77 مليار ريال (1.01 مليار دولار)، بالتزامن مع استمرار خسائر المؤشر.

ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في زيادة الأموال المتداولة وحسب، وإنما في قدرة السوق على جذب طلب استثماري مستمر، تتسع معه مكاسب القطاعات والشركات، بدلاً من اقتصار التحركات الإيجابية على أسهم محدودة.

لماذا لم ينقذ صعود النفط الأسهم؟

تتعمق المفارقة مع ارتفاع خام "برنت" إلى 116.72 دولار للبرميل في تسوية الجمعة الماضي، بعدما حقق مكاسب أسبوعية تجاوزت ستة في المئة، في وقت واصلت فيه الأسهم السعودية خسائرها.

وعادة ما يمثل ارتفاع أسعار النفط عاملاً داعماً للاقتصاد السعودي من خلال زيادة الإيرادات النفطية وتحسين آفاق الإنفاق والاستثمار، لكن هذه العلاقة لا تنعكس بالضرورة بصورة مباشرة على أسعار الأسهم، فالمستثمرون لا يقيمون الشركات استناداً إلى أسعار الخام وحدها، إنما وفق توقعات الأرباح وكلفة التمويل والتدفقات النقدية ومستويات المخاطرة.

وصعود النفط الناتج من اضطرابات الإمدادات والتوترات الجيوسياسية قد يتزامن مع ارتفاع المخاوف في شأن التضخم وأسعار الفائدة وحركة التجارة العالمية.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح ارتفاع النفط مؤشراً يحمل تأثيرات متباينة على القطاعات، بينما تتراجع قدرة التحسن في قطاع الطاقة على تعويض الخسائر التي تتعرض لها البنوك والشركات ذات الأوزان الكبيرة في المؤشر.

هل المشكلة نقص الأموال أم عزوف المستثمرين؟

تثير حركة التداولات تساؤلاً أساساً حول طبيعة الأزمة التي تواجه السوق، وما إذا كانت تعكس نقصاً فعلياً في السيولة، أم تفضيل المستثمرين الاحتفاظ بأموالهم وانتظار تراجع مستويات المخاطرة.

وتدعم بيانات البنك المركزي السعودي هذا التمييز، إذ نما عرض النقود 5.6 في المئة خلال أغسطس (آب)، مما يشير إلى أن انخفاض قيم التداول لا يمكن تفسيره وحده بشح السيولة على مستوى الاقتصاد.

لكن وجود الأموال داخل النظام المالي لا يعني بالضرورة اتجاهها إلى الأسهم، خصوصاً مع ارتفاع كلفة التمويل وتوافر أدوات استثمارية بديلة، فضلاً عن استمرار حال الحذر المرتبطة بالتطورات الإقليمية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن استعادة الثقة قد تكون أكثر أهمية من مجرد زيادة حجم السيولة، إذ يرتبط قرار المستثمر بالعودة للسوق بتقييم الأخطار والعوائد المتوقعة، وليس بتوافر الأموال وحده.

الأجانب والمؤسسات... اتجاهات متباينة

تمثل تدفقات المستثمرين الأجانب والمؤسسات المحلية عاملاً رئيساً في تحديد قدرة السوق على استعادة توازنها، خصوصاً في ظل تأثيرها في الأسهم القيادية وحركة المؤشر العام.

وأظهرت البيانات المجمعة للفترة الممتدة من مطلع 2026 الحالي حتى أوائل أكتوبر الجاري تسجيل المستثمرين الأجانب صافي مشتريات بنحو 6.6 مليار ريال (1.76 مليار دولار)، مقابل مشتريات صافية بلغت 12.3 مليار ريال (3.28 مليار دولار) للمؤسسات السعودية.

في المقابل، سجل المستثمرون الأفراد السعوديون مبيعات صافية بنحو 22 مليار ريال (5.87 مليار دولار)، بينما تحولت المؤسسات الأجنبية إلى البيع الصافي خلال سبتمبر بقيمة 4.33 مليار ريال (1.15 مليار دولار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعكس هذا التباين أهمية النظر إلى اتجاه التدفقات خلال الفترات الأخيرة، وليس الاكتفاء بحصيلتها التراكمية منذ بداية العام، إذ يمكن أن تتحول المشتريات إلى ضغوط بيعية مع تغير توقعات المستثمرين.

وتظل عودة المؤسسات لبناء مراكز استثمارية طويلة الأجل، خصوصاً في البنوك والشركات القيادية، من المؤشرات المهمة على تحسن الثقة، إلى جانب اتساع المشاركة في الصعود بين مختلف القطاعات.

السيولة السلبية تضغط على السوق

قال المحلل المالي عبدالله الجبلي إن ارتفاع السيولة خلال المسارات الهابطة لا يمثل بالضرورة مؤشراً إيجابياً، إذ قد يعكس تسارع المستثمرين إلى تصفية مراكزهم والخروج من الأسهم، وهو ما ظهر خلال تعاملات الأسبوع الماضي.

وأوضح الجبلي أن نقص السيولة والعزوف عن الاستثمار يتداخلان في تفسير أداء السوق خلال العام الحالي، مشيراً إلى أن ضعف دوران النقد لا يقتصر على الأسهم وحدها.

وأضاف أن التطورات الجيوسياسية وقرارات "الاحتياط الفيدرالي" الأميركي ستظل من أبرز العوامل المؤثرة في اتجاه التداولات، خصوصاً مع استمرار الضغوط البيعية على قطاع البنوك.

ويرى الجبلي أن المؤشرات الحالية لا تقدم أدلة كافية على بداية صعود واسع، مؤكداً أن انحسار التوترات الإقليمية يمثل عاملاً مهماً لاستعادة الزخم وتحسين شهية المخاطرة.

الأرباح أهم من حجم التداولات

من جانبه، قال المدير الإداري الأول ورئيس إدارة الأصول في شركة "أرباح المالية" محمد الفراج إن السيولة تحرك التداولات، لكن نمو الأرباح يمثل المحرك الأساس لقيمة الأسهم، بينما تحدد ثقة المستثمرين مدى استدامة الاتجاه الصاعد.

وأوضح الفراج أن ارتفاع أسعار النفط لا يمثل سبباً كافياً لشراء الأسهم ما لم تتوافر تقييمات استثمارية جاذبة وآفاق واضحة لنمو أرباح الشركات.

وأشار إلى أن تراجع قيمة التداولات لا يعني بالضرورة نقص الأموال المتاحة، بل قد يعكس إحجام المستثمرين عن بناء مراكز جديدة انتظاراً لانخفاض مستويات المخاطرة.

وحدد الفراج أربعة مؤشرات رئيسة لاختبار قوة أي تعافٍ محتمل، تشمل ارتفاع السيولة، واتساع المشاركة القطاعية، وتحسن أرباح الشركات وتدفقاتها النقدية، وقدرة المؤشر على الاحتفاظ بمكاسبه أمام الضغوط البيعية.

وتبرز أهمية هذه المؤشرات في التمييز بين الارتدادات القصيرة الأجل، التي قد تنتج من عمليات شراء انتقائية، وبين التحول إلى اتجاه صاعد تدعمه الأساسيات المالية للشركات.

تقييمات جاذبة ولكن بشروط

في قراءة مؤسسية، ربط مساعد مدير المحافظ في شركة "الخير كابيتال" فاردين أختر تراجع الأسهم السعودية بتصاعد الأخطار الجيوسياسية وارتفاع أسعار الفائدة وتحول بعض المستثمرين الأجانب إلى البيع.

وأوضح أن التصحيح الذي شهدته السوق جعل تقييمات بعض الشركات أكثر جاذبية بصورة انتقائية، لكنه لا يعني بالضرورة أن الأسهم السعودية أصبحت منخفضة التقييم بصورة عامة.

ورجح استمرار تقلبات السوق إلى حين اتضاح نتائج الشركات واتجاه التدفقات الأجنبية، مؤكداً أهمية تحسن الأساسيات الاستثمارية لتعزيز فرص التعافي المستدام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتكتسب نتائج أعمال الربع الثالث أهمية خاصة في هذه المرحلة، إذ يمكن أن توفر مؤشرات أوضح إلى قدرة الشركات على حماية هوامش أرباحها وتعزيز تدفقاتها النقدية، في مواجهة ارتفاع كلفة التمويل والاضطرابات الاقتصادية.

متى يتغير اتجاه السوق؟

تُظهر التطورات الأخيرة أن الأسهم السعودية لا تفتقر بالضرورة إلى محفز واحد قادر على وقف التراجع، وإنما تواجه مجموعة مترابطة من العوامل التي تشمل تقلب التدفقات الاستثمارية والضغوط على الأسهم القيادية وعدم اليقين الجيوسياسي.

وفي حين يمكن لارتفاع النفط أن يدعم الآفاق الاقتصادية، فإن انعكاسه على الأسهم يظل مرهوناً بمدى استفادة الشركات من تحسن الإيرادات، وقدرتها على تحقيق أرباح تتناسب مع تقييماتها السوقية.

أما السيولة، فتظل شرطاً ضرورياً لاستعادة الزخم، لكنها لا تتحول إلى قوة دافعة لصعود مستدام إلا عندما تقترن بتحسن نتائج الأعمال وعودة المستثمرين المؤسسيين واتساع قاعدة الأسهم الرابحة.

وبذلك، لا يكمن الاختبار المقبل في قدرة المؤشر على تسجيل ارتداد بعد الخسائر المتتالية، بل في مدى نجاح السوق بتحويل عودة الأموال إلى طلب استثماري مستقر، يعيد بناء الثقة ويؤسس لتعافٍ يتجاوز المكاسب الموقتة.

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة