ملخص
السياسة الأميركية الجديدة لإغراق الزوارق المشتبه في حملها مخدرات تحولت إلى فضيحة كبرى بعد اتهام وزير الدفاع بيت هيغسيث بإصدار أوامر بقتل ناجين، ما أثار حديثاً واسعاً عن جرائم حرب وفضح تناقضات إدارة ترمب. وبينما يصدر ترمب عفواً عن داعميه والمقربين منه، تتصاعد الأسئلة حول دوافع الحشد العسكري ضد فنزويلا، وحول الولاء الذي يحكم قرارات البيت الأبيض أكثر من القانون أو الكفاءة.
فيما مضى، في ظلال سبتمبر (أيلول) البعيدة والضبابية، أصدر دونالد ترمب مرسوماً يقضي بأن يعاد تسمية وزارة الدفاع، الخاضعة لإشراف البنتاغون، لتصبح وزارة الحرب - ويفضل قولها بصوت عميق وخشن كما في إعلانات أفلام الأكشن.
لكن حدث في سبتمبر أمر آخر دفع بعضهم إلى القول إنه ربما ينبغي إعادة تسميتها مرة أخرى، هذه المرة: وزارة جرائم الحرب.
قبل ثلاثة أشهر، أصدر وزير الدفاع بيت هيغسيث أمراً بتغيير جذري في سياسة التصدي لتدفق المخدرات القادمة من فنزويلا. وبموجب هذا التغيير، جرى تكليف الجيش الأميركي بإغراق أية سفينة يشتبه في أنها تحمل مخدرات. وبعد ذلك بفترة قصيرة، استهدفت القوات الأميركية زورقاً سريعاً قبالة سواحل الكاريبي بصاروخ دمره بالكامل. وقد أعلن هيغسيث أن من كانوا على متنه مهربو مخدرات - أو "إرهابيون مرتبطون بالمخدرات" - وأن العملية تمثل رسالة قوية. لا ريب في ذلك.
لم تقدم حتى الآن أية أدلة تثبت أن من كانوا على متن القارب تجار مخدرات، أو أنهم جزء من كارتل، أو أن القارب كان يحمل مخدرات، أو أنه كان متجهاً إلى الولايات المتحدة. كما لم تمارس أية رقابة على هذه العملية المثيرة للجدل قانونياً. وقد أعاد دونالد ترمب، بفرح، نشر فيديو النهاية المتفجرة للقارب على منصته "تروث سوشيال" بينما يصيب الصاروخ هدفه. وكان الافتراض أن جميع البحارة / الأشرار المرتبطين بالمخدرات، قد غرقوا مع القارب.
لكن الأسبوع الماضي، كان لدى صحيفة "واشنطن بوست" روايتها الخاصة المتفجرة (مع اعتذاري). فبحسب الصحيفة، نجا اثنان من أفراد الطاقم من الضربة الصاروخية الأولى. وتفيد المزاعم بأن هيغسيث أمر بألا يكون هناك ناجون، فجرى إطلاق صاروخ ثان لقتل البحارين اللذين كانا يتشبثان بحطام القارب. وفي واحدة من أكثر التعابير العسكرية فظاعة لوصف التأكد من مقتل جميع الأفراد، أطلق على العملية اسم "الضربة المزدوجة".
هناك جمهوريون وديمقراطيون خرجوا الآن ليقولوا ببساطة إن هذا يشكل جريمة حرب. وعندما سئل دونالد ترمب عن ذلك على متن طائرة "إير فورس وان"، قال إنه لا يعلم شيئاً عن الأمر، وقد كان يدرك بوضوح مدى خطورة هذه الاتهامات.
وإذا كان هناك ناجيان اثنان، فلماذا لا يعتقلان ويقدما للمحاكمة لمعرفة من يمولهما ومن يقف وراء العملية؟ لقد نفى هيغسيث إصدار أمر شفهي يقضي بقتل كل من على متن القارب، ووجه بدلاً من ذلك أصابع الاتهام إلى القائد البحري، الأدميرال فرانك "ميتش" برادلي، الذي استدعي للإدلاء بشهادته أمام قادة الكونغرس شأن التسلسل القيادي الذي أفضى إلى هذا الإجراء.
أعضاء ديمقراطيون في الكونغرس نشروا مقطع فيديو يقول إن على أفراد القوات المسلحة ألا ينفذوا سوى الأوامر التي تنسجم مع الدستور الأميركي وقواعد الاشتباك العسكرية، فوجدوا أنفسهم مهددين بالشنق - نعم، الشنق - من جانب دونالد ترمب بتهمة العصيان.
وفي غرفة الاجتماعات في البيت الأبيض، كان هيغسيث جالساً إلى جانب ترمب، متجسداً نهج "ماغا" بأقصى حدته: بلا اعتذار، وبلا تراجع، وفي حالة تحد صاخب كمن يطلق النار من كل أسلحته. أكد أنه لم يصدر الأمر، وأن الأدميرال يحظى بدعمه الكامل. فهؤلاء، كما قال، "أشرار". وما يحدث ليس سوى البداية.
وليس جديداً أن يخرج من يتوقع انتهاء مسيرة هيغسيث، غير أن جانباً كبيراً من هذه التوقعات يعكس أمنيات أكثر مما يعكس قراءة واقعية، لدى منتقديه الكثر في واشنطن.
وقد تعرض هذا الأسبوع أيضاً لإحراج تقرير المفتش العام في شأن فضيحة "سيغنال غيت"، حين جرى تسريب خطط شديدة السرية لقصف مواقع الحوثيين [عبر تطبيق سيغنال] إلى ... محرر مجلة "ذي أتلانتك".
لكننا نعلم جميعاً أن الكفاءة، في نظر ترمب، لا تساوي شيئاً أمام قيمة الولاء. ومذيع "فوكس نيوز" الذي قذف به بصورة غير متوقعة إلى منصب وزير الدفاع يمتلك الكثير من هذا الولاء. كما أن ترمب لا يريد أن يبدو وكأنه يرضخ للجمهور الصاخب المطالب برأس هيغسيث، فذلك سيظهره ضعيفاً. غير أنه إذا بدأ هيغسيث في إلحاق الضرر بترمب، فعندها ستتغير الحسابات.
وحتى الآن، قتل أكثر من 100 بحار من سفن فنزويلية عدة مختلفة في هذه الضربات. وبحسب رواية هيغسيث، فهناك كثيرون آخرون سيلقون المصير نفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المشكلة هي أن الغالبية الساحقة من وفيات المخدرات في أميركا سببها "الفنتانيل"، ولا يأتي أي "فنتانيل" من فنزويلا، ما يأتي من هناك هو الكوكايين، وليس بالكميات الكبيرة إذا ما نظرنا إلى الصورة الكلية.
ثم نصل إلى الجزء المعقد من القصة، فإذا كانت هذه الاغتيالات خارج نطاق القانون تعبر عن تصميم أميركا على التصدي لمهربي المخدرات، فكيف يمكن تفسير العفو الرئاسي الذي منحه دونالد ترمب لخوان أورلاندو هرنانديز؟
كان الرجل الرئيس السابق لهندوراس، الذي حكم عليه بالسجن 45 عاماً بتهمة الاتجار بالمخدرات. وكان مسجوناً في ولاية فرجينيا الغربية بعد محاكمة أبلغت فيها المحكمة بأنه كان يحمي الكارتلات الهندوراسية بينما كانت تغرق الولايات المتحدة بمئات الأطنان من الكوكايين. كما أبلغت المحكمة في محاكمته أيضاً بأنه تلقى رشوة بقيمة مليون دولار من زعيم المخدرات خواكين "إل تشابو" غوثمان في مقابل غض الطرف عن عمليات الكارتل.
قال القاضي في محاكمة هرنانديز إن العقاب يجب أن يمثل تحذيراً للأشخاص "المتعلمين والمتأنقين" الذين يصلون إلى السلطة ويظنون أن مكانتهم تحصنهم من العدالة حين يرتكبون المخالفات.
لكن في أميركا التي يقودها ترمب، لا يكون الأمر بهذه البساطة أبداً. فالعفو يمنح لأولئك الذين يدعمون دونالد ج. ترمب ويبدون إعجابهم به. وهو التعبير الأوضح عن السلطة السياسية الخالصة: أن يستطيع الرئيس أن يعفو عمن يشاء، وهذا بالضبط ما يفعله دونالد ترمب. وهكذا شهدنا في الأسابيع الأخيرة سلسلة من قرارات العفو التي منحت لحلفاء ترمب - وها هو رئيس هندوراس السابق، الذي وجهت إليه التهم بعد عملية موسعة لوكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، يخرج حراً أيضاً. وقد حرصت عائلة هرنانديز على إظهار مديح وإعجاب كبيرين. وعلى أية حال، فإن محاكمة هرنانديز جرت في عهد الرئيس جو بايدن، لذا "لا بد" وأنها كانت ذات دوافع سياسية.
لكن، إن عارضتم الرئيس، يمكنكم توقع أسوأ النتائج الممكنة.
ربما يكون الحشد العسكري الأميركي الاستثنائي قبالة سواحل فنزويلا متعلقاً، بكل بساطة، بالاتجار بالمخدرات، لكن من الصعب أكثر فأكثر تصديق أن هذا هو كل ما في الأمر.
لا بد أن الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو، يتمنى الآن لو أنه كان ألطف مع دونالد ترمب في ما مضى.
© The Independent