Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تلاعبت الخوارزميات بنا... وبالعالم؟

تحول تدفق الأخبار عبر الهاتف المحمول إلى شيء يعيد تشكيل صورة الإنسان عن نفسه والآخرين والحياة برمتها

ينتاب المرء الشعور بأن العالم صار أكبر من أن يُحتمل، وأكثر ضبابية من أن يُفهم (أ ف ب)

ملخص

الخوارزميات تقدم لكل فرد مزيداً من المحتوى الذي يشبه ما أحبه سابقاً، وهذا ما ينعكس على قدرة المجتمع كأفراد وعائلات وجماعات على التفاهم واتخاذ قرار جماعي، لأن الوصول إلى أرضية مشتركة يصير أصعب.

في منتصف الليل يفتح أحدنا هاتفه وهو في سريره، سواء كان في عمان أو طرابلس أو القاهرة أو بيروت أو باريس. في أقل من دقيقتين يمر على صور قصف في مدينة بعيدة، وعلى خبر عن انهيار عملة، وعلى فيديو ساخر من "تيك توك"، وعلى إعلان لحذاء أو رحلة سياحية، وعلى منشور لصديقة تشكو فيه من الاكتئاب. يطفئ الشاشة لحظة، فيجد الغرفة لا تزال كما هي، الجدران نفسها والنافذة والأثاث. فيشعر وكأنه ذهب في رحلة متعددة الأبعاد والمواقف ثم عاد إلى مكانه فوجد ما يحيط به لا يزال كما هو، لكن ما يشعر به في داخله تغير خلال هذه الرحلة القصيرة عبر الهاتف وفضائه الرقمي. ينتاب المرء الشعور بأن العالم صار أكبر من أن يُحتمل، وأكثر ضبابية من أن يُفهم، وحياته اليومية تبدو تفصيلاً صغيراً في نهر هادر من الأخبار والمشاعر والصور التي لا تنتهي.

ذهان الواقع الجديد

اضطر الباحثون الجدد إلى أن يعطوا هذه الحال اسماً بعدما لم تعد استثناء فردياً بل مجتمعياً عاماً. والاسم هو "ذهان الواقع الجديد"، ليس ذهاناً طبياً بل اضطراباً في طريقة إدراك الناس للعالم، وانكساراً في صورة الذات والعلاقات والمجتمع.

قبل الهاتف المحمول والإنترنت، كان للأخبار أوقات معينة وأبواب محددة. كان الإنسان العادي يحصل على ما يجري في العالم عبر التلفزيون مساء، أو الصحيفة صباحاً، أو من نشرة الراديو. خلال وقتنا الراهن بينت دراسات أجراها مركز "بيو" للأبحاث خلال منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة أن الإنسان الأميركي، مثلاً، كان يقضي في المتوسط نحو ساعة يومياً مع الأخبار، نصفها تقريباً أمام التلفزيون والباقي بين الصحف والراديو، مع حصة صغيرة جداً للإنترنت.

 

مع هذا التحول، ظهرت مصطلحات جديدة في لغات الطب النفسي وعلم النفس الشعبي، مثل Doomscrolling أو التمرير اللانهائي في الأخبار السيئة، واضطراب ضغط العناوين Headline Stress Disorder لوصف التوتر والإنهاك الناتجين عن التعرض المتواصل لعناوين الأخبار الصادمة. وربطت دراسات منشورة ضمن دوريات علمية متخصصة بين الإفراط في متابعة الأخبار، خصوصاً في الأزمات الكبرى مثل جائحة كورونا أو الحروب، وبين ارتفاع معدلات القلق والتوتر وأعراض الاكتئاب واضطراب النوم. الأفراد الذين يمضون وقتاً أطول مع الأخبار السيئة يسجلون مستويات أعلى من الضيق النفسي والإنهاك الانفعالي، وكأن إغلاق الهاتف قبل الاطلاع على "الجديد" نوع من الخيانة أو الهرب.

قبل الفضاء الرقمي وبعده

بات بالإمكان التفريق بين الفرد في زمن ما قبل الهاتف الذكي والفرد اليوم، في حجم العالم الذي يحمله كل منهما في رأسه. ففي عالم الصحف والتلفزيون كان الفرد متفرجاً على الأحداث الكبرى ومشاركاً في حياته الصغيرة المحدودة بين أسرة وجيران وعمل، بينما بات يشعر اليوم أنه حاضر في كل مكان، إما يعلق على حرب في بلد لم يزره أو يشارك منشوراً عن أزمة اقتصادية داخل قارة أخرى، أو ينخرط ضمن نقاش عالمي حول قضية ثقافية لا تمس حياته مباشرة. وهذا ما يخلق مفارقة قاسية، بحسب علم النفس الرقمي، أي الإحساس المتضخم بالانخراط في "العالم" مقابل إحساس متزايد بالعجز عن التأثير الفعلي في أي شيء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وطاول التأثير العائلة أيضاً، فالأسرة التي كانت تجتمع مساء لمشاهدة نشرة الأخبار أو برنامجاً حوارياً قبل أن تنتقل إلى موضوعات البيت والمدرسة والعمل، باتت اليوم تجلس حول طاولة واحدة وكل فرد يمسك هاتفه، تغيرت صورة العلاقات بين أفراد الأسرة نفسها عبر التواصل المباشر المحدود مما يؤدي إلى مزيد من سوء الفهم، لأن كل فرد يتلقى رواية مختلفة للحدث نفسه، وإلى مزيد من العزلة على رغم الوجود الجسدي المشترك. فالخوارزميات تقدم لكل فرد مزيداً من المحتوى الذي يشبه ما أحبه سابقاً، وهذا ما ينعكس على قدرة المجتمع كأفراد وعائلات وجماعات على التفاهم واتخاذ قرار جماعي، لأن الوصول إلى أرضية مشتركة يصير أصعب.

طزاجة المفردات العلمية

نمط الحياة الجديدة القائم على سيل من الأخبار والتمرير اللانهائي الذي يؤدي إلى تعدد الروايات للحدث نفسه، بالتالي إلى الإنهاك العاطفي، لم تتجمع بعد في اسم واحد في كتب الطب النفسي حتى الآن. لكنها تصنع معاً حالاً يمكن وصفها بهذا التعبير المجازي "ذهان الواقع الجديد". والذهان المقصود هنا ليس هلوسات بالمعنى الكلاسيكي، بل تضخم في حضور العالم على حساب حضور الذات، وليس قطيعة تامة مع الواقع بل التباس دائم بين "ما أعيشه" و"ما أستهلكه".

 

ولن يدل هذا التعبير على شخصية منقسمة سريرياً بل على نسخ متعددة للذات الفردية الواحدة، موزعة على حسابات مختلفة وشاشات مختلفة فتجعله ذا صور كثيرة، واحدة هي صورته عن نفسه، وأخرى هي صورته داخل مجتمعه وبين الآخرين، ثم صورة الآخرين عنه. فيصير الفرد كما لو أنه يجلس في غرفة على كرسي ويطالع هاتفه بينما هناك عشرات الكاميرات مصوبة نحوه، وعشرات الكاميرات الأخرى يصوبها هو نفسه نحو الآخرين. وهذا ما يتسبب في الإرهاق والتوتر والقلق بسبب إحاطته بكمية هائلة من الأحداث والصور والأفكار التي تفوق قدرته على الفهم، وعلى رغم ذلك عليه أن يتعامل معها كما لو كانت جزءاً طبيعياً من يومه وإلا شعر بأنه خارج الجماعة أو كأنه ينفي نفسه عنهم، وهم سيرونه كما لو أنه غريب الأطوار إذا لم يكن يملك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي مثلاً.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات