Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوعي الزائف... الخوارزميات حين نتوهم بأنها تفهمنا

البرامج تزودنا بما يتكرر لا بما يطلب ونحن نعتقد بأننا حصلنا على ما نريد

هل تتحول تصرفات الإنسان في المستقبل إلى ما يشبه الآلة (غيتي)

ملخص

يفرق البروفيسور نيد بلوك بين وعي نفعي يعالج المعلومات ووعي شعوري يختبر الإحساس الداخلي، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي يمتلك الأول دون الثاني. فالآلة تحاكي الفهم لكنها لا "تشعر"، مثل برنامج "إليزا" الذي أوهم الناس بالوعي دون أن يملكه.

خلال مقابلة سابقة مع البروفيسور نيد بلوك، أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك وأحد أبرز المتخصصين في فلسفة العقل والوعي، تتهاوى واحدة من أكثر الأساطير التقنية رسوخاً، أن الذكاء الاصطناعي قادر على "الوعي".

بلوك يفرق بوضوح بين نوعين من الوعي، وعي نفعي يعالج المعلومات ويصل إليها (Access  Consciousness)  ووعي ظاهري شعوري (Phenomenal Consciousness) ، ذلك الإحساس الداخلي الذي يجعلنا نعرف كيف يبدو الألم، وما معنى أن نحب أو نخاف أو نحلم.

تجارب زلزلت مفهوم الوعي

"الآلة" كما يقول "قد تحاكي الوعي"، لكنها لا تعيشه، فهي تنتج السلوك الصحيح من دون أن تدرك معناه، كمرآة تفهم شكل الصورة لا روحها، ومن دون ذلك الشعور الحار بالألم أو الفرح الذي يجعل الحياة تستحق التنفس، يستعرض البروفيسور بلوك سلسلة من التجارب الذهنية التي زلزلت مفهوم الوعي ذاته ومن بينها "غرفة ماري" التي تعرف كل شيء عن اللون الأحمر من دون أن تراه، وحين تراه تدرك فجأة ما لا يمكن أن يقال بالكلمات، و"الدماغ الصيني" الذي يظهر أن أداء الأفعال لا يعني وجود إدراك، ثم "بلوكهيد" (Blockhead)، آلة افتراضية تحفظ كل المحادثات الممكنة، فتجتاز اختبار "تورينغ" ببراعة، لكنها تظل خاوية من أي شعور.

ثم يضرب مثالاً بسيطاً، حين طلب من إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي توليد صور لساعات تشير إلى الساعة الـ12 وثلاث دقائق، فجاءت جميعها تقريباً تظهر العاشرة و10 دقائق لأن هذا النمط هو الأكثر شيوعاً في صور الإنترنت والإعلانات. وهكذا تعلمت الخوارزمية ما يتكرر لا ما يطلب، مكرسة بذلك أحد أعمق مظاهر الوهم، التقليد بلا إدراك، مما يسميه "محاكاة ذكية لكنها بلا وعي"، وهو جوهر الفكرة التي يحذر منها أن الآلة تتقن الصواب شكلاً، لكنها تفتقد إلى معنى الصواب نفسه.

تأثير ELIZA

ومن هذا الباب يدخل المثال الأشهر "إليزا" ELIZA، البرنامج الذي طوره جوزيف فايزنباوم في "أم آي تي" MIT  عام 1966، وكان مجرد نصوص جاهزة تعيد صياغة كلام المستخدم بأسلوب يوحي بالفهم:

المستخدم: أنا حزين هذه الأيام.

ELIZA: لماذا تشعر بالحزن هذه الأيام؟

المستخدم: أمي لا تفهمني.

ELIZA: هل تتحدث كثيراً مع والدتك؟

ولم تكن "إليزا" تملك أية معرفة أو وعي، بل كانت مبرمجة بأسلوب يخلق وهم الفهم. ومن هنا ولد ما يعرف بـ "تأثير إليزا" (ELIZA Effect) الوهم بأن الآلة واعية لأنها تتحدث مثل البشر. والمفارقة أن هذا التأثير لم يتلاشَ، بل تضاعف اليوم في عصر النماذج اللغوية الحديثة التي تتحدث بطلاقة وذكاء لغوي مبهر، حتى خُيّل لكثرٍ أنهم أمام "عقل رقمي" حقيقي. لكن الحقيقة أننا نحاور خوارزمية بارعة في التنبؤ بالكلمات، تفكر بسرعة الإلكترونيات من دون نبض القلب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

هل تحول الإنسان إلى ظل للخوارزميات؟

ومن هذا المنعطف تحديداً، ينتقل البروفيسور بلوك إلى قلب القضية، ليست المشكلة في التقنية ذاتها، بل في وعينا بها.

فكل تقدم علمي لا يسبقه وعي إنساني يتحول إلى خطر حضاري. وهنا يذكّرنا بأن التحول الرقمي لا يقاس بعدد المعالجات ولا بقدرات الخوارزميات، بل بقدرتنا على الإبقاء على الإنسان، بوعيه وأخلاقه ومسؤوليته، في مركز المشهد.

فالضمير هنا ليس شعاراً أخلاقياً، بل نظام توجيه يحمي الإنسان من أن يصبح مجرد تابع لذكاء اصطناعي بلا غاية أو بصيرة.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي الذي نواجهه اليوم، ألا يتحول الإنسان إلى ظل لخوارزميات تصوغ تفكيره وتختصر وعيه، وأن نحافظ على المسافة الفاصلة بين الذكاء المصنع والذكاء الأصيل، وبين ما تنتجه الخوارزميات وما تلهمه التجربة الإنسانية، وبعبارة أخرى أن نحافظ على الفارق الخفي بين ذكاء يبرمج وذكاء يبدع، وبين معرفة باردة وشعور حيّ.

ولذلك، لا يسأل البروفيسور بلوك إن كانت الآلة ستصبح واعية، بل إن كان الإنسان سيتوقف عن التساؤل حين يظن أن الآلة تفكر بدلاً منه.

لقد بدأت الحكاية بـ"إليزا" التي جعلتنا نصدق أنها تفهم، وها هي تستمر اليوم في وجوه جديدة أكثر إقناعاً وخفاء. فالخطر الحقيقي ليس أن تصبح الآلة "عاقلة"، بل أن نصبح نحن نفكر مثلها، بسرعة... ومن دون عمق أو مشاعر إنسانية حقيقية.

لذا، فإن النماذج اللغوية الحالية والمطروحة بين أيدينا اليوم، يمكنها معالجة المعلومات والوصول إليها بكفاءة فائقة (الوعي النفعي)، لكنها بالتأكيد لا تمتلك الإحساس الداخلي أو الشعور الذاتي. فهي "لا تشعر" بمعنى الفرح أو الحزن، بل تقوم بتحليل الأنماط اللغوية المرتبطة بهذه المشاعر وتقدم استجابة مبنية على هذا التحليل.

وفي زمن الانبهار بالذكاء الاصطناعي، يأتي صوت البروفيسور بلوك ليذكّرنا بالجانب الأهم، الإنسان.

ويبقى السؤال الأخير مفتوحاً على الهاوية:

إن كنا قد صنعنا آلة تتحدث، فمن الذي سيتحدث باسمنا غداً؟

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل