Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يعني سماح إسرائيل لسفر الحالات الإنسانية في غزة؟

تل أبيب تسعى إلى عدم عودتهم أما القاهرة فلا تمانع في المغادرة لكن بشرط عودتهم

يعد معبر رفح في فترة الحرب أو قبلها شريان الحياة لقطاع غزة (اندبندنت عربية - مريم أبو دقة)

ملخص

يعد الغزيون أنفسهم حالات إنسانية تستحق السفر، لكن من المسموح له بمغادرة القطاع؟

بعد تنصل استمر لمدة شهرين، قررت إسرائيل إعادة فتح معبر رفح، المنفذ الوحيد المخصص فعلياً لسفر الأفراد من غزة إلى العالم، وعلى رغم أن اتفاق السلام ينص على حرية الحركة ذهاباً وإياباً فإن تل أبيب صممت على أن تحوله إلى ممر أحادي الاتجاه تسافر منه الحالات الإنسانية فقط.

في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام والازدهار في غزة، نص البند الثامن على أن "يفتح معبر رفح في الاتجاهين وبالآلية نفسها التي كانت مطبقة بموجب اتفاق الـ19 من يناير (كانون الثاني) الماضي"، ويعني ذلك النص بكل وضوح تشغيل المنفذ للراغبين في السفر وأولئك الذين يريدون العودة لغزة المدمرة.

أمل وترقب

في غزة بدأ الأمل والترقب يسيطران على قلوب السكان الذين يتوقون إلى السفر من مدينة مدمرة تنتشر فيها الأمراض والموت، إذ يعد معبر رفح شريان الحياة لهم، فهو البوابة الوحيد أمامهم للسفر إلى أي مكان ربما يوفر لهم قليلاً من الراحة بعد معاناة، لكن إسرائيل سلبتهم هذا الشعور عندما قررت تشغيله للحالات الإنسانية فقط.

وتجاهل الغزيون الخلاف الذي نشب بين مصر وإسرائيل بسبب تشغيل معبر رفح كممر في اتجاه واحد، وتجاهلوا كل معاني فتح الباب أمامهم للخروج فقط من القطاع، وصبوا تركيزهم وحديثهم الشعبي وتحليلاتهم البسيطة حول سؤال واحد "هل نحن من الحالات الإنسانية المسموح لها بالسفر؟".

ويؤمن جميع الغزيين بأنهم حالات إنسانية تستحق السفر، بخاصة بعد ويلات حرب لم ترحمهم قتلاً ومرضاً وجوعاً ونزوحاً، وعلى رغم أنهم يعارضون فكرة تهجيرهم الدائم من القطاع، فإنهم يبحثون عن أية فرصة لمغادرة مدينتهم المنكوبة، على أن يعودوا لها بعد ذلك، وكأنهم يبحثون عن رحلة نقاهة في الأقل.

فئات الحالات الإنسانية

"ما المقصود بالحالات الإنسانية؟" يسأل كريم، لكنه لا ينتظر أية إجابة فهو يعرف معناها تماماً، ويقول "ألا يعد الشخص المحاصر منذ 20 عاماً حالة إنسانية، وهل ’المجوع‘ عمداً حالة إنسانية تستحق السفر، والشخص الذي دمر الجيش الإسرائيلي بيته أليس حالة إنسانية".

يقسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة الحالات الإنسانية للسفر إلى ثماني، الأولى خطر الاضطهاد، وهم الأشخاص الذين يخشون الاضطهاد بسبب عرقهم أو دينهم أو جنسيتهم أو رأيهم السياسي، أو عضويتهم في فئة اجتماعية معينة.

والثانية الصراعات المسلحة والحروب وهؤلاء هم الأشخاص الذين يفرون من مناطق النزاع والحروب، سواء كانوا نازحين داخلياً أو لاجئين، أما الثالثة فهم المتضررون من الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات الذين قد يفقدون منازلهم وممتلكاتهم.

والفئة الرابعة هم ضحايا الجرائم مثل الاتجار بالبشر والعنف المنزلي والإساءة، والخامسة لم الشمل، أما السادسة فهم حالات ضعف خاصة مثل الأشخاص غير القادرين على الحصول على حماية فاعلة في بلدانهم الأصلية، أما السابعة فهم الذين يحتاجون إلى علاج طبي عاجل غير متوافر في بلدهم، والفئة الأخيرة هم طلاب العلم خارج دولتهم.

وبحسب خطة ترمب، فمن المفترض أن يكون سفر الغزيين من القطاع شاملاً وغير مخصص للحالات الإنسانية، لكن إسرائيل التي لا تلتزم البنود تريده فقط للحالات الطارئة وليس لكل الأشخاص على رغم أنها تسعى إلى تهجير الغزيين.

 

ويقول فياض "جميع سكان غزة يندرجون تحت الحالات الإنسانية التي حددها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، لكن لا أعتقد بأن إسرائيل ستلتزم ما هو منصوص عليه في الهيئة الدولية، ولديها تعريف خاص لمصطلح الحالات الإنسانية وتعد المرضى فقط المسموح لهم بالسفر".

لدى معتصم رأي آخر، إذ يقول "بما أن إسرائيل تريد تهجير الغزيين، إذاً هذه المرة ستفتح معبر رفح أمام جميع الراغبين في السفر وستبرر ذلك بأنهم حالات إنسانية تستحق المغادرة، وستخلق تعريفات متنوعة لتضمن مغادرة أكبر عدد من السكان، هذا تهجير وتريده تل أبيب، في البداية ستسمح للحالات المرضية الصعبة، وبعد ذلك ستوسع دائرة المستفيدين".

بحسب اتفاق يناير سيئ السمعة

في غزة، ينتظر آلاف المواطنين بمن فيهم المرضى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل، والطلاب وأصحاب الإقامات في الخارج هذه الانفراجة بفارغ الصبر بعد أشهر طويلة من الإغلاق الذي فاقم من معاناتهم الإنسانية، لكن ماذا تريد إسرائيل؟

تعيد تل أبيب فتح معبر رفح على أساس اتفاق يناير، مما يعني أن الغزيين يسمح لهم بالسفر بالتنسيق مع مصر، بعد الحصول على موافقة أمنية من إسرائيل، وتحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي، من دون وجود "حمساوي" على المعبر لكن بوجود فلسطيني محدود من العاملين ضمن دائرة المعابر في السلطة الفلسطينية.

ووفقاً لاتفاق يناير الذي يصفه سكان غزة بأنه سيئ السمعة، كانت تل أبيب سمحت للمرضى فقط بالخروج من غزة، وعدتهم الحالات الإنسانية المسموح لها بالسفر، ولم تمنح الطلاب أو حملة الجنسيات أو الذين يرغبون في لم شملهم مع عائلاتهم بالسفر، إذ لم تصنفهم حالات طوارئ إنسانية.

وضمن ذلك الاتفاق، كانت الحافلة تنتظر قرب مستشفى ناصر وبعد أن يصعد على متنها 40 أو 50 مريضاً على الأكثر تنطلق بهم إلى معبر رفح، ولم يكُن ذلك الإجراء يلبي حاجات المجتمع الغزي، إذ كان هناك طلاب يريدون التعلم في جامعات دولية وفئات أخرى جميعهم حرموا من السفر.

مصر: سفر وعودة للحالات الإنسانية فقط

حالياً تريد إسرائيل تكرار السيناريو نفسه، لكن مصر ترفض ذلك، ويقول رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المصرية ضياء رشوان "في حال تم الاتفاق، فإن القاهرة ستسمح لأهالي غزة بالعودة للقطاع مرة أخرى، لكن سنستقبل فقط الجرحى والمصابين والحالات الإنسانية من غزة".

ويضيف أن "قرار إسرائيل فتح معبر رفح في اتجاه واحد يعني فتح الباب لعملية تهجير ناعمة، هذا مخطط إسرائيلي لإفراغ القطاع تدريجاً عبر الضغط الإنساني واستغلال انهيار الأوضاع المعيشية، فخروج الجرحى لتلقي العلاج في مصر أو الخارج مهم، لكن في الوقت نفسه لا توجد أية ضمانة لعودة هؤلاء بعد خروجهم، مما يجعل الاستفادة الإنسانية محفوفة بثمن سياسي وديموغرافي كبير".

من الواضح أن إسرائيل ومصر تريدان أن يخصص معبر رفح للحالات الإنسانية، لكن القاهرة ترغب في أن يطبق ذلك بحسب خطة ترمب للسلام وليس بناء على مصالح تل أبيب،

فالبند 12 من خطة ترمب يورد أن "أحداً من سكان غزة لا يجبر على مغادرتها طوعاً أو قسراً وحتى إذا غادرها طوعاً يحق له أن يعود، وهذا ينطبق على فتح المعبر من الجانب المصري".

17 ألف حالة مرضية

في المحصلة، فإن طرفي المعبر يريدان الحالات الإنسانية من المرضى فقط، وأعداد هؤلاء ضخمة جداً في غزة، ويوضح منسق عمليات الإجلاء الطبي في منظمة "أطباء بلا حدود" هاني سليم "هناك 17 ألف حالة مرضية تنتظر السفر".

 

ويقول "إذا عمل معبر رفح بالوتيرة نفسها التي اشتغل فيها في يناير الماضي، فإن متوسط عدد المرضى المغادرين للقطاع شهرياً سيبلغ 1500 مريض، وربما ينخفض المتوسط الشهري إلى نحو 70، وفي الواقع لا يبدو أن وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة أسهم في تسريع العملية".

الطلاب يستعدون

ويسعى الطلاب في غزة إلى الانضمام لقائمة المسموح لهم بالسفر وألا يقتصر أمر الحالات الإنسانية على المرضى فقط، فهناك كثير من الطلاب الذين سجلوا أسماءهم في قوائم من أجل أن تتبناها جهة تنسق لإخراجهم والمساعدة في سفرهم.

ويقول الباحث السياسي تيسير عبد "بعضهم يروج منذ لحظة إعلان إعادة فتح معبر أن موسم التهجير بدأ، الغزيون بشر في الأساس، ولديهم حاجات إنسانية مؤجلة منذ أكثر من عامين بعد حرب طاحنة، وبينهم طلاب يبحثون عن مستقبلهم وأحلامهم، وهناك عائلات وأسر مشتتة، ولا يجوز أن يبقى هؤلاء وقوداً لمعارك خاسرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أن "ما يجب استدعاؤه في الوقت الحالي هو حق الضحايا في قانون دولي وممرات آمنة تنقذهم من الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي أهلكت 10 في المئة من أعداد مواطني غزة، ومصر لن تسمح بأية طريقة بنزوح أو تهجير جماعي، ولو أرادت ذلك لفعلته منذ البداية".

هندسة ديموغرافية

وإسرائيل تريد من قرارها بسفر الغزيين من دون السماح لهم بالعودة لغزة إعادة هندسة ديموغرافيا القطاع ومحاولة تهجير سكانه لتحقيق هدف الرئيس الأميركي في تحويل القطاع إلى منطقة خالية من السكان، استعداداً لبناء "ريفييرا الشرق الأوسط".

ويقول الباحث السياسي أيمن دلول "فتح المعبر باتجاه واحد يعكس رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مخاطبة اليمين الإسرائيلي والإيحاء بأنه يحقق مطلب تفريغ غزة من سكانها، وهذا دليل على وجود ترتيبات إسرائيلية لتهجير الغزيين".

ويضيف أن "المرحلة الحالية يفهم منها وكأن الإسرائيلي يريد استغلال مرحلة تخفيف وتيرة إطلاق النار في غزة لإنجاح ما عجز عنه ألا وهو التهجير، واشتراط خروج السكان بموافقة أمنية يعني ربط كل حركة بالمصلحة الإسرائيلية، مما يعطي نية للتهجير".

ويتابع دلول أن "إعادة إنتاج رفح كممر تفريغ يعني أن المعبر يتحول إلى أداة خروج بلا دخول، هدفه تفريغ سكاني، في ظل غياب سيادة فلسطينية، مما يدلل على أن البوابة تفتح للخروج لا للحياة".

ويوضح أن "إسرائيل تقدم مرونة إنسانية للاستهلاك الدولي، فيما تحاول هندسة مرحلة ما بعد الحرب، لكن مصر متنبهة لمسؤوليتها وخطوطها الأمنية واضحة، فالقاهرة تتعامل مع الملف كمسألة أمن قومي، وتقول ليس هناك توطين ولا تغيير ديموغرافي ولا فتح دائم، وهي تحاول منع تحويل سيناء إلى ممر نزوح أو منطقة عازلة سكنية".

ويشرح أن "فتح معبر رفح للخروج فقط، ليس إجراء إنسانياً بحتاً، بل خطوة سياسية ديموغرافية استراتيجية، تعيد تعريف غزة بعد الحرب، وإذا لم تضبط القاهرة والجهات الدولية الإطار جيداً، فقد يتحول الممر الإنساني إلى مسار هجرة صامت يعيد رسم الخريطة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير