ملخص
شكلت الأحزاب السياسية والقوى الأجنبية في بداية الانقلابات خصوماً رئيسة للقادة العسكريين الجدد في أفريقيا، لكن الصراع امتد إلى داخل المجالس العسكرية، مما عكس حجم طموحات هؤلاء القادة، لذلك عرفت دول مثل بوركينا فاسو انقلابين متتاليين شأنها شأن مالي، فيما شهدت واغادوغو أخيراً محاولة لاغتيال النقيب إبراهيم تراوري في خطوة تعكس حجم الهشاشة الأمنية وضعف بنية الحكم في هذه الدول.
تشهد أفريقيا جدلاً سياسياً واسعاً في شأن خطوات أقرتها المجالس العسكرية الحاكمة من شأنها إطالة عمر القادة الحاليين على رغم الوعود التي أطلقوها سابقاً بتكريس الديمقراطية والتعددية.
ففي غينيا بيساو، أقر المجلس الوطني الانتقالي تعديلات على الدستور تعزز من صلاحيات الرئيس وهو قائد الانقلاب الذي عرفته البلاد، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في تحد لضغوط تدفع بها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" من أجل استعادة الحكم المدني.
وغينيا بيساو ليست الوحيدة في أفريقيا التي تعرف "انقلاباً ناعماً" إذ شهدت دول مثل مالي وبوركينا فاسو والكاميرون نماذج مماثلة وإن اختلفت في الشكل والإجراءات.
استمرار في الحكم
وشكلت الأحزاب السياسية والقوى الأجنبية في بداية الانقلابات خصوماً رئيسة للقادة العسكريين الجدد في أفريقيا، لكن الصراع امتد إلى داخل المجالس العسكرية، مما عكس حجم طموحات هؤلاء القادة، لذلك عرفت دول مثل بوركينا فاسو انقلابين متتاليين شأنها شأن مالي، فيما شهدت واغادوغو أخيراً محاولة لاغتيال النقيب إبراهيم تراوري في خطوة تعكس حجم الهشاشة الأمنية وضعف بنية الحكم في هذه الدول.
في السياق، رأى الباحث السياسي محمد تورشين أن "لجوء المجالس العسكرية في أفريقيا إلى تعديلات دستورية وإصدار مراسيم دستورية هدفها البقاء في السلطة وترسيخ أركان حكمها في تلك البلدان حتى يتسنى لها الحصول على تفويض ودعم شعبي في أول عملية انتخابية مقبلة"، وأوضح تورشين أن "المراسيم والتعديلات التي تحدث الهدف منها ضمان الاستمرار في الحكم بما أنها تدعم المشاريع التي تطرحها والتحديات والإشكالات التي تعانيها هذه الدول"، وحذر المتحدث ذاته من أن هذه التعديلات ستكون لها تبعات سيئة على الاستقرار السياسي في هذه الدول لأن هؤلاء القادة يستهدفون الحكومات الدستورية من خلال الانقلابات ويقومون بتعطيل الحياة السياسية سواء بتعليق الدستور أو إيقاف عمل الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والمنظمات مما سينعكس سلباً على الاستقرار السياسي، وفق قوله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تآكل الشعبية
منذ بداية عصر الانقلابات الجديد في منطقة غرب أفريقيا عام 2020 نجح العسكريون في حشد الرأي العام لصالحهم من خلال ترويج ارتهان الحكومات السابقة إلى أطراف أجنبية الأمر الذي شجع جيوشاً أخرى على التحرك، وأدى هذا الأمر إلى تقويض الديمقراطية، بصورة كبيرة في المنطقة وسط عجز من التكتلات الإقليمية مثل "إيكواس" والاتحاد الأفريقي عن التحرك لوقف حمى الانقلابات، إذ شهدت القارة السمراء، في الأشهر الماضية، انقلابات جديدة في دول مثل غينيا بيساو ومدغشقر، وهي انقلابات دعمها الشارع، بشكل كبير، في مشهد يثير تساؤلات كبيرة حول دلالاته، إذ باتت شعوب المنطقة أكثر ميلاً إلى دعم الانقلابات على عمليات سياسية تتوفّر فيها شروط مساءلة القادة ومراقبتهم.
واعتبر الباحث السياسي عيسى مونكايلا أن "جهود القادة العسكريين في أفريقيا لتغيير الدساتير وإقرار إجراءات تتيح لهم البقاء في السلطة فترة أطول تفرز في الواقع نتائج عكسية، فعلى رغم نجاحهم في ذلك من خلال إشاعة مناخ من الخوف في صفوف الأحزاب السياسية والمنظمات والمعارضين فإن شعبيتهم في تآكل مستمر"، وبين مونكايلا في تصريح خاص أن "شعبية هؤلاء القادة تتآكل لسبب بسيط لأنهم يريدون البقاء في السلطة من دون إنجازات أمنية أو اقتصادية ملموسة إذ تتزايد الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة في دول مثل مالي والنيجر، إضافة إلى نكث هؤلاء بوعودهم بتسليم السلطة إلى المدنيين"، وشدد على أن "معاداة فرنسا، وحدها، لا تكفي للبقاء في السلطة، ومع الأسف لا يبدو أن هؤلاء القادة يحملون خططاً واضحة لإدارة الحكم، ولا تسليم السلطة إلى المدنيين، ومن ثم هم نجحوا في تكريس حكمهم بالقوة، لكنه قد يهتز في أي لحظة بسبب خلافات داخلية أو انتفاضات شعبية".
لا أدوات ضغط
في خضم تشبث العسكريين بالسلطة، فإن دوائر سياسية ومراقبين في الدول الأفريقية المعنية يطرحون تساؤلاً محورياً، هل لدى المنظمات والتكتلات الإقليمية والقوى الدولية أدوات ضغط يمكن التلويح بها بوجه هؤلاء؟ أجاب مونكايلا "في الواقع لا يملكون أي أوراق يمكن الضغط بها، بل بالعكس في النيجر على سبيل المثال، قادت العقوبات الاقتصادية التي فرضتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا إلى تعزيز موقف عبدالرحمن تياني ورفاقه العسكريين لأن الشارع بات ينظر إلى بلاده على أنها مستهدفة وأن رئيسها الانتقالي بحاجة إلى دعم والتفاف حوله"، وأكد أنه "في بعض الأحيان تلوّح هذه التكتلات أو المنظمات بتدخل عسكري أو عقوبات أكثر صرامة، لكنها عاجزة عن المضي قدماً في ذلك أيضاً باعتبار أن هناك انقساماً داخلها حول كيفية التعاطي مع الانقلابيين العسكريين".
وفي ظل نجاح المجالس العسكرية في تعزيز قبضتها على السلطة في كثير من الدول الأفريقية فإن مستقبل العملية السياسية والحكم الديمقراطي، الذي شكل نجاحه في الأعوام الماضية في دول مثل النيجر بارقة أمل حقيقية، يلفه كثير من الغموض لا سيما في ظل غياب استعداد لإعادة السلطة إلى المدنيين.