Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضرورة تسليح حلفاء أميركا نوويا

الانتشار الانتقائي وسيلة لتعزيز النظام العالمي

وحدة منظومة صواريخ باليستية عابرة للقارات في موسكو، مايو 2025 (رويترز)

ملخص

على الولايات المتحدة إعادة النظر في التزامها الصارم بمنع الانتشار النووي، وتشجيع حلفاء موثوقين مثل ألمانيا واليابان وكندا على امتلاك أسلحة نووية بشكل انتقائي. هذا التوجه، رغم ما يثيره من جدل ومخاوف شعبية، يعزز قدرة حلفاء أميركا على الدفاع عن نفسها، يقلل اعتمادها العسكري على واشنطن، ويعيد التوازن العسكري العالمي لصالح النظام القائم على القواعد، مما يسهم في استقرار النظام الدولي ويمنع قوى استبدادية مثل روسيا والصين من تقويضه.

قلة هي السيناريوهات التي تبعث الخوف في نفوس الخبراء وصناع السياسات مثل سيناريو انتشار الأسلحة النووية. فتهديد روسيا باستخدام أسلحة نووية تكتيكية في حربها ضد أوكرانيا، ورغبة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الغامض بإجراء تجارب نووية، واقتراب موعد انتهاء صلاحية معاهدة نيو ستارت لعام 2010 (التي تحد من حجم الترسانات النووية الروسية والأميركية) قد ذكّرت العالم بما تملكه الأسلحة النووية من قدرة تدميرية هائلة وأعادت إحياء المخاوف من استخدامها. فالقادة الأميركيون مقتنعون بأن انتشار الأسلحة النووية سيُلحق ضرراً بالغاً بالمصالح الاستراتيجية الأميركية ويزيد من زعزعة استقرار النظام العالمي الهش أصلاً. وفي الأشهر الأخيرة، ضاعفوا التزامهم بمنع الانتشار، وأظهرت ضربات يونيو (حزيران) ضد المواقع النووية في إيران أن واشنطن ستستخدم القوة لمنع مزيد من الدول من امتلاك قنبلة نووية.

طوال عقود من الزمن، استثمرت الولايات المتحدة في نظام قائم على منع الانتشار النووي، حتى مع انتهاء صلاحية اتفاقيات نزع السلاح التي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، مثل معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية. وعلى الرغم من أن معارضة فكرة انتشار الأسلحة النووية بين الدول والخصوم غير الموثوق بهم تبدو منطقية، فإن الرفض المطلق لأي انتشار إضافي لها يحجب الفوائد الكبيرة التي يمكن أن توفرها. وفي الواقع، سيكون من الأفضل للولايات المتحدة أن تعيد النظر في التزامها الصارم بمنع الانتشار، وأن تشجع مجموعة صغيرة من الحلفاء، وتحديداً كندا وألمانيا واليابان، على امتلاك أسلحة نووية. فمن منظور واشنطن، سيسمح الانتشار النووي الانتقائي لهؤلاء الشركاء بتولي أدوار أكبر في الدفاع الإقليمي، ويقلل من اعتمادهم العسكري على الولايات المتحدة. وبالنسبة إلى هؤلاء الحلفاء، يوفر امتلاك الأسلحة النووية الحماية الأكثر ثباتاً ومصداقية ضد تهديدات الأعداء الإقليميين، مثل الصين وروسيا، إضافة إلى حماية أنفسهم في مواجهة تراجع التزام الولايات المتحدة بتحالفاتها التقليدية.

قد يصاب المتشككون والمتشائمون بشأن الأسلحة النووية بالذعر من تصوّر عالم يحوي مزيداً من القوى النووية، لكن هذه المخاوف تصبح أقل تسويغاً عند اتباع نهج انتقائي في انتشار الأسلحة النووية. لقد أثبتت كندا وألمانيا واليابان جدارتها في صناعة القرارات الرشيدة وتحقيق الاستقرار الداخلي، مما يجعل وقوع الحوادث النووية وأي تصعيد غير منضبط أمراً مستبعداً. وإذا أديرَ هذا الانتشار النووي بطريقة دقيقة ومسؤولة، فهناك أسباب كافية للاعتقاد بأن حصول هذه الدول على الأسلحة النووية لن يدفع دولاً أخرى إلى بذل جهود واسعة النطاق لتطوير قنابلها النووية الخاصة.

وبدلاً من أن يفتح الانتشار الانتقائي باباً أمام عهد جديد مُخيف من عدم الاستقرار العالمي، فإنه سيُسهم في ترسيخ نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. فإذا امتلكت كندا وألمانيا واليابان أسلحة نووية، سوف يعيد ذلك موازنة القدرات العسكرية العالمية لصالح تحالف من الدول الملتزمة بالنظام القائم على القواعد، وسيسهم في وقف تآكل أهم معايير هذا النظام، وبخاصة سلامة الأراضي. وهكذا، سيُنعش الانتشار الانتقائي نظام ما بعد عام 1945 المتداعي الذي أفاد الولايات المتحدة وحلفاءها بشكل كبير.

مكاسب للجميع

أكد كبار المسؤولين الأميركيين مراراً وتكراراً ضرورة نقل عبء الدفاع القاري إلى الحلفاء الأوروبيين وتقليل اعتمادهم العسكري على الولايات المتحدة. ففي مواجهة التحدي الجيوسياسي المتمثل في صعود الصين في شرق آسيا، ومع الضغوط على الموارد لمعالجة القضايا الداخلية، أصبحت واشنطن ترى في إنهاء الانتفاع الأوروبي المجاني من المظلة الأمنية الأميركية أولوية استراتيجية قصوى. إن ما يعيق قدرة أوروبا على توفير أمنها بنفسها اليوم، وبالتالي يحول دون تراجع كبير في الوجود الأميركي، هو غياب القوة النووية الألمانية. طوال الحرب الباردة، كان قادة الولايات المتحدة يأملون في سحب القوات الأميركية من أوروبا، لكنهم قرروا أنه ما لم تحصل ألمانيا على قدرة ردع نووية، فلن تتمكن القارة من ضمان أمنها. وكما أشار المؤرخ مارك تراكتنبرغ، فقد خلصت الولايات المتحدة، عن حق، إلى أن الترسانتين النوويتين البريطانية والفرنسية "لا تستطيعان توفير المستوى اللازم من الطمأنينة" لضمان أن تكون أوروبا قادرة على ردع الاتحاد السوفياتي وترسانته النووية الضخمة. واليوم، لا يزال العائق نفسه قائماً. لذا، فإن تشجيع ألمانيا على تطوير أسلحتها النووية من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى خلق أوروبا مكتفية ذاتياً تسمح بخروج الولايات المتحدة.

ويُدرك القادة الألمان والشعب الألماني أن الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة يجعل بلادهم رهينة لأهواء واشنطن. بعد فترة وجيزة من انتخابه في فبراير (شباط) 2025، أعلن المستشار فريدريش ميرتس أن الوقت قد حان "لتحقيق الاستقلال" عن الولايات المتحدة، وأصبح منذ ذلك الحين من أشد المؤيدين لإعادة التسلح على نطاق واسع. لكن بناء القدرات التقليدية الألمانية سيستغرق وقتاً طويلاً، ولا تزال برلين تفتقر إلى رؤية واضحة حول كيفية الوفاء بهدف الإنفاق الدفاعي الطموح البالغ 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الذي اتفق عليه ميرتس وقادة أوروبيون آخرون في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في يونيو الماضي. واستطراداً، فإن التزامات ألمانيا المستمرة بتوفير العتاد الحربي لأوكرانيا، وإحجام السكان عن أداء الخدمة العسكرية، يُعيقان تسريع عملية بناء القدرات العسكرية التقليدية. أما تطوير قوة نووية مستقلة، فمن شأنه أن يحمي ألمانيا من احتمال انسحاب أميركي مفاجئ من أوروبا، ويوفر في الوقت نفسه طريقة عملية وفعالة للوفاء بتعهد الخمسة في المئة.

واستطراداً، سيسهم توسع قدرات اليابان النووية بشكل كبير في تحقيق الهدف الرئيس للولايات المتحدة في شرق آسيا، ألا وهو احتواء الصين من خلال تحالفات إقليمية قوية. فمن وجهة نظر واشنطن، يتمثل التهديد الرئيس لبكين في إمكانية تحقيقها هيمنة إقليمية وتطوير قدراتها العسكرية لتهديد الولايات المتحدة ومصالحها بشكل خطير، من خلال تعطيل سلاسل توريد أشباه الموصلات على سبيل المثال، أو إنشاء قواعد متقدمة خارج أراضيها في شرق آسيا وحتى أبعد من ذلك. وستشكل هذه الهيمنة الإقليمية الصينية تحدياً كبيراً لواشنطن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الواقع، تتمتع اليابان بالفعل بميزة دفاعية نابعة من كونها دولة أرخبيلية يفصلها البحر عن خصومها. وإذا اقترنت هذه الميزة بقدرات نووية مستقلة، فإن ذلك سيضمن بشكل فعال الحفاظ على أمن اليابان في مواجهة التهديدات الخارجية، وسيكفل عدم وقوعها تحت السيطرة الصينية. فبالإضافة إلى تعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها، ستقدم اليابان المسلحة نووياً شكلاً أكثر مصداقية وسرعة من الردع الممتد في شرق آسيا مما تستطيع الولايات المتحدة توفيره. وقد تشكك الصين في استعداد واشنطن للمخاطرة بحرب نووية بسبب التطورات في شرق آسيا، لكن قرب اليابان ومصلحتها المباشرة في الاستقرار الإقليمي يجعلان التزاماتها أكثر مصداقية بكثير.

إن اليابان المسلحة نووياً ستشكل عاملاً إضافياً للخصوم في سيناريوهات تصعيد الأزمات، مما يسمح برد فعال على العدوان الصيني من دون استدراج الولايات المتحدة مباشرة إلى المواجهة. فعند التفكير في هجوم على اليابان، ستضطر الصين إلى مراعاة التكاليف الباهظة للرد الياباني بغض النظر عن أي دعم أميركي إضافي. كما أن امتلاك الأسلحة النووية سيجهز اليابان، وربما شرق آسيا على نطاق أوسع، للتعامل مع أي تغيير مفاجئ في التزام واشنطن الأمني. فاستراتيجية الدفاع الوطني الأحدث لإدارة ترمب تُعطي الأولوية للدفاع عن الأراضي الأميركية ونصف الكرة الغربي على حساب التهديدات الصادرة عن الصين وروسيا، مما يُشير إلى تحول جذري محتمل في التوجهات.

وفي أميركا الشمالية، سيعزز الانتشار النووي الكندي الأمن الداخلي الأميركي. ونظراً لتكامل القوات الكندية والأميركية في إطار الناتو ونظام الدفاع الجوي المشترك "نوراد" (NORAD) [ قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية]، سيخوض البَلدان معركة مشتركة في أي سيناريو محتمل للدفاع عن نصف الكرة الأرضية. وعلى الرغم من أن كندا لا تواجه تهديدات مباشرة لسلامة أراضيها من روسيا أو الصين، فإن علاقاتها مع البلدين تدهورت بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي. ويُقلل الرادع النووي الكندي من احتمالية اضطرار الولايات المتحدة إلى الدفاع عن جارتها القارية، مما يُحرر القدرات الأميركية بفاعلية ويُزيل أي مجال للتعديات والتدخلات الجيوسياسية المحتملة. كما أن الدعم الأميركي للرادع النووي الكندي من شأنه أن يُوفر طمأنينة بالغة الأهمية بشأن التزام واشنطن بالدفاع القاري في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية بين الجارتين توتراً.

المزيد من الأسلحة النووية قد يكون أمراً محموداً

بالنسبة إلى كندا، فإن امتلاكها للأسلحة النووية يُشير إلى الولايات المتحدة بأنها تقبل هي الأخرى مسؤولية مشتركة عن الدفاع القاري، وأن أوتاوا قادرة على ردع المعتدين المحتملين من دون دعم أميركي. ومثلما قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مارس (آذار)، فإن "العلاقة القديمة" بين كندا والولايات المتحدة قد "انتهت". إن امتلاك الأسلحة النووية من شأنه أن يُهيئ أوتاوا لمواجهة هذا العالم الجديد من خلال إعادة هيكلة الشراكة القارية ومساعدة البلاد على الاعتماد على نفسها. علاوة على ذلك، يُمكن القول إن التحديات المرتبطة بتحقيق هدف الناتو للإنفاق الدفاعي البالغ 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تُمثل تحديات أكبر بالنسبة إلى كندا مما هي عليه بالنسبة إلى ألمانيا. وفي الواقع، إن وجود رادع نووي متواضع يُقدم حلاً لهذه المعضلة، ويضيف في الوقت نفسه رصيداً استراتيجياً مهماً إلى الترسانة الكندية.

تمتلك كل من كندا وألمانيا واليابان القدرة العلمية والصناعية اللازمة لتطوير أسلحة نووية بنجاح بمفردها. على سبيل المثال، يُشكل دور كندا كمورد رئيس للمواد الانشطارية أساساً لجهد مشترك يجعل هذه القدرات النووية الجديدة واقعاً ملموساً. ما تحتاج إليه الدول الحليفة الثلاث، وما يمكن، بل ينبغي على الولايات المتحدة تقديمه، هو الدعم الشعبي والغطاء الدبلوماسي اللازم لكي تتحول إلى دول مسلحة نووياً، بالإضافة إلى التوجيه التقني والعقائدي لضمان وجود ضوابط متينة للقيادة والتحكم.

معالجة المسألة النووية

تقليدياً، يُنظر إلى الانتشار النووي على أنه خطر على استقرار النظام الدولي. فمع اكتساب الدول قدرات نووية، تتغير موازين القوى الإقليمية والعالمية، مما يُثير تساؤلات حول الترتيبات الأمنية القائمة. ووفقاً لنمط التفكير هذا، فإن الدولة التي تمتلك رادعاً نووياً قد تتصرف بصورة عدوانية لأنها أصبحت محصنة ضد أي محاولات لكبح جماحها. بيد أنّ هذه النظرة التقليدية خاطئة، أو على الأقل مُبسطة للغاية، لأنها تفترض أن جميع الدول الساعية إلى التسلح النووي ستتصرف بنفس الطريقة. فعندما تكتسب الدول الملتزمة بالدفاع عن القواعد والأعراف الدولية قدرات نووية، فإن الانتشار، في الواقع، يُعزز استقرار النظام العالمي ومتانته.

وتُعد كندا وألمانيا واليابان من بين أبرز الدول الملتزمة بالنظام الدولي القائم على القواعد. فجميعها تصوغ سياساتها الخارجية، بل وحتى هوياتها الدولية، على أساس مبادئ المواطنة الدولية الصالحة. وسيعيد الانتشار النووي الانتقائي في هذه الدول توازن القدرات العسكرية، ويُنشئ تحالفاً موحداً من القوى النووية الملتزمة بإحباط أي محاولات تسعى إلى تغيير النظام الدولي. ومن شأن هذا التحالف أن يُسهم في منع مزيد من تآكل القواعد والمعايير والمؤسسات التي يقوم عليها نظام ما بعد عام 1945، بما في ذلك القاعدة المناهضة للغزو واحتلال الأراضي. وبالإضافة إلى مصادر الاستقرار المادية والملموسة التي سيوفرها، فإن الانتشار النووي الانتقائي سيعزز القواعد والمعايير التي تحافظ على استقرار النظام الدولي.

لذا، ينبغي النظر إلى الانتشار النووي الانتقائي وفهمه باعتباره استثماراً في إعادة إحياء هذا النظام. في الواقع، ستساعد كندا وألمانيا واليابان في سد ثغرات دفعت روسيا إلى إيجاد ظروف أكثر ملاءمة للنزعة التعديلية، وقد تدفع الصين إلى إجراء حسابات مماثلة.

لا داعي للخوف

إن عديداً من المخاوف الشائعة التي يثيرها معارضو الانتشار النووي لا تنطبق على الانتشار الانتقائي بين حلفاء الولايات المتحدة. على سبيل المثال، لا يوجد ما يدعو للخوف من وقوع الأسلحة النووية الكندية أو الألمانية أو اليابانية في أيدي دول مارقة أو منظمات إرهابية؛ فهذه الدول الثلاث هي نماذج في المسؤولية وكفاءة الدولة والاستقرار الداخلي. كما لا داعي للقلق بشأن عقلانية هذه الدول. فإذا كان بإمكان زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون توخي الحكمة والحذر في ما يتعلق بترسانته النووية، فمن المنطقي أن يُتوقع من قادة أوتاوا وبرلين وطوكيو أن يحذوا حذوه.

وهناك أيضاً مخاوف من أن سعي بعض الدول إلى امتلاك قدرات نووية، سيدفع دولاً كثيرة أخرى إلى فعل الشيء نفسه. لكن هذه الحجة غير مقنعة. عادة ما يكون الانتشار النووي المتسلسل نتيجة منافسات سابقة، ويتأثر بشدة بالتجاور الجغرافي، مثلما يتضح من سعي باكستان إلى امتلاك قنبلة نووية رداً على امتلاك الهند للسلاح النووي. ومن غير المرجح أن يدفع تحول كندا لدولة نووية، على سبيل المثال، المكسيك على امتلاك قنبلتها النووية الخاصة. أما الدولتان الأوروبيتان اللتان ستمتلكان الدوافع الأكبر لمواجهة التسلح النووي الألماني، وهما المملكة المتحدة وفرنسا، فلديهما بالفعل قدراتهما النووية الخاصة. وقد تقتنع دول أخرى مرشحة للتسلح نووياً، مثل بولندا، بالتخلي عن برامج أسلحة نووية مستقلة من خلال اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف لتقاسم الأسلحة النووية.

وفي شرق آسيا، فإن امتلاك اليابان للأسلحة النووية قد يدفع كوريا الجنوبية إلى العمل على تحقيق طموحاتها النووية الراسخة، لكن اندماج سيول في الهيكل الأمني ​​الأميركي يقلل بشكل كبير من حوافزها للقيام بذلك. في الحقيقة، إن الميزة الجغرافية التي تتمتع بها اليابان، وعدم تورطها في صراع مجمّد (كما هي حال كوريا الجنوبية مع كوريا الشمالية المسلحة نووياً)، يجعلانها مرشحاً أكثر جاذبية للانتشار النووي الانتقائي مقارنة بكوريا الجنوبية. ومن المؤكد أنه إذا قررت سيول المضي قدماً وبناء قنبلة نووية، فستكون أيضاً حارساً آمناً وموثوقاً للأسلحة النووية. وعلى الرغم من أن تايوان قد ترغب نظرياً في أن تحذو حذوها، فإنها تفتقر إلى أي سبيل معقول لتحقيق هذه الرغبة نظراً لوضعها الجيوسياسي الهش في مواجهة الصين.

واستكمالاً، لا يزال احتمال وقوع حوادث تتعلق بالأسلحة النووية مصدر قلق مشروع. فعلى الرغم من أن انتشار الأسلحة النووية من شأنه أن يزيد نظرياً من احتمالية نشوب حرب نووية غير مقصودة، فإن الخطر يبقى ضئيلاً لدرجة أن الفوائد الملموسة للاستقرار والأمن الدوليين قد تطغى عليه. حتى في ذروة الحرب الباردة، وهي فترة حافلة بالتنافس الاستراتيجي والأيديولوجي الهائل، نجحت القوتان العظميان في تجنب أي تبادل نووي. ومن مزايا الانتشار النووي الانتقائي أن كندا وألمانيا واليابان من بين أكثر الدول استعداداً لتقليل أي مخاطر إضافية. فجميعها تمتلك جيوشاً عالية الاحتراف، وسيطرة مدنية فعالة على قواتها المسلحة، ووزارات خارجية تتمتع بمهارات عالية في حل النزاعات سلمياً.

وهناك اعتراضات أخرى تتبدد عندما تحلل بعمق. على سبيل المثال، عارض بعض الخبراء الأميركيين انتشار الأسلحة النووية بين حلفاء واشنطن، بحجة أنه سيقوض نفوذ الولايات المتحدة، وتحديداً في ألمانيا واليابان. وهذا الادعاء يخلط بين الأدوات الاستراتيجية والأهداف. فهدف واشنطن الأساسي في أوروبا وشرق آسيا هو منع أي دولة من الهيمنة على أي من المنطقتين. وعلى الرغم من أن النفوذ الأميركي على الحلفاء يوفر مساراً غير مباشر وغير مؤكد لمنع صعود قوة إقليمية مهيمنة، فإن الأسلحة النووية في ألمانيا واليابان تضمن فعلياً هذه النتيجة. بعبارة أخرى، يضحي الانتشار الانتقائي ببعض النفوذ الأميركي، لكنه يفعل ذلك في مقابل تحقيق الهدف الذي صُمم لخدمته منذ البداية.

أما العقبة الأكثر قابلية للفهم، وربما الأشد تعقيداً، هي المعارضة الشعبية لانتشار الأسلحة النووية. فتجربة اليابان مع قصف هيروشيما وناغازاكي الذري لا تزال راسخة في ذاكرتها الجماعية. ونزعة السلام التي سادت بعد عام 1945 والشك العام في الطاقة النووية يدفعان عدداً كبيراً من الألمان إلى معارضة الردع النووي المستقل. ولطالما قاومت كندا حتى مجرد استضافة أسلحة نووية على أراضيها، فكيف يمكن أن توافق على امتلاك أسلحتها النووية الخاصة. لا شك في أن التغلب على هذا التردد سيكون صعباً، وسيتعين على الدول إقناع مواطنيها المتشككين بأن امتلاك الأسلحة النووية لن يجعلهم أكثر أمناً فحسب، بل سيعزز أيضاً سلامة النظام القائم على القواعد.

المضي بحذر

لن يكون تطبيق الانتشار الانتقائي سهلاً أو خالياً من المخاطر. وتتمثل الخطوة العملية الفورية في ضرورة انسحاب كل من كندا وألمانيا واليابان من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، التي وافقت فيها هذه الدول على عدم تطوير قنبلة نووية. والتزامها بالإجراءات السليمة للانسحاب من المعاهدة بموجب القانون الدولي سيشير إلى نيتها ​​في تعزيز استقرار النظام الدولي وتقوية الأمن الدولي بدلاً من إضعافهما. وينبغي، قدر الإمكان، مناقشة الانسحابات من المعاهدة بعناية مع الحلفاء الرئيسين مسبقاً من أجل تقليل حالة القلق والذعر. وعلى الرغم من أنه من غير الواقعي توقع قبول جميع الدول الأخرى بمثل هذه الانسحابات، فإن السعي إلى الانتشار النووي بطريقة مسؤولة وشفافة سيُظهر حسن نية كل دولة. وهنا تبرز أهمية الغطاء الدبلوماسي الأميركي، بالتنسيق مع فرنسا والمملكة المتحدة لضمان عدم استهداف الدول النووية الجديدة بإجراءات تنفيذية من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ومن أجل منح أكبر قدر من الطمأنينة للدول المتشككة، ينبغي للدول الثلاث الساعية إلى امتلاك أسلحة نووية أن تنظر في اعتماد سياسة "عدم الاستخدام الأول"، على الأقل أثناء بقائها تحت المظلة النووية الأميركية. وبينما لم يكن حلف الناتو مستعداً للالتزام بهذه السياسة خلال الحرب الباردة، فإن كندا وألمانيا واليابان تواجه تحديات أمنية أقل صرامة، على الأقل في الوقت الحاضر، ولذلك يمكنها التفكير في اتخاذ هذه الخطوة للتأكيد على التزامها بالحفاظ على الوضع القائم.

يتطلب الانتشار النووي الانتقائي إدارة دقيقة لتحقيق كامل إمكاناته، لكنه يُوفر سبباً حقيقياً للتفاؤل. وتبقى الحجة المؤيدة له مثيرة للجدل كما كانت دائماً، لكن ما يهم حقاً هو اختيار الدول التي ستحصل على قنبلة نووية. فإذا كانت الدول الساعية إلى التسلح النووي حليفة، وذات حكومات مستقرة سياسياً، ومسؤولة على الصعيد الدولي، فقد يكون وجود مزيد من الأسلحة النووية بين أيديها أمراً محموداً.

 

موريتز غريفراث هو أستاذ مساعد في الأمن الدولي في كرسي ويك كاري في جامعة أوكلاهوما، وزميل غير مقيم في معهد مجموعة أوراسيا للشؤون العالمية.

مارك رايموند هو أستاذ مشارك في العلاقات الدولية في كرسي ويك كيري في جامعة أوكلاهوما، ومدير مشارك لسياسة الأمن الدولي في معهد أوكلاهوما للابتكار في مجال الطيران والدفاع.

مترجم عن "فورين أفيرز" 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025

اقرأ المزيد

المزيد من آراء