ملخص
الغارات الأميركية والإسرائيلية على منشآت إيران النووية، ضمن عملية "مطرقة منتصف الليل"، فشلت في تدمير مخزون اليورانيوم ودفعت طهران لتشديد تصميمها على امتلاك الردع النووي، مع احتمال انسحابها من معاهدة حظر الانتشار. تجارب العراق وسوريا تؤكد أن القصف لا يوقف البرامج النووية بل يعززها، ما ينذر بسباق تسلح إقليمي ويجعل الحل الدبلوماسي الخيار الوحيد لتفادي الانفجار النووي.
للمرة الثالثة خلال أربعة عقود، حاولت طائرات حربية قصف برنامج نووي في الشرق الأوسط من أجل إخضاعه. بدأت آخر محاولة بحملة جوية إسرائيلية على إيران في الـ13 من يونيو (حزيران) الماضي. ثم في الساعات الأولى من صباح الـ22 من يونيو، أطلقت سبع قاذفات شبح من طراز "بي-2" تابعة لسلاح الجو الأميركي قنابل "خارقة للتحصينات" Massive Ordnance Penetrator تزن 30 ألف رطل على أكثر المواقع النووية الإيرانية تحصيناً. كانت الأهداف الرئيسة للولايات المتحدة هي منشآت التخصيب المدفونة في أعماق الأرض في فوردو ونطنز، إضافة إلى مركز للتكنولوجيا النووية في أصفهان.
وأعلنت واشنطن أن العملية العسكرية التي أطلق عليها اسم "مطرقة منتصف الليل"، حققت نجاحاً باهراً، وصرح الرئيس دونالد ترمب بأن المنشآت "دمرت بالكامل وبصورة تامة". لكن الواقع أقل يقيناً بكثير. فقد منعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الحكومية الدولية التي تقيّم الامتثال لمعاهدة حظر الانتشار النووي، من الاقتراب لمسافة 40 ميلاً تقريباً من المنشآت المتضررة، ولم تتمكن من التحقق من حجم الضرر الذي لحق بالقاعات تحت الأرض في فوردو ونطنز. وفي وقت لاحق، خففت وزارة الدفاع الأميركية من مزاعم ترمب في شأن حجم الدمار، وأقرت بأنها لا تعرف مكان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لمستوى قريب من صنع قنبلة.
في الواقع، ثمة أدلة ومعطيات ظرفية قوية تشير إلى أن طهران، قبل سقوط القنابل الأميركية، كانت نقلت المواد النووية، إضافة إلى مكونات أجهزة الطرد المركزي المتطورة المستخدمة في تخصيب اليورانيوم التي كانت مخزنة في المواقع المستهدفة. وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية التجارية نشاطاً ملحوظاً للشاحنات في موقع فوردو في الأيام التي سبقت هجوم الـ22 من يونيو الماضي. ووفقاً للمعلومات التي قدمتها السلطات التنظيمية الإيرانية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لم تسجل أية زيادة ملحوظة في مستويات الإشعاع في المناطق المحيطة بالمنشآت المستهدفة بعد القصف، مما يشير إلى أن الضربات ربما فشلت في تدمير مخزونات اليورانيوم. في الحقيقة، من المرجح أن إيران لا تزال تمتلك معظم أو حتى كامل مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب الذي كان موجوداً قبل الهجوم، مما يكفي، وفقاً لبعض التقديرات، لصنع ما يصل إلى 10 قنابل نووية.
ولكن حتى لو ألحقت حملات القصف أضراراً جسيمة بالمواقع النووية الإيرانية، فإن التاريخ يظهر أن تدمير البنية التحتية السطحية نادراً ما يحقق أمناً دائماً. فالضربات تعوّق ربما قدرات أية دولة نووية ناشئة، لكنها تميل أيضاً إلى تكثيف طموحاتها النووية. وفي ما يتعلق بإيران، يبدو أن إدارة ترمب، مثلما فعلت إسرائيل من قبل، وقعت في "فخ القنبلة الذكية"، أي الثقة الخاطئة بقدرة الأسلحة الدقيقة على إعاقة التخصيب النووي أو حتى التسبب في انهيار النظام. أما الواقع الأكثر ترجيحاً، فهو أن عملية "مطرقة منتصف الليل" لم تسفر إلا عن منح إدارة ترمب مزيداً من الوقت، وهو وقت ينبغي لها استخدامه للتفاوض على الحل الاستراتيجي الطويل الأمد للمسألة النووية الإيرانية الذي تعتقد الإدارة خطأً بأنها حققته بالفعل.
استعراض لا أكثر
تهدف الهجمات العسكرية المباشرة على البرامج النووية إلى القضاء على قدرة دولة ما على صنع سلاح نووي من خلال تدمير البنية التحتية الحيوية، أو قتل الكوادر الرئيسين، أو الحد من قدرة الهدف على تجميع جهاز نووي. لكن القدرة المادية ليست سوى نصف ما يتطلبه السعي إلى التسلح النووي. فبناء رادع نووي يحتاج أيضاً إلى إرادة سياسية هائلة. وفي الكتاب المحرر الذي سيصدر قريباً بعنوان "النتائج العكسية للسياسات النووية: عندما تفشل السياسات النووية"، يوضح تايلر جون بوين وأنا بالتفصيل كيف أن الهجمات العسكرية التقليدية على جميع البرامج النووية، باستثناء البرامج خلال مراحلها الأولى، نادراً ما تحقق أهدافها الطويلة المدى. ويظهر بحثنا الذي يشمل كل حالة من حالات مكافحة الانتشار بأسلوب هجومي، نمطاً ثابتاً: على رغم أن قصف البرنامج النووي لدولة ما قد يقلل موقتاً من قدرتها الفعلية على صنع سلاح، فإن مثل هذا الهجوم يعزز في الغالب إيمان الدولة المستهدفة بأن بناء الأسلحة النووية ضروري لبقائها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، يشير مؤيدو الضربات التقليدية ضد البرامج النووية إلى قصف إسرائيل عام 2007 لـ"مفاعل الكبر" السوري. في الحقيقة، بدا الهجوم فاعلاً وناجحاً بصورة لافتة. فهذا المفاعل الذي كان مشروعاً سرياً لإنتاج البلوتونيوم مصمماً على الطراز الكوري الشمالي، دمّر قبل أن يصبح قيد التشغيل، وبعد ذلك لم تجدد سوريا محاولاتها لامتلاك أسلحة نووية. لكن "مفاعل الكبر" يمثل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة [أي كان يمثل حالة استثنائية لا يمكن القياس عليها]، إذ إن نجاح العملية اعتمد على عوامل يصعب تكرارها. فقد كان المفاعل مستورداً بالكامل، وكانت سوريا تفتقر إلى الخبرة المحلية اللازمة لنسخه أو إعادة إنشائه على نحو مستقل، مما جعل برنامجها النووي يعتمد بصورة حاسمة على المساعدات الخارجية. وهذا الاعتماد حدّ بشدة من قدرة سوريا على إعادة بناء البرنامج. فبعد الضربة، اشتد التدقيق الدولي، ولم يتمكن القادة السوريون من الحصول محلياً على المكونات الأساسية أو إعادة تصنيعها. علاوة على ذلك، كانت البلاد ترزح تحت وطأة جفاف مدمر وعلى شفا حرب أهلية كارثية. ثم استولى تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضاً باسم "داعش") على الموقع لاحقاً. وفي نهاية المطاف، لم تكُن ضربة "الكبر" ضربة قاضية، بل كانت بمثابة دفعة أخيرة لبرنامج كان يتهاوى بالفعل على حافة الانهيار.
أما حالة العراق، فتمثل قصة تحذيرية أكثر وضوحاً. ففي البداية قوبل القصف الإسرائيلي لـ"مفاعل أوزيراك" عام 1981 بالثناء، باعتباره انتصاراً للعمل الوقائي. لكن نظرة أكثر تمعناً تكشف عن أن الهجوم كان على الأرجح ذا أثر عكسي. فعلى رغم أنه دمّر المفاعل، فإنه أقنع أيضاً زعيم العراق، صدام حسين، بأنه بحاجة إلى امتلاك رادع نووي. وبدلاً من وقف برنامج الأسلحة النووية العراقي، دفع الهجوم إلى العمل على المشروع سراً، بعيداً من الرقابة الدولية، وحث صدام على استثمار مزيد من الموارد في تخصيب اليورانيوم. وبحلول عام 1990، اقترب العراق بصورة خطرة من القدرة على صنع قنبلة نووية.
وما أدى في نهاية المطاف إلى تفكيك برنامج صدام لم يكُن ضربة عسكرية موجهة، بل القيود البيروقراطية والقانونية التي فرضت بعد حرب الخليج، أي العقوبات الشاملة التي فرضتها الأمم المتحدة ونظام عمليات التفتيش التدخلية الذي أشرف على تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية. أما الضربات الأميركية اللاحقة بصواريخ "كروز" على مواقع مثل الزعفرانية، فكانت في الغالب استعراضية، إذ أكد مفتشو الأمم المتحدة أن تلك المواقع كانت أغلقت بالفعل. والدرس واضح: التفتيش والعقوبات، وليس القنابل، كانت المفتاح لنزع سلاح العراق. أما الغزو الأميركي اللاحق للعراق عام 2003 الذي استند إلى برنامج أسلحة دمار شامل وهمي، فقدّم مثالاً قوياً لإيران وكوريا الشمالية على أخطار افتقار الدولة إلى قوة ردع نووية. وأشارت بيونغ يانغ صراحة إلى مصير صدام عندما سرعت وتيرة العمل الذي توّج بأول تجربة نووية لها عام 2006.
منشآت نووية تحت الأرض
كثيراً ما تمكنت إيران من الصمود أمام هجمات لم تفلح في إلحاق ضرر جسيم ببرنامجها النووي. وتشمل هذه الهجمات هجوم "ستوكسنت" الإلكتروني على "منشأة نطنز"، وهو جهد مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل ألحق أضراراً بنحو 1000 جهاز طرد مركزي عامي 2009 و2010، وموجة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل بحق علماء نوويين إيرانيين بين عامي 2010 و2012، والأعمال التخريبية الإسرائيلية الأحدث ضد "منشأة نطنز" عامي 2020 و2021. واستجابت إيران لكل هجوم من خلال جعل بنيتها التحتية الفعلية أكثر صلابة، بما في ذلك تطوير أجهزة طرد مركزي أكثر تقدماً ونقل منشآت رئيسة مثل "فوردو" إلى أعماق الأرض. كما أن بعض مزايا إيران تبقى بعيدة من متناول الغارات الجوية، ومن بينها إتقانها لدورة الوقود النووي، مما كان يفتقر إليه البرنامج السوري الأقل حجماً بكثير.
والأهم من ذلك أن محاولات مهاجمة البرنامج النووي الإيراني زادت من عزيمة طهران وعززت قناعة قيادتها بأن الردع النووي ضروري لمنع أعدائها، وعلى رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة، من تهديدها متى شاؤوا. وندد كبار مسؤولي النظام بالهجوم الأميركي الأخير بوصفه "انتهاكاً همجياً" للقانون الدولي، وتحدثوا علناً عن احتمال الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهي خطوة من شأنها إنهاء إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية على البرنامج النووي الإيراني وإزالة آخر عائق قانوني أمام التحول السريع نحو إنتاج السلاح النووي. وحتى إذا استمرت عمليات التفتيش، فمن المرجح أن تصبح طهران أقل تعاوناً معها. أما سياسياً، فتعزز الضربات وجهة النظر المتشددة في إيران التي ترى أن المساومة تعني الضعف، إذ تعتقد طهران بأن السماح لمفتشي الوكالة بالبقاء في المواقع يسهل هجمات مستقبلية من خلال الكشف عن مواقع حساسة للخصوم تحت غطاء الرقابة الدولية.
إن جهود مكافحة الانتشار النووي ضد طهران تتردد أصداؤها إلى ما هو أبعد من حدود إيران. فإذا انسحبت البلاد من المعاهدة النووية، فإن تحولاً إقليمياً نحو الانتشار النووي سيكون أمراً شبه حتمي. فالسعودية والإمارات العربية المتحدة اللتان كثيراً ما احتفظتا بطموحات نووية، ستسرعان بصورة شبه مؤكدة من برامجهما النووية الخاصة، مما يفتح جبهات جديدة ضمن سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط. وبهذه الطريقة، فإن الضربة التي كان الهدف منها حل مشكلة انتشار واحدة من المحتمل أن تتحول إلى سبب لظهور مشكلات انتشار أخرى عدة.
الطرف الساعي إلى امتلاك سلاح نووي، إذا تعرض لهجوم ونجا منه، يتعلم الدروس ويطور قدراته
في أفضل الأحوال، ربما تكون عملية "مطرقة منتصف الليل" أخّرت البرنامج النووي الإيراني لما يقارب 12 إلى 18 شهراً. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، قدّر "البنتاغون" بأن التأخير سيراوح ما بين عام وعامين على الأكثر، لكن تقييمات استخباراتية أميركية أخرى أشارت أيضاً إلى أن التأخير الذي تسببت به الضربات قد لا يتجاوز بضعة أشهر، نظراً إلى قدرة إيران على إنقاذ المواد وتوزيع مواقعها وإعادة البناء باستخدام منشآت مخفية. إن اعتبار هذه المهلة نصراً استراتيجياً سيكون خطأ بالغاً. فرداً على الهجمات، ستبني طهران منشآت نووية أعمق وأكثر انتشاراً وأكثر تحصيناً، مما يقلل من فاعلية أية ضربات لاحقة.
ولتحويل هذه المهلة التكتيكية إلى مكسب استراتيجي، ينبغي على واشنطن استغلال هذه الفترة القصيرة للسعي نحو حل دبلوماسي. ويمكن أن يتخذ مثل هذا الاتفاق أشكالاً متعددة، بما في ذلك إلزام إيران العودة لالتزاماتها السابقة في مجال عدم الانتشار النووي ومنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية حق الوصول الفوري وصلاحية إجراء عمليات تفتيش مفاجئة لمواقعها النووية، ربما مقابل تخفيف العقوبات تدريجاً وتعهد من دول الخليج بالامتناع عن تخصيب اليورانيوم الخاص بها.
ولكن تكمن المشكلة في أن المفاوضين يواجهون اليوم إيران التي تعرضت لهجوم من اثنتين من أكثر القوى العسكرية تقدماً في العالم، وقد ترى أية تسوية على أنها دعوة إلى هجمات مستقبلية. وفي الواقع، تظهر التجربة أن الطرف الساعي إلى امتلاك سلاح نووي، إذا أصيب، يتعلم من الهجمات التي ينجو منها، فيحصن بنيته التحتية ويعود للعمل بسرية أكبر وعزيمة سياسية أشد. فالقنابل قد تشتري وقتاً، أما الأمن الدائم فلا تشتريه إلا الدبلوماسية.
مترجم عن "فورين أفيرز" 14 يوليو (تموز) 2025
ديفيد مينشن أليسون هو زميل في برنامج الأمن النووي بجامعة ييل.