Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هيروشيما وناغازاكي أبشع كوارث الإبادة المصنّعة بشريا

هكذا عبّر الضمير العالمي أدبياً وفنياً عن حدث مريع وقع قبل 75 عاماً

هذا ما تبقى من هيروشيما (موقع جامعة شيكاغو)

قبل 75 سنة رفعت البشرية الساتر عن أحد أسوأ جوانبها عندما ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذرّيتين على هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين، في 6، و9 أغسطس (آب) 1945على التوالي. فقُتل ما لا يقل عن 160 ألف شخص متلظّين بالنار النووية، ومنهم من اختفى جسده بالكامل لأنه صار رماداً تذروه الرياح.

وبرغم هوائل الحروب أينما كانت، تبقى هيروشيما وناغازاكي حيتين في الذاكرة الإنسانية بشكل خاص، لأنهما الوحيدتان اللتان تعرضتا لقصف بالقنابل الذرية على مر التاريخ. وحدث هذا بعدما أوفى الرئيس الأميركي هاري ترومان بوعده الجهنمي، "إن لم يقبل اليابانيون بشروطنا، فلهم أن يتوقعوا مطراً من الدمار لم يشهد أحد مثله من قبل على الكرة الأرضية"...

حزن ملحمي

مكمن الحزن الملحمي هنا هو المفهوم نفسه، أن يكون الإنسان قادراً على الإبادة الذرية لجنسه. وهيروشيما وناغازاكي ليستا الوحيدتين اللتين تمثلان أبشع مثال للكوارث المصنّعة بشرياً. فرغم أنهما فقدتا 160 ألفاً من سكانهما، شهد العام نفسه كارثة سابقة أكبر من حيث عدد القتلى في مجزرة مريعة استمرت من 13 إلى 15 فبراير (شباط). والحديث هنا عن دريسدن الألمانية التي تعرضت خلال تلك الأيام الثلاثة لقصف أميركي - بريطاني أحال هذه المدينة، التي كانت تعتبر وقتها بين أجمل بقاع العالم على الإطلاق، إلى جحيم أكل لهيبه 40 كيلومتراً مربعاً من مبانيها وقتل 350 ألف شخص دفعة واحدة. ولئن كان عدد القتلى في دريسدن قد فاق عددهم في هيروشيما وناغازاكي مجتمعتين مع نهاية القصف، فقد ظل اليابانيون يدفعون مزيداً من الثمن يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد أخرى في سلسلة مخيفة من الموت البطيء. ويقدر اليوم أن عدد ضحايا الإشعاع الذري الباقي وصل إلى أكثر من 140 ألفاً، وهو عدد يقارب ذلك الذي أحدثه القصف نفسه.

أصداء

بالطبع فإن كارثة بهذا الحجم ما كانت لتذهب في صمت. وبإزاحة ردود الفعل السياسية والاقتصادية، والمعاني الاجتماعية، والأخلاقية جانباً، تجد أن أصداءها المخيفة ظلت ولا تزال تتردد في الساحات الأدبية والفنية بمختلف أنحاء الدنيا، لأنها غير مسبوقة أو متبوعة، ولأن العالم راح منذ يومها يعيش في ظل التهديد بوقوعها في ركن أو آخر من العالم يوماً ما. ونتناول هنا بعض الأصوات التي ارتفعت فوق البقية لتضمن أن هذا الفصل المجنون في تاريخ العالم الحديث لن يُلقى في طيات النسيان.

الأدب الذرّي

"أدب القنبلة الذرية" هو التيار الياباني الذي ظل يتدفق على الساحة الثقافية الدولية منذ كارثة هيروشيما وناغازاكي ليعبر عن المأساة سواء كان عبر القصة، والرواية، أو القصيدة، أو المسرحية، أو الأعمال التوثيقية، أو المذكرات. وقبل أن يصبح هذا التدفق نهراً، كان في بداياته مجموعة شهادات العيان من "الناجين" ممن سجلوا تجاربهم، وقدموا وصف غرافيكياً لما حدث في واحدة من المدينتين في يوم الكارثة نفسه، و/أو الفترة التي تلت عندما كان الموت ينبعث دخاناً من المباني. وحتى هذا اليوم أعقب جيل شهادات العيان هذا جيلان آخران تناول أولهما القضايا السياسية والاجتماعية التي أفرزتها الكارثة، بينما عالج الجيل الثالث مستقبل البشرية في عالم ما بعد الدمار النووي، وغالباً عبر روايات الخيال العلمي على شاكلة "المطر الأسود" للكاتب ماسوجي ايبيوزي.

وحوش وأبطال خارقون

في اليابان أيضاً ترمّزت القنبلة في شكل وحوش خرافية، ربما كان أشهرها ما أنتجته السينما اليابانية، وهو "غودزيلا" الذي أخرجه في 1954 إيشيرو هوندا. وهذا وحش بحري تجدد هجماته على البشر وممتلكاتهم، المخاوف من هلاك نووي في فترة ما بعد هيروشيما وناغازاكي.

ومن جهتها التقطت هوليوود طرف الخيط فخرجت في العام نفسه بفيلم Them الذي نترجمه "هي"، لأن المقصود نمل اكتسب حجماً عملاقاً، وصار خطراً داهماً على البشر بفعل تسرب الإشعاع الذري إلى تلاله في نيو مكسيكو. وكان هذا الفيلم هو الأول في سلسلة أفلام الخيال العلمي اللانهائية، التي استغلت التقدم التكنولوجي في البصريات والمؤثرات الخاصة لتنقل إلى الشاشة ولائم بصرية مدهشة على أيدى أبطال خارقين. وخذ على سبيل المثال وليس الحصر "الرجل العنكبوت" Spiderman الذي يكتسب قدرات مذهلة بعد تعرضه للدغة عنكبوت تلقى جرعة عالية من الإشعاع. بل إن سلسلة الأفلام المعنونة X-Men التي تعرض مغامرات أناس يتميزون بالتحوّر الخلقي قد تجد خلفيتها الحقيقية في قدرة الأشعة الذرية على التغيير الإحيائي، من طراز ما تعرض له الناجون من الموت الفوري في هيروشيما وناغازاكي.

حبيبتي

ثمة كم هائل من الأعمال السينمائية التي تصور العالم وهو ضحية لأهوال الإشعاع الذري. ومن هذه فيلم "الدكتور سترينجلاف، أو كيف تعلمت أن أدع القلق وأن أحب القنبلة" (إخراج ستانلي كوبريك – 1964) الذي غلّف نفسه بالكوميديا ليصف نهاية المطاف الذرّي في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والغرب.

على أنه لا يمكن ذكر السينما في هذا المقام من دون الإشارة إلى السيناريو الذي كتبته الروائية، المؤلفة المسرحية مارغريت دوراس للفيلم التجريبي "هيروشيما حبيبتي" (إخراج آلان رينيه – 1959) المصنّف بين أعمدة السينما الفرنسية الجديدة. وهو حوار شخصي بين مهندس معماري ياباني وحبيبته الممثلة الفرنسية عن الذكرى والنسيان، تتخلله مشاهد استرجاعية لقصة الحب القصيرة التي عاشاها. وتقارن الحبيبة، وهي تودع حبيبها (العلاقات العاطفية الفاشلة) بقصف هيروشيما من منظور الذين وقعوا داخل دائرته والذين وقعوا خارجها... وحبيبها نفسه يمثل الفريقين في الآن نفسه لأنه ياباني تم تجنيده في الجيش الإمبراطوري، ولأن أسرته كانت داخل هيروشيما وقت قصفها.

ويذكر أن الياباني نوبوهيرو سووا أخرج رؤيته الخاصة لهذا الفيلم في 2001 بالعنوان نفسه. وفي 2003 قدم الإيراني بهمن بور أزار من جهته رؤيته له على خلفية التوترات الدولية في بداية الألفية الجديدة.

وكان من تأثير ذلك الفيلم النافذ - الذي حصد عدداً من الجوائز شملت جائزة النقاد في مهرجان كان، وترشيح دوراس للأوسكار عن أفضل سيناريو- أن عدداً من الفرق الموسيقية الشهيرة حول العالم أطلق أغاني إما مستوحاة من قصته، و/أو تحمل عنوانه. فجاءت - تحت اسم "هيروشيما حبيبتي" – أغاني من فرقة "ألترافوكس" الإنجليزية (1977)، ومن "ألكتراز" الأميركية (1983)، و"إل هومبري مستريسو" البيروفية (2004)، و"نويز كونسبيراسي" السويدية (2008)، وغرايام بونيت باند" (2017).

بالقلم والصورة...

بدأ الكابوس النووي (قبل أن يتحول إلى واقع ملموس في هيروشيما وناغازاكي) على صفحات الخيال العلمي الذي ابتدعه الكاتب البريطاني "هـ  ج  ويلز" بروايته "العالم يُطلق حراً" (1914). وهنا يتخيل ويلز نهاية العالم في قنبلة يدوية ذريّة تستمر في الانفجار إلى ما لا نهاية. وبالطبع فإن راية الخيال العلمي لم تسقط من بعده إذ التقطتها الأجيال المتعاقبة. لكنها اتخذت لبوس الواقع بعد هيروشيما وناغازاكي، فظللت أعمالاً شهيرة مثل "البعث" (1955) لمؤلفه جون ويندهام، الذي تخيّل فيه عودة العالم إلى العصور الوسطى بعد حرب ذرية. ولئن كانت في قراءة الكتاب مشقّة السفر، فهناك الملصق الشهير الذي لا يستلزم غير نظرة واحدة لإدراك معناه الجهنمي، رونالد ريغان يحمل مارغريت ثاتشر أمام قنبلة نووية منفجرة في ملصق بديل لفيلم "ذهب مع الريح" مع تعليق يقول، "وعدته هي بأن تتبعه إلى نهاية العالم، ووعدها هو بأن يدبّر ذلك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القنبلتان.. حقائق سريعة

 * بعد ستة أشهر من القصف الأميركي الاستراتيجي لـ67 مدينة يابانية، تجاهلت حكومة طوكيو الإنذار الأخير الذي طرحه أمامها الرئيس هاري ترومان للاستسلام في ما يعرف بـ"إعلان بوتسدام".

* صباح السادس من أغسطس 1945، ألقت قوات السلاح الجوي الأميركي قنبلة نووية أطلق عليها اسم "Little Boy" (الولد الصغير) على مدينة هيروشيما في غرب اليابان في أول استخدام للسلاح الذري في تاريخ البشرية. وبعد ثلاثة أيام ألقت قنبلة مشابهة أخرى سُمّيت "Fat Man" (الرجل البدين) على مدينة ناغازاكي في الجنوب.

* وقع الاختيار على هيروشيما لأنها كانت أكبر المدن اليابانية التي لم تتعرض للغارات الأميركية التقليدية وسلمت بالتالي من أي دمار، وعلى هذا الأساس فقد عوملت معاملة "فأر التجارب"، بمعنى أنها كانت المقياس الأفضل لنوع الأثر (غير المعروف سابقاً) الذي تحدثه القنبلة الذرية على مدينة مأهولة. أما اختيار السادس من أغسطس فقد تم فقط لأن الطقس صار صافياً في ذلك اليوم متيحاً رؤية المدينة من الجو بعد أيام من السحب التي تجمعت فوقها.

* عندئذ أقلعت طائرة "بي 29" على يد قبطانها وقائد المهمة، الكولونيل بول تيبيتس، من قاعدة "نورث فيلد" الواقعة بجزيرة تنيان في غرب المحيط الهادئ، مصحوبة بطائرتين أخريين. وكانت طائرة الـ"بي 29" تحمل القنبلة المحتوية على 60 كيلوغراماً (130 رطلاً) من مادة اليورانيوم – 235 وألقتها بالمظلّة، فانفجرت على ارتفاع 250 متراً (1900 قدم) فوق المدينة.

* قبل القصف بساعة اكتشف نظام الإنذار المبكر الياباني مقدم الطائرات فنبّه السلطات في كبرى المدن بما فيها هيروشيما. وحوالي الساعة الثامنة صباحاً تمكنت أجهزة الرادار في هذه المدينة من تحديد الطائرات الأميركية، لكن المسؤولين قرروا أن عددها الصغير لا يستدعي التصدي لها بطائرات مضادة على ضوء السياسة الرامية لتوفير الوقود.

* في تمام الثامنة والربع ألقت "بي 29" قنبلتها "الولد الصغير" على وسط هيروشيما فانفجرت وانتشر لظاها على محيط 1.6 كيلومتر مربع والنيران التي أشعلتها على محيط 11.4 كيلومتر مربع. فقتلت ما بين 70 ألف، و80 ألف شخص على التو، ودمرت 90 في المائة من مباني المدينة وبنيتها الأساسية.

* في التاسع من أغسطس أقلعت "بي 29" تحمل القنبلة "الرجل البدين" تحت قيادة الميجر تشارلز سويني، واتجهت مستهدفة مدينة كوكورا رئيسياً، وناغازاكي ثانوياً وبمعيتها طائرتان أخريان، كما الحال مع هيروشيما. ولدى وصول السرب إلى كوكورا كانت السحب تغطي المدينة. فدارت الطائرات فوقها حتى صار ثمة خطر من انخفاض مستوى وقودها فتوجهت إلى ناغازاكي بافتراض التوجه منها إلى أوكيناوا في حال كانت تغطيها السحب هي أيضاً.

* في ناغازاكي تكرر سيناريو هيروشيما فقررت السلطات عدم التصدي للطائرات الغائرة، ولكن هذه المرة بافتراض أنها طائرات استطلاع، وأن الأميركيين لن يقدموا على إلقاء قنبلة نووية أخرى.

* انفجرت قنبلة ناغازاكي، التي كانت تحوي 6.4 كيلوغرام (14.1 رطل) من "اليورانيوم – 239" على ارتفاع 469 متراً (1540 قدماً). وتبعاً للتقديرات، فقد قتل 80 ألفاً، وجرح 60 ألفاً من سكان المدينة على الفور. وكان محيط الدمار 1.6 كيلومتر مربع، ومحيط النيران التي أشعلها الانفجار 3.2 كيلومتر. وحتى ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام وصل عدد القتلى إلى 80 ألفاً.

* قتل في قصف المدينتين مدنيون من الكومنولث البريطاني، وسبعة أسرى حرب من الجنود الهولنديين، وتوفي جنديان من أسرى الحرب - مجهولا الهوية - بالسرطان لاحقاً نتيجة الإشعاع الذري.

* في 14 أغسطس أعلن الامبراطور الياباني هيروهيتو استسلام بلاده في خطاب أذيع على الأمة رغم احتجاج العديد من جنرالاته.

* في فترة السنة التي تلت القصف احتل 40 ألف جندي أميركي هيروشيما، بينما احتل 27 ألفاً ناغازاكي.

* لاحقاً أعلن كل من الكولونيل بول تيبيتس، الذي قاد عملية قصف هيروشيما، والميجر تشارلز سويني (ناغازاكي)، أنهما غير نادمين على مساهمتهما الدرامية في الحصول على استسلام اليابان، وقالا إنهما على استعداد لفعل الشيء نفسه مجدداً في حال أعاد التاريخ نفسه. وإلى اليوم لاتزال الولايات المتحدة ترفض الاعتذار الذي ظل اليابانيون يطالبون به منذ عقود.