Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السباق النووي الموازي

الولايات المتحدة تتخلف عن الصين وروسيا بمجال الابتكار في قطاع الطاقة

مفاعل تيانوان النووي في ليانيونغانغ، الصين، يونيو 2024 (في سي جي/غيتي)

ملخص

يشهد العالم سباقاً جديداً للهيمنة على سوق الطاقة النووية تقوده الصين وروسيا عبر تصدير المفاعلات الصغيرة المعيارية إلى الدول النامية، بينما تتراجع الولايات المتحدة وحلفاؤها، مما يهدد بتغيير موازين القوى الجيوسياسية ما لم تعد الديمقراطيات الغربية تنظيم استراتيجياتها النووية بسرعة.

يشهد العالم اليوم سباقاً دولياً من نمط جديد، ليس من أجل السلطة والسيطرة في الفضاء، بل بغية التحكم بسوق الطاقة النووية العالمي، إذ كثيراً ما كانت الطاقة النووية، بسبب الحوادث الكبرى وتجاوزات في الموازنات، محفوفة بالأخطار، مما أعاق اعتمادها على نطاق واسع. لكنها خلال العقد الماضي عادت للساحة بفضل تطوير مفاعلات نووية صغيرة معيارية. وتلعب الصين وروسيا في هذا المنحى دور القيادة، إذ تعملان على زيادة قدراتهما المحلية، فضلاً عن تصدير التكنولوجيا النووية، وبناء محطات الطاقة النووية في عدد من دول الاقتصادات الناشئة.

المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية هي نوع متطور من المفاعلات النووية، تصمم بحجم أصغر من المفاعلات التقليدية، ويمكن تصنيع مكوناتها في المصانع ثم نقلها وتجميعها في الموقع، مما يقلل من الكلفة ومدة البناء.

تتميز هذه المفاعلات بالمرونة، إذ يمكن استخدامها لتوليد الكهرباء أو تحلية المياه أو توفير الطاقة للصناعات، كما أنها تعد أكثر أماناً بفضل أنظمة تبريد سلبية وتقنيات حديثة تقلل من أخطار الانصهار أو التسرب الإشعاعي.

تقود روسيا اليوم العالم في مجال بناء محطات الطاقة النووية، وتقوم شركة الطاقة النووية "روساتوم" المملوكة من الدولة، بإنشاء ستة مفاعلات محلية جديدة، كما تعمل على المساعدة في بناء 19 مفاعلاً في ستة بلدان أجنبية. وفي الأثناء قامت الصين خلال الأعوام الـ10 الماضية بتوقيع عقود للمساعدة في بناء تسع مفاعلات نووية بأربعة بلدان، وذلك مع حفاظها على معدل توسع لا مثيل له في القطاع النووي المحلي (الصيني). وأظهر البلدان على نحو خاص في هذا السياق سرعة في استيعاب إمكانات وقدرات المفاعلات المعيارية الصغيرة، التي يمكنها بصورة نموذجية توليد ما يصل إلى ثلث الطاقة التي تنتجها المحطات النووية التقليدية. وهذه المفاعلات الصغيرة، بالمقارنة مع المفاعلات التقليدية الكبيرة، يمكن نشرها بسرعة في المناطق المفتقرة إلى قدرات الشبكة الكهربائية المرنة، كما أن تصاميمها المعيارية (النموذجية) تجعلها ميسرة الكلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واليوم مع التحول السريع الراهن للعالم نحو الكهرباء، تتزايد الحاجة إلى مصادر طاقة جديدة بأسعار ميسرة ومقبولة، إذ من المتوقع أن ينمو الطلب العالمي على الكهرباء خلال السنوات القليلة المقبلة بمعدل سنوي يقارب أربعة في المئة، وستشكل البلدان النامية نحو 85 في المئة من معدلات الطلب الجديدة. ومن بين القوى الكبرى في العالم، كانت الصين وروسيا الأكثر سرعة واستباقاً في إدراك هذه الحاجة الدولية والاستجابة لها عبر صادرات الطاقة الكهربائية. ويقوم كلا البلدين، على نحو نشط، باستهداف البلدان النامية في هذا المجال.

على أن هذه الجهود في المجال النووي قد تؤدي إلى تبديل مشهد الطاقة العالمي، وإلى تغيير موازيين القوى الجيوسياسية، فالولايات المتحدة تصدرت ذات يوم قطاع تطوير التكنولوجيا النووية. لكنها منذ سبعينيات القرن الماضي تقريباً تخلت عن ريادتها هذه، وذلك بسبب المعارضة الشعبية (الداخلية) وارتفاع التكاليف والتحديات الإدارية والتنظيمية، وهي الآن تدفع الثمن، إذ إن الحاجة المتزايدة إلى الكهرباء بهدف تشغيل الذكاء الاصطناعي، معطوفة على رغبة البلدان النامية في الوصول إلى الطاقة والحصول عليها، تعنيان أن البلدان القادرة على تصدير المفاعلات النووية الصغيرة والمتوسطة بالسرعة المطلوبة وبأسعار معقولة، ستغدو على نحو متزايد شريكة للأمم الأخرى ومؤثرة في تلك الشراكات. والصين وروسيا في هذا الإطار تقومان فعلاً باستغلال استثماراتهما في الطاقة النووية بالخارج، لتعميق تأثيرهما الاقتصادي والسياسي في البلدان التي تبتاع تكنولوجياتهما.

من هنا، ولمنع الأنظمة الاستبدادية من السيطرة على مستقبل سوق الطاقة النووية العالمي، على الولايات المتحدة الاستمرار في تحديث إطارها التنظيمي الذي يحكم عملية ترخيص المفاعلات، وإعادة توجيه الاستثمار الفيدرالي نحو قطاع مفاعلات صغيرة خاص بها. كما ستحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى التعاون مع دول ديموقراطية حليفة في أوروبا وآسيا بغية تنويع سوق الطاقة النووية المتطورة، إذ وحدها جهود التعاون - على شكل منظمة للطاقة النووية متعددة الأطراف، وفق المقاربة الأمثل - يمكنها أن تقدم للاقتصادات الناشئة حزم تمويل تنافسية تزاحم ما تقدمه الصين وروسيا. وإن لم تقم الدول الغربية عاجلاً بإعادة النظر في استراتيجياتها الدولية للطاقة النووية، فقد تستخدم الأنظمة الاستبدادية الطاقة النووية بفاعلية لتوجيه مسار العالم اقتصادياً وسياسياً، قبل أن تدرك الديمقراطيات أن وقت اللحاق بالركب فات.

عصر ذري جديد

تتزايد اليوم وعلى نحو متسارع شهية الصين وروسيا لتصدير الطاقة النووية، ففي يوليو (تموز) من العام الماضي وقعت جمهورية الكونغو الديموقراطية مذكرة تفاهم مع روسيا لاستكشاف استخدامات سلمية للطاقة النووية، كما تدرس أوغندا إقامة شراكة مع روسيا لبناء أول محطة للطاقة النووية على أراضيها. وهذا الشهر بدأت شركة "روساتوم" أعمال تحضير الموقع لبناء محطة طاقة نووية في أوزبكستان، ستكون أول مفاعل نووي في آسيا الوسطى والمفاعل الصغير المعياري الأول الذي تصدره روسيا، إلى ذلك تعمل الوكالة النووية (الروسية) أيضاً على مشروع نووي في بنغلاديش. ومن جهتها قامت الصين خلال الأعوام الـ15 الماضية بتوقيع اتفاقات للطاقة النووية مع الأرجنتين وهنغاريا ونيجيريا وباكستان، وتستثمر كل من روسيا والصين بصورة خاصة في المفاعلات الصغيرة المعيارية، إذ نشرت روسيا أول مفاعل تجاري من هذا النوع عام 2020، بينما بدأت الصين تشغيل أول مفاعل معياري مبرد بالغاز وعالي الحرارة باستخدام كرات الوقود عام 2023، وهو الأول من نوعه عالمياً.

علاوة على ذلك، تحاول دول أخرى أيضاً الدخول في هذا المضمار، لكن وعلى نحو يناقض وضعية الشركات الخاصة المتخصصة بالطاقة النووية راهناً، فإن شركتي "النووية الوطنية الصينية" و"روساتوم" الروسية مملوكتان من الدولة، وهما تستفيدان من سلسلة توريد تدمج أنشطة التصنيع والبناء والتزود بالوقود في بوتقة عمل واحدة، كما تتبع نهجاً أكثر انسيابية في طرق اتخاذ القرارات وتنفيذ العمليات، وتلك الكفاءات والفاعلية تسهم في تمكين الصين وروسيا من بناء المفاعلات بسرعة كبيرة وبتكاليف متدنية نسبياً. كما يعتمد القطاع النووي الصيني على آلاف الموظفين من ذوي الكفاءات العالية، الذين يؤدون عملهم بسرعة ملحوظة. على أن هذه الكفاءات لا تأتي ببساطة نتيجة للسيطرة الاستبدادية، بل هي وليدة خيارات مقصودة ومتعمدة اعتمدتها بكين وموسكو لرفع مقام قطاع الطاقة النووية وجعله أولوية وطنية، وعملت هاتان الدولتان على رفع كفاءة عمليات الترخيص لبناء المفاعلات النووية من دون مساومة في مسألة السلامة.

كذلك فإن الصين وروسيا اختارتا توفير تمويل حكومي سخي واستراتيجي للاستثمارات في مجال الطاقة النووية، في هذا السياق، ولكي تحقق بكين أهدافها النووية، قدر معهد أبحاث الطاقة ضمن "الهيئة الوطنية الصينية للتنمية والإصلاح" أنه يتوجب على الصين - وهي تستطيع ذلك - تنفيذ استثمارات بقيمة تتخطى 1.3 تريليون دولار بحلول عام 2050. وتأتي المشاريع الصينية بمعظمها في العادة مدعومة بقروض حكومية ذات فائدة متدنية تصل إلى 1.4 في المئة، وذاك أدنى بكثير من المعدلات الوسطية العالمية (للفائدة). أما روسيا بدورها، فتعهدت بتخصيص أكثر من 26 مليار دولار لمشاريع نووية محلية، وبتقديم حزم تمويل للصادرات قيمتها مليارات الدولارات. وهناك دول أخرى أيضاً لديها مؤسسات نووية مدعومة من الدولة، لكن حتى الآن لم تحاول أي من هذه الدول مجاراة حجم حملات التصدير الصينية والروسية.

وغالباً في هذا الإطار تقوم كل من "الشركة النووية الوطنية الصينية" و"شركة روساتوم" بتغطية ما يصل إلى 85 في المئة من تكاليف المشاريع الخارجية، على شكل قروض بمعدلات فائدة مواتية. كما تقدم الشركتان عقود "بناء وتملك وتشغيل"، أو صيغ اتفاقات تسمح لهما بتملك المفاعلات التي تبنيانها في الخارج لفترة محددة، فتقللان بذلك الأعباء على الدول المستوردة - كأعباء إدارة الوقود النووي المستهلك مثلاً. كما تقدم "الشركة النووية الوطنية الصينية" للمشترين الأجانب خدمات متكاملة تشمل تصميم وبناء وتشغيل محطاتهم النووية، وعبر العمل بصورة وثيقة مع المهندسين والعلماء في البلدان المستوردة، تستثمر بكين في تطوير العلاقات المتبادلة مع الأقران، التي تعزز علاقاتها الدولية الثنائية.

تغيير بسيط

على هذا الأساس تقوم (بلدان) الاقتصادات الناشئة بالتوجه إلى الصين وروسيا للحصول على حاجتها من الطاقة، وخصوصاً لتلقي العون في بناء المفاعلات الصغيرة المعيارية. وكانت التقنية الخاصة بهذه المفاعلات طورت خلال الخمسينيات القرن الماضي لاستخدامها في المقام الأول ضمن التطبيقات العسكرية، وطوال عقود من الزمن عدت "المفاعلات الصغيرة المعيارية" تقنيات متخصصة. إلا أن التقدم في عمليات التصميم وتنامي الدعم الحكومي لها، إلى جانب تزايد الحاجة إلى الكهرباء في جميع أنحاء العالم، أسهمت في رفع مكانتها وتضاعف أهميتها، إذ إن المفاعلات الصغيرة بأحجامها وأشكالها المتنوعة، وعلى عكس المفاعلات التقليدية الكبيرة، تتيح مرونة أكبر، وهو الأمر الذي يمكنها من تلبية المتطلبات الأصغر حجماً في مجال الطاقة وتنفيذ التطبيقات الأكثر تخصصاً ضمن تنويعة واسعة من المواقع الجغرافية.

كما يمكن للعمليات المبسطة والجداول الزمنية الأقصر في مهمات بناء المفاعلات الصغيرة المعيارية أن تسمح للبلدان المستوردة بتجاوز عدد من التحديات المالية واللوجستية الهائلة، الكامنة في مشاريع بناء محطات الطاقة النووية التقليدية. وقدر الخبراء في هذا الإطار أن يستغرق بناء المفاعلات النووية الصغيرة ما بين ثلاثة وستة أعوام مقارنة بالأعوام الـ10 أو أكثر التي يتطلبها بناء المفاعلات التقليدية.

لذا إن حققت مشاريع المفعلات النووية الصغيرة الجارية بالفعل في الصين وروسيا نجاحاً في توسيع نطاق الوصول إلى الطاقة النووية بكلفة أقل، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة جاذبية المفاعلات النووية الصغيرة المعيارية بالنسبة إلى بلدان الاقتصادات الناشئة الساعية إلى اقتحام القطاعات التي تستهلك الطاقة بكثافة، مثل قطاعات الصناعة ومراكز البيانات.

كما يمكن للمفاعلات النووية الصغيرة، إضافة إلى هذا، القيام بمهمات وخدمات تعجز عنها محطات الطاقة النووية التقليدية. إذ بوسع بعض التصميمات المتطورة من تلك المفاعلات الصغيرة تسجيل درجات حرارة أعلى في التشغيل، مما يجعلها قادرة على توليد الحرارة اللازمة للتطبيقات الصناعية، مثل صناعة الصلب وإنتاج الأمونيا المستخدمة في الأسمدة. وتعد هذه الاستخدامات شديدة الأهمية، إذ إن القطاع الصناعي عام 2022 استحوذ على نحو 37 في المئة من الاستهلاك العالمي للطاقة.

لا يزال بعض المحللين متشككين في مدى جدة المفاعلات الصغيرة المعيارية، ويشيرون إلى تاريخ المشاريع النووية التقليدية التي شهدت تكاليف باهظة وتأخيرات كبيرة في التنفيذ، لكن الصين وروسيا تؤمنان بأن هذه المفاعلات ستحدث تحولاً في سوق الطاقة: فبفضل استثمارات ضخمة، تأمل الصين في تصدير 30 مفاعلاً إلى دول شريكة في مبادرة "الحزام والطريق" بحلول عام 2030، بينما تطمح روسيا إلى الاستحواذ على 20 في المئة من سوق المفاعلات الصغيرة عالمياً. ومع تزايد الطلب العالمي على الكهرباء، ستتزايد أيضاً القيمة الاستراتيجية للطاقة النووية التي توفر كثافة طاقة أعلى بكثير من مصادر أخرى، إذ إن كبسولة واحدة فقط من وقود اليورانيوم تولد طاقة تعادل طناً من الفحم أو 149 غالوناً (563 ليتراً) من النفط أو 17 ألف قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

تراجع نووي

تسهم حزم التمويل الشاملة وعمليات الإنتاج الفعالة التي تقدمها بكين وموسكو في جعل الطاقة النووية أكثر توفراً بالنسبة إلى الدول النامية، بيد أن هذه الحزم (اتفاقات التمويل والإنتاج) تطرح أخطار خلق اعتمادات طويلة الأمد، مما يضمن بقاء البلدان المستوردة للطاقة مدينة للصين وروسيا، ومعتمدة عليهما من ناحية خبرات التشغيل على مدى عقود، لكن على رغم خطر التبعية هذا، فإنه ليس أمام الاقتصادات الناشئة – وأيضاً الدول المتقدمة التي تريد توليد مقداراً أكبر من الطاقة النووية - سوى قليل من البدائل المقنعة بمواجهة الطاقة النووية الصينية والروسية. فشركة "نوسكايل باور" (NuScale Power) الأميركية وقعت اتفاقات لبناء ونشر مفاعلات نووية صغيرة في غانا ورومانيا، بيد أن هذه المشاريع ما زالت في مراحل التخطيط. وهناك شركة أميركية أخرى هي "ويستينغهاوس" تقوم بمساعدة بولندا في بناء محطتها الأولى لتوليد الطاقة النووية، لكن الجهود المذكورة تبقى متخلفة كثيراً عن الجهود التي بذلتها بكين وموسكو في هذا المجال.

وعلى رغم أن بعض الكفاءات الفريدة يقوم بالإسهام في مساعدة الحكومات المركزية الرسمية بتسريع مشاريع الطاقة، إلا أنه ليس هناك سبب جوهري يمنع الولايات المتحدة وحلفاءها من دعم تطوير وإنتاج وتصدير المفاعلات النووية بمعدل ينافس معدل غريمي الغرب السلطويين (الصين وروسيا). إذ كانت الولايات المتحدة، منذ ستينيات القرن الماضي ولغاية تسعينياته، وفرت مقداراً كبيراً مما تطلبه السوق النووية العالمية من عمليات تصنيع وتصميم مفاعلات وخبرات لتشغيل سلاسل الإمداد، إلا أن نماذج التمويل الطموحة والمدعومة من الدولة في الصين وروسيا قامت بالتفوق على الشركات الأميركية (وما تقدمه في السياق). وتتحمل سياسات الحكومة الأميركية بعض المسؤولية في هذا الجانب، إذ أدت قوانين التصدير التي فرضتها إلى إقامة حواجز مرهقة أمام البلدان المهتمة بشراء المفاعلات الأميركية. وقبل أن تقوم الولايات المتحدة بنقل التقنيات والمواد النووية إلى دولة أخرى فإنها تطالب تلك الدولة الشريكة بتوقيع اتفاق تعاون سلمي في مجال الطاقة النووية، معروف باتفاق 123. ويشدد هذا الاتفاق على الالتزام بضمانات صارمة لمنع الانتشار النووي، إلا أن واشنطن في كثير من الأحيان تسعى إلى الحصول على التزامات إضافية، كمطالبة الشركاء بالتخلي عن عمليات تخصيب اليورانيوم الخاصة بهم، أو التخلي عن إعادة تدوير ومعالجة الوقود المستهلك، وهذه متطلبات وشروط يمكنها أن تقلل من جاذبية التكنولوجيا الأميركية بالنسبة إلى المشترين المحتملين.

إلى هذا وفي السياق عينه فإن قلة الكفاءة التنظيمية في الولايات المتحدة تشكل عقبة أخرى أمام التقدم، إذ مثلاً تحتاج الهيئة التنظيمية النووية في الولايات المتحدة بغالب الأحيان إلى خمس سنوات أو أكثر كي تصدر موافقتها على مشروع مفاعل نووي، وهي تفرض في الإطار هياكل رسوم مرهقة على المتقدمين بالمشروع. مفاعل "هيرميس" التابع لشركة "كايروس باور" هو المفاعل النووي الصغير الوحيد المرخص الذي يجري بناؤه راهناً في الولايات المتحدة. ويعكس هذا المنحى البطيء بمجال إنتاج المفاعلات النووية الصغيرة التحديات المؤسسية المزمنة التي تواجه "الهيئة التنظيمية النووية"، وتلك تحديات تتضمن ثقافة داخلية تجهد نفسها للتماشي مع نزعات الابتكار.

ليس هناك سبب يمنع الولايات المتحدة من تصدير مفاعلاتها

إن السباق لتوفير الطاقة النووية المتطورة اليوم ليس مجرد منافسة تكنولوجية من الناحية الرمزية، بل هو صراع جيوسياسي من أجل النفوذ والقدرة على المنافسة الاقتصادية في عالم يزداد تزوده بالكهرباء بسرعة كبيرة. وبكين وموسكو في هذا الإطار، وعلى نحو مطرد، ستكتسبان مزيداً من عناصر القوة الناعمة مع تحفيز البلدان التي لديها اتفاقات طاقة نووية معهما على التوافق مع طموحاتهما الاقتصادية ومثالهما السياسي، وهذا ما بات يحدث سلفاً، إذ مثلاً تعمل شركة "روساتوم" على زيادة قدرات هنغاريا في إنتاج الطاقة النووية، فتسهم هذه الطاقة الآن بتوليد نحو 44 في المئة من كهرباء البلاد. وكان رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، عارض بشدة إدراج الطاقة النووية الروسية ضمن عقوبات الاتحاد الأوروبي على القطاعات الإنتاجية الروسية، فحقق إعفاء لذلك.

ومستقبلاً قد تتمكن الدول حتى من استخدام نفوذها على المفاعلات التي شيدتها لإكراه أو معاقبة الدول المستوردة، من خلال إيقاف تشغيل تلك المفاعل أو وضع اليد عليها، وهو خطر له سوابق. إذ في عام 2014، قامت روسيا بإيقاف إمدادات الغاز إلى أوكرانيا لأشهر عدة بعد ضمها شبه جزيرة القرم، مما تسبب بخسائر اقتصادية واضطرابات اجتماعية. إذ إن الكهرباء، وعلى عكس "الفيول سي" (fuel c أي المستولد من الفحم الذي يحوي كمية عالية من الكربون)، لا يمكن تخزينها، مما يجعل إغلاق محطة توليد الطاقة النووية مدمراً بالنسبة إلى شبكة كهرباء البلاد ولاستقرارها الاقتصادي.

والولايات المتحدة ليست البلد الوحيد المتخلف عن الركب ضمن هذا السباق العالمي، إذ ثمة قوى كبرى أخرى لديها صناعات نووية متقدمة، وهي أيضاً لم تبذل جهداً كافياً لإتاحة التمويل المناسب ونماذج المشاريع الجاهزة التي تحتاج إليها البلدان النامية. و"منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" بدورها تطلب من الدول المنضوية في عضويتها أسعار فائدة أعلى وفترات سداد أطول مما تطلبه الصين وروسيا لقروض المشاريع النووية. هذا وترفض معظم مؤسسات تمويل التنمية متعددة الأطراف، كالبنك الدولي، المساهمة في تمويل بناء محطات الطاقة النووية، لذا فإن كل هذه الحواجز والمعوقات تجبر الدول النامية على الالتفات إلى برامج التصدير النووي الصينية والروسية.

تشغيل الطاقة

إن مهمة الحفاظ على التوازن الجيوسياسي ضمن سوق الطاقة النووية تتطلب من الولايات المتحدة وحلفائها اعتماد استراتيجيات ذات أبعاد أكثر تنافسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمفاعلات الصغيرة. وكان الكونغرس الأميركي في يوليو (تموز) 2024 أقر "قانون أدفانس"، الهادف إلى تحديث الضوابط النووية وتسريع عملية الترخيص ودعم أعمال بناء المفاعلات المتطورة ونشرها. ويتطلب هذا القانون من "الهيئة التنظيمية النووية" الأميركية القيام بتحديث إطارها التنظيمي، وتشريع التمويل لتحقيق تلك الأهداف. إن هذا القانون يمثل بداية جديدة، وعلى الكونغرس استخدام أحكامه لإيصال الجهود المبذولة لتطوير المفاعلات النووية الصغيرة (والمتوسطة) إلى حدها الأقصى. كذلك على "الهيئة التنظيمية النووية" النظر في اعتماد مرونة أكبر في أسلوب التفاوض على شروط التخصيب وإعادة المعالجة والتدوير، فبدلاً من الإصرار على تنازل الشركاء بصورة كاملة عن تلك الأدوار والأنشطة، يمكن لواشنطن أن تسمح لهم بممارستها تحت رقابة صارمة، فتوازن ما بين أهداف منع الانتشار النووي وبين الحاجة إلى المنافسة في سوق التصدير بهذا المجال.

إلا أن هذه الخطوات لن تكون كافية، فالمشكلة الأساسية بالنسبة إلى الدول الغربية تتمثل في كيفية معادلة كفاءة البناء والتمويل اللتين تقدمهما الصين وروسيا اليوم، أو التفوق عليهما. وكان تود موس، المحلل في مجال الطاقة نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق، اقترح في العام الماضي أن يقوم البنك الدولي بتعيين خبراء يمكنهم تقييم (مستوى) الطاقة النووية ضمن مزيج الطاقة (الموجود) في البلدان المتلقية، لكن هذه الفكرة ستبقى على الأرجح تواجه معارضة مساهمين في البنك (الدولي) ممن يعارضون الطاقة النووية. في المقابل وعلى نحو منفصل انطلقت مبادرة مقترحة لتسهيل تمويل مشاريع الطاقة النووية وجعلها أكثر تنافسية، وهي "البنك الدولي للبنى الأساسية النووية"، وبدأت العمل على نطاق واسع جداً عبر الطلب من 50 بلداً إنشاء مؤسسة مالية جديدة تماماً، إلا أن هذه المبادرة توقفت الآن.

سيكون من الأجدى في هذا الإطار إنشاء تعاونية عالمية للطاقة النووية يمكنها، كي تنطلق، تنسيق السياسات ضمن مجموعة سياسية صغيرة متحالفة، مؤلفة من دول مؤيدة لاستخدام الطاقة النووية وملتزمة بتسريع صادرات الطاقة النووية الاستراتيجية. الشراكات القائمة اليوم (في المجال النووي)، مثل "سابورو 5" - التي تضم كندا وفرنسا واليابان وبريطانيا والولايات المتحدة - بدأت سلفاً في تعزيز وتنويع سلسلة إمداد الوقود النووي العالمية. ثمة حاجة ماسة إلى حالات تعاون مماثلة لبناء محطات طاقة. ويمكن تنسيق حالات التعاون تلك من وكالة جديدة أو هيئة منبثقة من مؤسسة قائمة، مثل "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"، كما ينبغي لهذا التعاون الاستفادة من نقاط القوة التي تتمتع بها كل دولة (ضمن الشراكة)، كالاستفادة مثلاً من تفوق كندا في مجال استخراج وتعدين اليورانيوم، ومن الإمكانات الضخمة للولايات المتحدة في تصميم المفاعلات النووية الكبرى. وبوسع صيغة التعاون هذه أيضاً أن تعزز القطاع النووي المحلي في كل دولة عضو بالشراكة - بما في ذلك تعزيز قدرة كل دولة على حدة في تطوير المفاعلات النووية الصغيرة - عبر تشجيع تبادل الخبرات والبنى الأساسية. كما من شأن ذاك التعاون ضمن الشراكات أن يوفر للمنخرطين به القدرة على إصلاح أطر عمل التمويل التنموية التي تستبعد مشاريع الطاقة النووية من برامجها.

ويمكن لهذه المنظمة أو الصيغة التنظيمية أن توفر تمويلات وتكنولوجيات تنافسية، مصممة خصيصاً للدول النامية وقادرة على مزاحمة العروض الصينية والروسية. فالديموقراطيات، ومن خلال توحيد نقاط قوتها وتكثيفها، يمكنها المساعدة في التعامل مع الطلب المتزايد على الطاقة في دول الاقتصادات الناشئة، وذلك بموازاة تعزيز أمنها الخاص في مجالي الطاقة والاستقلال الدبلوماسي. حتى أن عقود الطاقة النووية واتفاقاتها التي تتوصل إليها هكذا منظمة يمكن أن تتفوق على تلك التي تقدمها الصين وروسيا، إذ بوسع تلك العقود أن تمنح الدول النامية دوراً أكبر في تشغيل مفاعلاتها، وهذا يشمل استثمار مزيد من الموارد في تدريب القوى العاملة المحلية ومساعدة الدول المستوردة في تأسيس أطر تنظيمية قوية لقطاع الطاقة النووية، ويمكن للمنظمة التعاونية أيضاً أن تعمل على تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز دعم شركات التكنولوجيا النووية المتقدمة الخاصة لتسريع وفورات الحجم (اقتصاديات الحجم)، وما ينتج منها من انخفاض تكاليف. ومن شأن التعاون في مجال الطاقة النووية أن يمنح الغرب محفلاً أساسياً لمواصلة التأثير في ضمانات منع الانتشار النووي، وذلك عبر خلق معايير تصدير تكنولوجية أكثر توازناً، تحافظ على الأمن النووي من دون ردع المشترين (مشتري التكنولوجيا النووية).

لا يزال ممكناً للدول النامية أن تقرر الحصول على تكنولوجيات الطاقة النووية من الصين وروسيا، لكن هذه الدول تحتاج إلى أن تمتلك القدرة على اتخاذ خيار حقيقي. فالولايات المتحدة وحلفاؤها ما زالوا يملكون فرصة لمواجهة وموازنة نفوذ الصين وروسيا المتزايد في مجال الطاقة النووية، لكن الأخطار تتزايد يومياً، إذ إن القرارات التي تتخذها واشنطن وحلفاؤها اليوم، في مطلع العصر النووي الجديد، ستحدد اتجاه أمن الطاقة والاقتصاد العالمي وشكل السلطة في عقود السنوات المقبلة.

 

جوزيل لويد باحثة في مجال تكنولوجيا الطاقة والبيئة في "مختبر لورينس بيركلي الوطني". في عام 2024 غدت زميلة باحثة في قسم "النساء القياديات في قطاعي الطاقة والمناخ" بمركز "المجلس الأطلسي" للأبحاث.

مترجم عن "فورين أفيرز"، 28 أبريل (نيسان) 2025

المزيد من آراء