Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النظام العالمي الراكد

أفول القوى الصاعدة

الصراع المألوف بين القوى الناشطة والمحتضرة يقترب من نهايته (أنوج شريستا)

ملخص

العالم مقبل على مرحلة غير مسبوقة من الركود الجيوسياسي بعد أفول القوى الصاعدة التي دفعتها الثورة الصناعية، فالإنتاجية تتباطأ والسكان يتناقصون والغزو لم يعد مجدياً، فيما بلغت الصين ذروتها وبدأت بالانحدار، وتعاني بقية القوى الكبرى الشيخوخة الاقتصادية والديموغرافية، ومع غياب قوى جديدة قادرة على قلب موازين النظام العالمي يتحول المشهد إلى ناد مغلق من قوى قائمة متعبة تتصارع على البقاء، مما ينذر بعصر اضطرابات وتصلب طويل الأمد.

خلال عام 1898، بينما انضمت المملكة المتحدة إلى قوى أخرى في تقاسم إمبراطورية تشينغ التي كانت ذات يوم عظيمة، حذّر رئيس الوزراء البريطاني اللورد سالزبوري جمهوراً في لندن من أن العالم ينقسم إلى أمم حية وأمم محتضرة، وكانت الأمم الحية هي القوى الصاعدة في العصر الصناعي، دولاً ذات تعداد سكاني متزايد وتكنولوجيات تحويلية وجيوش تمتلك مدى وقوة نيران غير مسبوقين، أما الأمم المحتضرة فكانت إمبراطوريات راكدة وعاجزة بسبب الفساد ومتمسكة بأساليب بالية وتنزلق نحو الخراب، وخشي سالزبوري أن يؤدي صعود بعض الدول واصطدامه بتراجع دول أخرى إلى دفع العالم نحو صراع كارثي.

والآن يبدو أن ذلك العصر من تحولات القوى شارف على نهايته، فللمرة الأولى منذ قرون لا توجد دولة ترتقي بسرعة كافية لقلب موازين القوة العالمية، فالطفرات الديموغرافية والتقدم الصناعي والتوسعات الإقليمية التي غذت القوى العظمى في السابق استنفدت معظم زخمها، والصين، آخر القوى الكبرى الصاعدة، بلغت ذروتها بالفعل وبدأ اقتصادها يتباطأ وعدد سكانها يتقلص، أما اليابان وروسيا وأوروبا فتوقفت عن النمو منذ أكثر من عقد من الزمان، فيما تمتلك الهند طاقة شبابية لكنها تفتقر إلى رأس المال البشري والقدرة المؤسسية لتحويلها إلى قوة حقيقية، وفي المقابل تواجه الولايات المتحدة مشكلاتها الخاصة مثل الديون والنمو البطيء والخلل السياسي، لكنها لا تزال تتفوق على منافسيها الذين يغوصون في تدهور أعمق. لقد حل الركود والتصلب محل الصعود السريع الذي ميز الجغرافيا السياسية الحديثة فأصبح العالم الآن نادياً مغلقاً من القوى القائمة الهرمة، محاطاً بالقوى المتوسطة والدول النامية والدول الفاشلة.

وفي الواقع يحمل هذا التحول عواقب وخيمة، فعلى المدى البعيد قد يجنب العالم الدورة المدمرة للقوى الصاعدة وسعيها وراء الأراضي والموارد والمكانة الذي انتهى في كثير من الأحيان بالحروب، أما في المدى القريب فإن الركود والصدمات الديموغرافية تولد أخطاراً حادة، فالدول الهشة تترنح تحت وطأة الديون والزيادات الحادة في أعداد الشباب، والقوى المتعثرة تلجأ إلى التسلح والمطالبات التوسعية لتجنب التدهور، وانعدام الأمن الاقتصادي يؤجج التطرف ويقوض الديمقراطيات، فيما تنجرف الولايات المتحدة نحو نزعة أحادية متغطرسة، ولذلك فإن عصر القوى الصاعدة يقترب من نهايته لكن تبعاته المباشرة قد لا تكون أقل عنفاً.

عصر الصعود

على رغم رواج تشبيه الصين بأثينا الصاعدة والولايات المتحدة بإسبرطة المهددة، فإن القوى الصاعدة بالمعنى الحقيقي ظاهرة حديثة، فهي لم تظهر إلا خلال الـ 250 عاماً الماضية مع الثورة الصناعية، حين حرر الفحم والبخار والنفط المجتمعات من فخ مالتوس [توماس روبرت مالتوس عالم إنجليزي بيئي وسكاني حذر من زيادة عدد سكان الأرض بوتيرة تفوق قدرة الكوكب على توفير الموارد اللازمة لرعايتهم مما قد يؤدي إلى انتشار الفقر والمجاعات، إذا لم تتخذ تدابير تحد من النمو السكاني أو تزيد من الإنتاج]، ذلك الفخ الذي تستهلك فيه الأعداد الإضافية من البشر أية زيادة في الموارد والثروات، مما أبقى مستويات المعيشة عند حد الكفاف، وللمرة الأولى أصبح ممكناً للثروة والسكان والقوة العسكرية أن تتوسع معاً، متضافرة بدلاً من أن تتعارض، ومانحة الدول القدرة على مراكمة القوة في مسار تصاعدي مستمر، واستند هذا التحول إلى ثلاث قوى: التقنيات التي عززت الإنتاجية بصورة هائلة، والزيادات السكانية التي ضاعفت حجم القوى العاملة والجيوش، والآلات العسكرية التي مكنت من الفتوحات السريعة.

لم يكن العالم ما قبل الصناعة يمتلك أياً من هذه الديناميكيات، فمنذ العام الأول الميلادي إلى عام 1820، لم يرتفع الدخل العالمي للفرد سوى بنسبة 0.017 في المئة سنوياً، أي أقل بقليل من اثنين في المئة لكل قرن، ومع كون الفقر القاعدة السائدة لم يحدث تغير موازين النفوذ بين الدول إلا بصورة متقطعة وعشوائية، وعادة ما كانت من طريق استنزاف الموارد الشحيحة، فقد استخرجت الإمبراطوريات الصينية والهندية بصعوبة فوائض زراعية محدودة، وفرضت البندقية والعثمانيون ضرائب على التجارة، ونهبت إسبانيا والبرتغال الفضة، وتوسعت سلالتا هابسبورغ وبوربون من خلال الزيجات بين الأسر الحاكمة، وأعادت الابتكارات العسكرية مثل سلاح الفرسان في عهد المغول أو البارود في عهد الإمبراطوريات العثمانية والصفوية والمغولية، تشكيل ميزان القوى لفترة من الزمن، لكن المنافسين تكيفوا معها في نهاية المطاف، وحتى الدولة البريطانية التي اشتهرت بقوتها المالية والعسكرية لم تفعل سوى استنزاف مزيد من الموارد الشحيحة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثم جاءت الثورة الصناعية لتحرير العالم من قبضة الندرة وجعلت الإنتاجية أساس القوة، ونقلت المجتمعات من العصور الوسطى إلى العصر الحديث خلال أقل من قرن، فالبريطاني الذي وُلد عام 1830 في عالم من الشموع والعربات التي تجرها الخيول والسفن الخشبية، تمكن بحلول شيخوخته من ركوب القطار وإرسال برقية تليغراف والسير في شوارع مضاءة بالمصابيح الكهربائية والسلع المصنعة وشبكات المياه والصرف داخل المنازل، وفي غضون حياة واحدة تضاعف استهلاك الفرد للطاقة من خمسة إلى 10 أضعاف، وأنتج هذا التحول أولى القوى الصاعدة الحديثة، فخلال القرن الـ19 نما الدخل الفردي بمعدل يفوق 30 ضعف وتيرته خلال عصر ما قبل الصناعة، وتركزت المكاسب بين عدد قليل من الدول، مما خلق تباينات هائلة في القوة، فقد قفزت حصة المملكة المتحدة والولايات المتحدة والولايات الألمانية من الإنتاج الصناعي العالمي من أقل من 10 في المئة خلال عام 1800 إلى أكثر من النصف بحلول عام 1900، بينما تضاعف دخل الفرد فيها ثلاث مرات تقريباً، وفي المقابل انخفضت حصة الصين والهند من أكثر من نصف الإنتاج العالمي إلى أقل من 10 في المئة، وظلت إمبراطوريات هابسبورغ والعثمانيين والروس زراعية إلى حد كبير، وطغت الواردات على صناعاتها، وبحلول عام 1900 كان سكان الدول الصناعية الرائدة يكسبون ما بين ثمانية إلى 10 أضعاف ما يكسبه الفرد في الصين أو الهند، وعدة أضعاف ما يكسبه الفرد في روسيا والإمبراطوريتين الهابسبورغية والعثمانية، وما كان في السابق تكافؤاً تقريبياً أصبح ما يسمى التباعد الكبير بين الغرب وبقية العالم.

وأطلقت مكاسب الإنتاجية وتحسنها طفرة في عدد السكان، فالمجتمعات ما قبل الصناعة بالكاد كانت تنمو، إذ كان عدد السكان يتضاعف مرة واحدة فقط كل 1000 عام، لكن الثورة الصناعية حطمت هذا السقف، فخلال القرن الـ19 نما عدد سكان العالم أسرع بـ 10 مرات تقريباً مما كان عليه، في المتوسط من العام الأول الميلادي إلى عام 1750، وأدت الزراعة الميكانيكية والصرف الصحي والكهرباء والتبريد والأدوية الجديدة إلى رفع متوسط العمر المتوقع العالمي بأكثر من 60 في المئة بين عامي 1770 و1950، مما سمح بتضاعف عدد السكان كل جيل أو جيلين، وقادت ألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة هذه الطفرة، تلتها اليابان وروسيا، بينما تخلفت الصين والهند والإمبراطوريتان الهابسبورغية والعثمانية، وبحلول الحرب العالمية الأولى أصبحت الجيوش التي كانت ذات مرة تعد بعشرات الآلاف قادرة على حشد الملايين.

الإنتاجية تتباطأ ,السكان يتضاءلون ومعها يزداد الغزو صعوبة

وشكلت القوة البشرية ركيزة الجيوش الصناعية، وهي العنصر الثالث في بناء القوى الصاعدة، وكانت الحروب في عصر ما قبل الثورة الصناعية وحشية ولكن محدودة، وكانت الجيوش صغيرة الحجم في الغالب، وتتحرك خلال مواسم معينة، وتعتمد على موارد الأرض التي تسير فيها، ولا تتحرك إلا بالسرعة التي تسمح بها الخيول أو السفن الشراعية، ومع الأسلحة البدائية واللوجستيات الضعيفة كانت الحروب متكررة ولكنها غير حاسمة، وغالباً ما كانت تستمر لعقود لكن الصناعة قلبت هذا العالم رأساً على عقب، إذ إن السكك الحديد والبواخر والبرقيات جعلت التعبئة الجماعية ممكنة، فيما ضاعفت البنادق والمدافع الرشاشة والمدفعية الثقيلة القدرة على القتل، وبحلول أوائل القرن الـ 20 سيطرت الإمبراطوريات الصناعية على أربعة أخماس الكوكب، وحولت الخريطة إلى فسيفساء من مناطق النفوذ المتداخلة والمتفرقة تهيمن عليها حفنة من القوى الصاعدة.

معاً أدخلت هذه التحولات الاقتصادية والديموغرافية والعسكرية كل منطقة إلى ساحة واحدة من التنافس والتفاعل، فقد ازدادت قيمة التجارة العالمية 10 أضعاف بين عامي 1850 و1913، وحتى الإمبراطوريات التي كانت معزولة لفترة طويلة مثل اليابان في عهد توكوغاوا والصين في عهد تشينغ، أجبرت على الدخول في المعمعة، وللمرة الأولى واجهت الدول خياراً صارماً، إما التصنيع أو الخضوع للهيمنة، ومن هذا السباق المحموم برزت قائمة صغيرة من القوى العظمى صعدت إلى مراتب العظمة بطرقها الخاصة، وكان أحد هذه المسارات هو التوحيد الوطني، إذ قامت أول منطقة صناعية في أرض مجزأة بغزو بقية الأقاليم، فبروسيا صهرت ألمانيا في كيان واحد، فيما بنت عشيرتا ساتسوما وتشوشو اليابان الحديثة، وقاد إقليم بيمونت توحيد إيطاليا، وسحق الشمال الصناعي في الولايات المتحدة أمم السكان الأصليين ثم هزم الجنوب الانفصالي القائم على العبودية وتوسع غرباً، وكان مسار آخر نحو القوة هو الشمولية، إذ سعت الإمبراطوريات السابقة إلى التصنيع السريع تحت حكم ديكتاتوريين لا يرحمون، مثل الاتحاد السوفياتي في عهد جوزيف ستالين، وألمانيا في عهد أدولف هتلر، والصين في عهد ماو تسي تونغ، وبكلفة بشرية هائلة.

أما المسار الثالث فكان التحول إلى دولة تحت الحماية [تحتمي بقوة عظمى]، فالصين بعدما شاهدت ألمانيا واليابان ما بعد الحرب تعيدان بناء نفسيهما تحت حماية الولايات المتحدة، مالت نحو واشنطن بدءاً من سبعينيات القرن الـ 20 لتستدر منها رأس المال والمعرفة قبل أن تنفصل عنها خلال هذا القرن لتسعى نحو الهيمنة، وكانت هذه هي أبواب الانضمام إلى نادي القوى الصاعدة، وقد فُتحت جميعها في ظل الظروف التكنولوجية والديموغرافية والعسكرية الاستثنائية التي ميزت العصر الصناعي.

من الرياح المواتية إلى الرياح المعاكسة

تلك الأبواب تغلق الآن، فالإنتاجية تتباطأ وأعداد السكان تتقلص والغزو يزداد صعوبة، وتقنيات اليوم، على رغم روعتها، لم تعد تحدث تحولاً جذرياً في نمط الحياة مثلما فعلت الثورة الصناعية، فستبدو شقة أميركية من أربعينيات القرن الـ 20 فيها ثلاجة وموقد غاز وإنارة كهربائية وهاتف، مألوفة اليوم، وعلى النقيض من ذلك سيبدو منزل من سبعينيات القرن الـ 19مع مرحاض خارجي وبئر ماء ومدفأة للطهي والتدفئة، وكأنه بدائي جداً.

كانت القفزة من عام 1870 إلى عام 1940 ثورية، أما الخطوات التي تبعتها منذ ذلك الحين فكانت أقل تأثيراً بكثير، وتوقف تطور سرعات النقل عند حد معين، فلم يفصل بين أول رحلة طيران للأخوين رايت عام 1903 والهبوط على القمر سوى 66 عاماً، ومع ذلك، بعد نصف قرن، لا تزال السيارات والطائرات تتحرك بسرعات القرن الـ20، وأظهر قطاع الطاقة جموداً مماثلاً، إذ لا يزال الوقود الأحفوري يوفر أكثر من 80 في المئة من الإمداد العالمي، وهو رقم لم يتغير تقريباً منذ سبعينيات القرن الماضي، على رغم استثمار تريليونات الدولارات في مصادر الطاقة المتجددة.

واستطراداً توقف متوسط العمر المتوقع عن الارتفاع، إذ تباطأت زيادات متوسط العمر في الاقتصادات المتقدمة بل تراجعت أحياناً، وارتفع عدد العلماء بأكثر من 40 ضعفاً منذ ثلاثينيات القرن الـ 20، ومع ذلك انخفضت إنتاجية البحث بالقدر نفسه تقريباً وصارت تتراجع الآن إلى النصف كل 13 عاماً. وتضاعف الإنفاق على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 1980، لكن نمو الإنتاجية وتأسيس الشركات الناشئة انخفض كل منهما إلى النصف في الاقتصادات المتقدمة، وحتى الثورة الرقمية أثبتت أنها عابرة، فبعد قفزة وجيزة خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي هبط نمو الإنتاجية إلى أدنى مستوياته التاريخية.

تقنيات اليوم لم تعد تحدث تحولاً جذرياً في نمط الحياة مثلما فعلت الثورة الصناعية

بعض التوقعات تزعم أن الذكاء الاصطناعي سيعزز الإنتاج العالمي بنسبة 30 في المئة سنوياً، لكن معظم الاقتصاديين يتوقعون أنه سيضيف نحو نقطة مئوية واحدة فقط إلى النمو السنويk ويتفوق الذكاء الاصطناعي في المهمات الرقمية لكن أشد عوائق العمل تكمن في المجالات المادية والاجتماعية، فالمستشفيات تحتاج إلى ممرضين أكثر مما تحتاج إلى أجهزة مسح أسرع، وتحتاج المطاعم إلى طهاة أكثر من أجهزة طلب الطعام الإلكترونية، ويجب على المحامين إقناع القضاة وليس الاكتفاء بتحليل المرافعات، ولا تزال الروبوتات غير فعالة في بيئات العالم الحقيقي، ولأن التعلم الآلي قائم على الاحتمالات فإن الأخطاء لا مفر منها، ولذلك يجب أن يبقى البشر في كثير من الأحيان جزءاً من العملية.

وفي تعبير واضح عن هذه القيود أفادت نحو 80 في المئة من الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي أنه لم يكن له أي تأثير جوهري في أرباحها، وفقاً لمسح عالمي أجرته شركة "ماكينزي" حول الذكاء الاصطناعي، وحتى لو استمر الذكاء الاصطناعي في التقدم فإن تحقيق مكاسب إنتاجية كبيرة قد يستغرق عقوداً لأن الاقتصادات تحتاج إلى إعادة تنظيم كاملة حول الأدوات الجديدة، وهذا لا يخفف كثيراً من معاناة الاقتصادات المتعثرة اليوم، فقد تباطأ النمو العالمي من أربعة في المئة في بدايات القرن الـ 21 إلى نحو ثلاثة في المئة اليوم، وإلى نحو واحد في المئة فقط داخل الاقتصادات المتقدمة، أما نمو الإنتاجية، الذي كان يراوح ما بين ثلاثة وأربعة في المئة سنوياً خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الـ 20، فقد انخفض إلى ما يقارب الصفر، وخلال الوقت نفسه تضخم الدين العالمي من 200 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل 15 عاماً إلى 250 في المئة اليوم، متجاوزاً 300 في المئة ضمن بعض الاقتصادات المتقدمة.

ولا يبدو المستقبل الديموغرافي أكثر إشراقاً، فاليوم يعيش نحو ثلثي سكان العالم داخل بلدان تقل فيها معدلات الولادة عن مستوى الإحلال، ومعظم الدول الصناعية هي حرفياً قوى تحتضر، يفقد بعض منها سنوياً مئات الآلاف من سكانه وبعض آخر الملايين، والأسواق الناشئة ليست بعيدة منها. 

وحدها أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لا تزال تتمتع بمعدلات خصوبة عالية لكنها أيضاً آخذة في الانخفاض، وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن عدد سكان العالم سيبدأ في الانخفاض خلال خمسينيات هذا القرن، والآثار المترتبة على القوة الوطنية صارخة، فمع تقلص القوى العاملة وتزايد أعداد المتقاعدين يتوقع أن ينخفض النمو ضمن الاقتصادات الكبرى بنسبة 15 في المئة في الأقل خلال الـ 25 عاماً المقبلة، وبالنسبة إلى بعضهم سيكون الانخفاض أسوأ بمرات عدة، ومن أجل تعويض تلك الخسارة سيكون مطلوباً تحقيق مكاسب إنتاجية تراوح ما بين اثنين وخمسة في المئة سنوياً، وهي الوتيرة السريعة التي سادت خلال خمسينيات القرن الـ 20، أو ساعات عمل أطول، وكلاهما غير واقعي في ظل تباطؤ الابتكار والتقاعد الجماعي.

الانحدار الديموغرافي يغلق الباب أيضاً أمام أي انتعاش سريع، ففي العصر الصناعي حتى البلدان التي دمرتها الحرب كان بإمكانها النهوض بسرعة، فألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، والاتحاد السوفياتي واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، والصين بعد "قرن الإذلال"، عادت جميعها أكبر وأقوى في غضون جيل واحد، أما اليوم ومع تقلص السكان فإن القوة المفقودة قد لا تعود على الإطلاق.

مع عدم وجود نمو اقتصادي أو نهضة ديموغرافية يمكن الاعتماد عليهما قد يبدو الغزو هو المسار الأخير للقوة الصاعدة، ومع ذلك فإن هذا الطريق أيضاً يضيق، فانتشار التقنيات الصناعية مثل السكك الحديد والتليغراف والكهرباء سهّل بناء الدول وإنهاء الاستعمار، مما ضاعف عدد الدول القومية في العالم أربع مرات منذ عام 1900، ومنذ ذلك الحين غرقت أكثر من 160 حال احتلال في مستنقعات التمرد، حيث حولت البنادق الرخيصة وقذائف الهاون وقاذفات الصواريخ القرى إلى ساحات قتل، ورفعت الأسلحة النووية أخطار الغزو إلى مستويات وجودية، فيما سمحت الذخائر الموجهة والطائرات المسيّرة حتى للميليشيات غير النظامية مثل الحوثيين بشل حركة السفن والدبابات، وفي الوقت نفسه تقلصت غنائم الغزو، فبعدما كانت الأراضي والمعادن مصدر ثراء للإمبراطوريات في الماضي، أصبحت اليوم نسبة 90 في المئة تقريباً من أصول الشركات في الدول المتقدمة أصولاً غير ملموسة، أي برمجيات وبراءات اختراع وعلامات تجارية لا يمكن نهبها.

أما بالنسبة إلى القوى الطموحة في العالم النامي فإن الصعود أصبح أكثر صعوبة، حيث تهيمن الشركات المتعددة الجنسيات من الدول الغنية على رأس المال والتكنولوجيا، فيما أصبح الإنتاج العالمي مجزأً ومركباً من وحدات متخصصة، مما جعل الدول المتأخرة في التصنيع عالقة في أدوار هامشية ومنخفضة القيمة تقتصر على تجميع السلع أو تصدير المواد الخام، من دون فرصة لبناء شركات قادرة على المنافسة عالمياً، وتضاءلت المساعدات الخارجية وتقلصت أسواق التصدير وانتشرت النزعات الحمائية، مما أغلق طريق النمو القائم على التصدير الذي سلكته الدول الصاعدة في الماضي، وتباطأت وتيرة التغيرات التاريخية بصورة كبيرة، ومع بعض الاستثناءات القليلة فإن الدول التي كانت غنية وقوية عام 1980 لا تزال كذلك اليوم، في حين بقيت معظم الدول الفقيرة على فقرها، فخلال الفترة ما بين عامي 1850 و1949 ظهرت خمس قوى عظمى جديدة على المسرح العالمي، لكن خلال الأعوام الـ 75 التالية لم تظهر سوى الصين، وقد تكون الأخيرة.

احذر الفجوة

باعتبارها القوة المهيمنة في العالم، تحدد الولايات المتحدة الوتيرة التي يصعد أو يهبط وفقها الآخرون، وفي بداية القرن الـ 21 كانت تلك الوتيرة كارثية [متدنية للغاية]، فخلال عام 2001 تعرضت البلاد لأعنف هجوم على أراضيها، وعلى مدى العقد التالي خاضت اثنتين من أطول ثلاث حروب في تاريخها بكلفة بلغت مئات آلاف الأرواح، بما في ذلك آلاف الأميركيين، وأنفقت خلالهما 8 تريليونات دولار من دون تحقيق النصر، وفي عام 2008 شهدت أسوأ انهيار مالي منذ الكساد الكبير.

وخلال الوقت نفسه قلصت اقتصادات أخرى الفجوة، فمن عام 2000 إلى 2010 قفز الناتج المحلي الإجمالي للصين محسوباً بالدولار (وهو أوضح مؤشر إلى القوة الشرائية للدولة في الأسواق الدولية) من 12 في المئة إلى 41 في المئة من الناتج الأميركي [أي إن حجم اقتصاد الصين أصبح يعادل 41 في المئة من حجم الاقتصاد الأميركي]، وتضاعفت حصة روسيا أربع مرات، وحصة البرازيل والهند أكثر من مرتين، وحققت الاقتصادات الأوروبية الكبرى مكاسب ملموسة، وبالنسبة إلى عدد من المراقبين فقد أنذرت هذه التحولات بانتقال هائل في موازين القوى، وهو ما أطلق عليه الكاتب فريد زكريا تسميته الشهيرة "صعود البقية"، مشيراً إلى ما يزعم أنه "عالم ما بعد أميركا".

قد تكون الصين آخر قوة عظمى جديدة تقتحم الساحة

لكن سرعان ما تغير الوضع، فخلال العقد الثاني من القرن الـ21 تراجعت معظم الاقتصادات الكبرى وانخفضت حصة البرازيل واليابان من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة إلى النصف تقريباً، وفقدت كندا وفرنسا وإيطاليا وروسيا نحو ثلث وزنها الاقتصادي النسبي، بينما انخفضت حصة ألمانيا والمملكة المتحدة بنحو الربع، ووحدهما الصين والهند واصلتا الصعود، وكانت أعوام العشرينيات من القرن الحالي أشد قسوة حتى، إذ تعد الهند الاقتصاد الكبير الوحيد الذي لا يزال يحافظ على وتيرة نموه مقارنة بالولايات المتحدة، فمن عام 2020 إلى عام 2024 انخفض الناتج المحلي الإجمالي للصين من 70 إلى 64 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، أما الناتج المحلي الإجمالي لليابان فانخفض من 22 إلى 14 في المئة، وتراجعت اقتصادات ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بصورة أكبر، بينما بدأ الاقتصاد الروسي يعاني التعثر بعد انتعاش وجيز بفعل الحرب.

كذلك انكمشت الاقتصادات المجمعة لدول أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوب شرقي آسيا من 90 في المئة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة قبل عقد من الزمن إلى 70 في المئة فقط خلال عام 2023، وهكذا فإن "صعود البقية" لم يتباطأ وحسب، بل بدأ يعكس مساره.

ومن غير المرجح حدوث انتعاش، فقد كان الصعود الظاهري للقوى الجديدة خلال الأعوام الأولى من القرن الـ 21 مضللاً دائماً لأن الناتج المحلي الإجمالي مقياس سطحي وغير دقيق للقوة، إذ إن ما يهم حقاً هو ركائز الاقتصاد المتين، أي الإنتاجية والابتكار وأسواق المستهلكين والطاقة والتمويل والاستقرار المالي، وفي هذه المجالات يتعثر معظم المنافسين، فعلى مدى العقد الماضي لم تحقق سوى الهند والولايات المتحدة مكاسب في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج التي تقيس مدى كفاءة الدولة في تحويل العمالة ورأس المال والمدخلات الأخرى إلى ناتج اقتصادي، أما اليابان فظلت راكدة بينما تراجعت دول أخرى، وعلى رغم إضافتها مزيداً من المدخلات فإنها حققت نمواً أقل.

في الصناعات المتقدمة تبدو الفجوة أوسع، إذ تستحوذ الشركات الأميركية على أكثر من نصف أرباح التكنولوجيا العالمية الفائقة، بينما لا تكاد الصين تحظى سوى بستة في المئة، وتتجاوز مزايا الولايات المتحدة ذلك، حيث أصبحت سوقها الاستهلاكية الآن أكبر من السوق الصينية وسوق منطقة اليورو مجتمعتين، وهي ثاني أكبر دولة تجارية في العالم لكنها من بين الأقل اعتماداً على التجارة، فصادراتها لا تشكل إلا 11 في المئة من ناتجها المحلي، ويذهب ثلثها إلى كندا والمكسيك مقارنة بـ20 في المئة داخل الصين و30 في المئة عالمياً، وفي مجال الطاقة تحولت من مستورد صاف إلى أكبر منتج مستفيدة من أسعار أقل بكثير من تلك التي لدى منافسيها، ولا يزال الدولار يهيمن على الاحتياطات والخدمات المصرفية وصرف العملات الأجنبية، ومن يذكر أن إجمال الدين العام والخاص في الولايات المتحدة ضخم، إذ يبلغ نحو 250 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2024، ومن المرجح أن يرتفع مع الخفوض الضريبية الموسعة التي أقرها الكونغرس خلال يوليو (تموز) الماضي، ومع ذلك يبقى أقل من نظرائه في الدول الأخرى، ففي اليابان يتجاوز 380 في المئة، وفي فرنسا 320 في المئة، وفي الصين يتجاوز 300 في المئة عند احتساب التزامات الحكومات المحلية والشركات المخفية، وعلاوة على ذلك فخلال الفترة من عام 2015 إلى عام 2025، انخفض الدين في الولايات المتحدة بصورة طفيفة بينما ارتفع بنحو 60 نقطة مئوية داخل الصين، وأكثر من 25 نقطة مئوية في اليابان والبرازيل، وما يقارب 20 نقطة داخل فرنسا.

إن "صعود البقية" لم يتباطأ وحسب بل بدأ يعكس مساره

وستثقل الديموغرافيا كاهل منافسي الولايات المتحدة أكثر فأكثر، فخلال الأعوام الـ25 المقبلة، سيزداد عدد البالغين في سن العمل في الولايات المتحدة بنحو 8 ملايين شخص (أي زيادة بنسبة 3.7 في المئة)، بينما ستفقد الصين نحو 240 مليوناً (انخفاض بنسبة 24.5 في المئة)، أي أكثر من إجمال القوى العاملة في الاتحاد الأوروبي، وستفقد اليابان نحو 18 مليون عامل (25.5 في المئة من قوتها العاملة)، وروسيا أكثر من 11 مليوناً (12.2 في المئة)، وإيطاليا نحو 10 ملايين (27.5 في المئة)، والبرازيل 10 ملايين (7.1 في المئة)، وألمانيا أكثر من 8 ملايين (15.6 في المئة)، وستفاقم شيخوخة السكان حدة المشكلة، ففي الفترة نفسها ستضيف الولايات المتحدة نحو 24 مليون متقاعد (زيادة بنسبة 37.8 في المئة)، لكن الصين ستضيف أكثر من 178 مليوناً (زيادة بنسبة 84.5 في المئة). أما اليابان التي تعاني أصلاً ارتفاع نسبة المسنين، فستضيف 2.5 مليون متقاعد (زيادة بنسبة 6.7 في المئة). وستضيف ألمانيا 3.8 مليون (زيادة بنسبة 19 في المئة)، وإيطاليا 4.3 مليون (زيادة بنسبة 29 في المئة)، وروسيا 6.8 مليون (زيادة بنسبة 27 في المئة)، والبرازيل 24.5 مليون (زيادة هائلة قدرها 100 في المئة).

وعلى مدى قرنين من الزمان كانت القوى الصاعدة تستمد زخمها من تضخم أعداد الشباب، أما اليوم فتفقد الاقتصادات الكبرى عمالها بينما تتزايد أعداد المتقاعدين، وهي ضربة مزدوجة لم يواجهها أي منافس من قبل.

وباستثناء الولايات المتحدة فلا يبدو أن أي دولة سوى الهند، وهي الدولة الأكثر سكاناً في العالم التي يُتوقع أن تنمو قوتها العاملة حتى أربعينيات القرن الحالي، تتمتع بحماية جزئية من التدهور الديموغرافي، مما يغذي آمالها في أن تكون القوة الصاعدة التالية، لكن الهند تعاني نقصاً حاداً في العمالة الماهرة. وبداية من عام 2020 فإن ما يقارب ربع البالغين في سن العمل لم يلتحقوا بالمدارس على الإطلاق، ومن بين الذين تلقوا تعليماً، يفتقر أربعة من بين كل خمسة منهم إلى المهارات الأساس في الرياضيات والعلوم، وفي المجمل يفتقر ما يقارب 90 في المئة من الشباب إلى مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساس، وتتفاقم المشكلة بفعل هجرة الأدمغة، إذ تُرسل الهند عدداً من المهاجرين المهرة إلى الاقتصادات المتقدمة يفوق العدد الذي ترسله أية دولة أخرى، وقد وجدت دراسة تتبعت طلاب دفعة عام 2010 من المتقدمين لاختبار القبول في كلية الهندسة [امتحان القبول المشترك]، وهو البوابة إلى أرقى مؤسسات التكنولوجيا، أنه في غضون ثمانية أعوام انتقل أكثر من ثلث أفضل 1000 متقدم إلى الخارج، بمن فيهم أكثر من 60 في المئة من أفضل 100 متقدم.

ويفاقم الاقتصاد الهندي نقاط الضعف هذه، فلا تزال العمالة والصناعة تعانيان قيوداً كبيرة، إذ يعمل أكثر من 80 في المئة من العمال في القطاع غير الرسمي الذي لا يخضع للضرائب، وانكمش ما يقارب نصف القطاعات الصناعية منذ عام 2015، كما أن البنية التحتية والتجارة محدودتان، فأكثر موانئ الهند ازدحاماً لا يتعامل إلا مع سُبع حجم شحنات أكبر موانئ الصين، وربع تجارة البلاد مع أوروبا وشرق آسيا يجب أن تمر عبر مرافئ أجنبية، مما يضيف ثلاثة أيام وقرابة 200 دولار على كلفة كل حاوية.

وأخيراً فإن قطاع الخدمات الذي يُشاد به ضيق النطاق، إذ يتركز نموه في شركات تكنولوجيا المعلومات التي لا يمكنها استيعاب قوة عاملة ضخمة، مما يترك نحو 40 في المئة من خريجي الجامعات في العقد الثاني من عمرهم بلا عمل، وستظل الهند دولة ذات أهمية، فسوقها واسعة وجيشها قوي مقارنة بجيرانها في المنطقة، وجاليتها مؤثرة لكنها تفتقر إلى الأسس اللازمة للصعود كقوة عظمى حقيقية.

رهان الصين

إذا كان هناك أي بلد قادر على مواجهة الرياح المعاكسة اليوم فهو الصين، فهي تنتج ثلث سلع العالم وتصنع سفناً ومركبات كهربائية وبطاريات ومعادن أرضية نادرة وألواحاً شمسية ومكونات دوائية أكثر مما تنتجه بقية أجزاء العالم مجتمعة، ويمكن للمراكز الصناعية مثل شنجن وهيفي تحويل التصميم من نموذج أولي إلى إنتاج ضخم في غضون أيام، مدعومة بأكبر شبكة كهرباء في العالم وقوة عاملة هائلة من الروبوتات الصناعية، وبكين تمول البحوث وتوجه الشركات وتخزن الموارد، في حين أن إستراتيجيتها في مجال الذكاء الاصطناعي تعطي الأولوية للتطبيق العملي السريع والمنخفض الكلفة.

واستطراداً يمنحها حجمها الهائل نفوذاً كبيراً، إذ يمكنها إغراق الأسواق لإفلاس المنافسين مثلما فعلت مع الألواح الشمسية، ويمكنها إنتاج السلع الإستراتيجية من الطائرات المسيرة إلى السفن والمعادن النادرة بسرعة تفوق أي منافس، وعند النظر فيما تملكه من أصول وقدرات تبدو الصين قوة لا يمكن إيقافها.

لكن من ناحية الأعباء والمسؤوليات فإن وضع الصين أضعف بكثير، إذ يرتكز نموذج نموها على ثلاث رهانات محفوفة بالأخطار، وهي أن الإنتاج الإجمالي أهم من العوائد الصافية، وأن عدداً قليلاً من الصناعات النموذجية والمتفوقة يمكن أن يعوض عن غياب النشاط الاقتصادي الواسع والمتنوع، وأن الحكم الاستبدادي يمكن أن يحقق ديناميكية أكبر من الديمقراطية، ولقد ولدت هذه الرهانات ناتجاً مذهلاً ولكن بكُلف متزايدة، ويُظهر التاريخ أن هذه الالتزامات والأعباء عادة ما تكون حاسمة ومصيرية.

على مدى القرنين الماضيين كانت الدول التي تمتلك موارد صافية أعمق، أي ما بقي بعد توفير حاجات شعوبها والحفاظ على اقتصاداتها وأمنها الداخلي، هي التي تنتصر في 70 في المئة من النزاعات، و80 في المئة من الحروب، وفي جميع منافسات القوى العظمى، ففي القرن الـ 19 بدت الصين وروسيا عملاقتين على الورق بامتلاكهما أكبر اقتصادين في أوراسيا، لكن إمبراطوريتيهما المثقلتين بالالتزامات والأعباء هُزمتا مراراً وتكراراً على يد منافسين أصغر حجماً وأكثر كفاءة مثل ألمانيا واليابان والمملكة المتحدة، وفي القرن الـ 20 ضخ الاتحاد السوفياتي موارد هائلة في القطاعات الإستراتيجية، فأنفق ما يقارب ضعف ما أنفقته الولايات المتحدة على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ووظف ما يقارب ضعف عدد العلماء والمهندسين، بينما أنتج كميات هائلة من الفولاذ والأدوات الصناعية والتكنولوجيا النووية والنفط والغاز والمواد الخام الأخرى، وقد بنى سدوداً وسكك حديد عملاقة، وحقق تقدماً باكراً في سباق الفضاء، ومع ذلك كانت تلك النجاحات استثناءات قليلة وسط حال عامة من الركود، وانهار الاتحاد السوفياتي في نهاية المطاف لا بسبب نقص المشاريع العملاقة بل لأن اقتصاده الأوسع قد تآكل من الداخل.

وتتجه الصين اليوم نحو فخ مشابه، فيعتمد نموذجها القائم على الاستثمار على مدخلات متزايدة باستمرار لإنتاج عوائد أصغر فأصغر، إذ تتطلب كل وحدة إنتاج الآن ضعفَي إلى ثلاثة أضعاف رأس المال وأربعة أضعاف العمالة مقارنة بالولايات المتحدة، وللحفاظ على معدلات النمو الرسمية (قد لا تعكس الواقع)، أغرقت بكين النظام بالائتمان فخلقت أكثر من 30 تريليون دولار من الأصول المصرفية الجديدة منذ عام 2008، وبحلول عام 2024 كان نظامها المصرفي قد تضخم ليصل إلى 59 تريليون دولار، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الصيني وأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

وفي الواقع يذهب جزء كبير من هذه الديون إلى شقق سكنية فارغة ومصانع غير مربحة وقروض متعثرة، أي الأصول التي تبدو كالثروة على الورق ولكنها في الحقيقة سندات دين [التزامات مالية] قد لا تُسدد مطلقاً، وقد انهار قطاع العقارات والبناء الذي كان يشكل حوالى 30 في المئة من الاقتصاد، وهو ما محا نحو 18 تريليون دولار من ثروة الأسر منذ عام 2020، وكانت الضربة التي تلقاها المواطنون الصينيون أقسى من تلك التي تعرض لها الأميركيون عام 2008 لأن الأسر الصينية استثمرت أكثر من ضعف صافي ثروتها في العقارات مما استثمرته الأسر الأميركية، ومع خسارة كثير من الأسر المتوسطة الدخل من مدخرات عمرها، توقف الدخل المتاح عند 5800 دولار للفرد، والاستهلاك عند 39 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل نصف النسبة المسجلة في الولايات المتحدة، وأقل بكثير مما حققته اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان خلال طفراتها الصناعية، وقد انهار الطلب وتراجعت الأسعار الآن لتسعة أرباع متتالية [نحو عامين وربع العام]، وهي أطول فترة انكماش اقتصادي شهدها أي اقتصاد رئيس منذ عقود.

وهناك نقطة ضعف أخرى هي رأس المال البشري، فبينما أنفقت بكين بسخاء أموالاً طائلة على البنية التحتية أهملت شعبها، فهناك ثلث فقط من البالغين في سن العمل قد أنهوا مرحلة تعليمهم الثانوي، وهي أدنى نسبة بين البلدان المتوسطة الدخل، وعلى النقيض من ذلك فعندما كانت كوريا الجنوبية وتايوان عند مستوى الدخل نفسه في أواخر ثمانينيات القرن الـ 20، كان ما يقارب 70 في المئة من عمالهما يحملون شهادات التعليم الثانوي، وهو أساس مكنهم من الانتقال من خطوط التجميع إلى الصناعات المتقدمة والوصول إلى مستوى الدخل المرتفع، وفي المناطق الريفية في الصين يدفع سوء التغذية والفقر كثيراً من الأطفال إلى ترك الدراسة قبل إتمام المرحلة المتوسطة، والنتيجة، كما أظهر الاقتصادي سكوت روزيل، هي مئات ملايين العمال الشباب غير المؤهلين لاقتصاد حديث، في وقت تختفي وظائف البناء المنخفضة المهارات التي كانت تستوعبهم في السابق.

وتتفاقم الأزمة بسبب العوامل الديموغرافية والضغوط المالية، فلو شكل كبار السن في الصين دولة بحد ذاتهم لكانت رابع أكبر دولة في العالم وأسرعها نمواً، إذ يبلغ عددهم اليوم ما يقارب 300 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يتجاوز 500 مليون نسمة بحلول عام 2050، وبحلول ذلك الوقت سيتولى إعالة كل متقاعد عاملان فقط بعدما كان العدد 10 عمال عام 2000، ومع ذلك فإن شبكة الأمان الاجتماعي ضعيفة للغاية، فالمعاشات التقاعدية لا تغطي إلا نصف القوة العاملة ومن المتوقع أن تنفد بحلول عام 2035، أما رعاية المسنين فهي أضعف من ذلك، إذ لا تمتلك الصين سوى 29 ممرضاً لكل 10 آلاف شخص، مقارنة بـ 115 في اليابان و70 في كوريا الجنوبية، كما أن تقلص القوى العاملة يقلص قاعدة إيرادات الحكومة، فقد تراجعت عائدات الضرائب من 18.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2014 إلى أقل من 14 في المئة عام 2022، أي أقل من نصف المتوسط المسجل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ما يلوح في الأفق هو العودة لبعض أسوأ جوانب القرن الـ 20

وتعقد بكين الأمل على تعزيز اقتصادها من خلال دعم الصناعات الإستراتيجية، لكن هذه القطاعات صغيرة جداً بحيث لا يمكنها تعويض انهيار قطاع العقارات، فقد شكلت المركبات الكهربائية والبطاريات والطاقات المتجددة معاً بالكاد ما يقارب 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023، وكثير منها يتحول إلى عبء في حد ذاته، وقد أدت الإعانات إلى تخمة في الإنتاج وحروب أسعار وظهور مناطق صناعية شبه ميتة تشبه المدن الخاوية التي خلّفها ركود العقارات، وتنتج شركات صناعة السيارات الصينية ضعف عدد السيارات التي يمكن للسوق المحلية استيعابها، وما يقارب ثلاثة أضعاف الطلب على المركبات الكهربائية، وقد زادت شركات الطاقة الشمسية قدرتها الإنتاجية بمقدار 1000 غيغاوات عام 2023، أي خمسة أضعاف ما أنتجته بقية دول العالم مجتمعة، مما دفع إلى خفض الأسعار إلى ما دون الكلفة، في حين راكمت السكك الحديد العالية السرعة نحو تريليون دولار من الديون، إذ تعمل معظم الخطوط بخسارة، وأصبح ما يقارب ربع الشركات الصناعية الصينية غير مربح حالياً، وهي أعلى نسبة منذ عام 2001، وتقرب من ضعف ما كانت عليه قبل عقد من الزمن، في حين خسرت أكبر خمس شركات تكنولوجية في البلاد 1.3 تريليون دولار من قيمتها السوقية منذ عام 2021.

وعلى رغم تقديم أكثر من تريليون دولار من الإعانات الحكومية على مدى العقد الماضي لا تزال الصين تعتمد على الولايات المتحدة وحلفائها لتأمين ما بين 70 إلى 100 في المئة من 400 سلعة وتقنية حيوية تحتاج إليها، فعلى سبيل المثال أصبحت رقائق أشباه الموصلات أكبر واردات البلاد متجاوزة النفط الخام، ومع ذلك لا يغطي الإنتاج المحلي سوى أقل من خُمس الطلب، وعلى صعيد التقنيات المتقدمة تعتمد الصين بصورة شبه كاملة على الموردين الأجانب، وبعد فرض واشنطن قيوداً على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي عام 2022، قفزت حصة الولايات المتحدة من القدرة الحاسوبية العالمية المستخدمة في الذكاء الاصطناعي 50 في المئة تقريباً، بينما انخفضت حصة الصين إلى النصف، مما منح الولايات المتحدة تفوقاً بخمسة أضعاف، وقد أبرزت تلك الحادثة ما سماه العالِمان ستيفن بروكس وبنجامين فاغل بـ "القوة التجارية الاستبعادية [الإقصائية]"، ففي الصناعات التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستثمار في البحث والتطوير، تستحوذ الولايات المتحدة وحلفاؤها على أكثر من 80 في المئة من الإيرادات العالمية، وفي الأوقات العادية تُترجَم هذه الهيمنة إلى قوة سوقية، أما في الأزمات فتتحول إلى سلاح، إذ يمكن أن تخسر الصين ما بين 14 إلى 21 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي في حال انقطاع التجارة، مقارنة بأربعة إلى سبعة في المئة فقط للولايات المتحدة.

وتتفاقم نقاط الضعف هذه بسبب النظام السياسي الصيني، فقد حول الحزب الشيوعي الصيني الحكم الاستبدادي إلى قيد اقتصادي خانق، إذ شدد قبضته على القطاع الخاص ووجه رؤوس الأموال نحو الشركات المتصلة بأصحاب النفوذ السياسي، وانخفض عدد الشركات الناشئة المدعومة برأس المال الاستثماري من 51 ألف شركة عام 2018 إلى ما يقارب 1200 شركة فقط عام 2023، وفقاً لـ "صحيفة فايننشال تايمز"، وانخفض الاستثمار الأجنبي إلى أدنى مستوى له منذ ثلاثة عقود، بينما ارتفع هرب رؤوس الأموال مع مغادرة عشرات آلاف أصحاب الملايين ومعهم مئات المليارات من الدولارات سنوياً، والنتيجة هي اقتصاد هش يمتلك أصولاً هائلة ظاهرياً، ولكنه يعاني أعباء متفاقمة في العمق.

العواصف تلوح في الأفق

إن عصر صعود القوى العظمى يوشك على الانتهاء، والتداعيات بدأت بالفعل في تأجيج الصراع، وأحد التهديدات يتمثل في أن الدول الراكدة بدأت تتجه نحو العسكرة لاستعادة الأراضي المفقودة والحفاظ على مكانتها كقوى عظمى، فلقد أقدمت روسيا بالفعل على هذه الخطوة في أوكرانيا، وإذا لم تُردع فقد توجه أنظارها نحو جيرانها الأكثر ثراء مثل دول البلطيق أو بولندا، وقد تُقدِم الصين على خطوة مشابهة ضد تايوان، فبالنسبة إلى هذه القوى الصاعدة سابقاً، والتي تواجه اليوم حالاً من الركود، قد يبدو الغزو مُغرياً ووسيلة لانتزاع الموارد والهيبة وضم شعوب يبلغ أحياناً متوسط دخل الفرد لديها ضعف متوسط دخل الفرد فيها تقريباً، والسماح لقادتها بالظهور في صورة بناة إمبراطوريات بدلاً من أن يكونوا أوصياء على الانحدار.

ويُفاقم الخوف هذا الميل إلى العدوان، إذ يهدد الازدهار الغربي بجذب المناطق الحدودية بعيداً وإثارة الاضطرابات في الداخل، فكل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لا يزال يطارده شبح انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات من القرن الـ 20، والزعيم الصيني شي جينبينغ المتوجس من تكرار احتجاجات عام 1989 التي عمت البلاد وبلغت ذروتها في قمع "ميدان تيانانمن"، يُذكيان المشاعر المعادية لأميركا والنزعة الانتقامية لتعزيز حكمهما وقد نجحا في ذلك إلى حد بعيد، فروسيا تحمل شعبها خسائر هائلة في حرب بوتين على أوكرانيا في مقابل تعويضات مالية وعروض وطنية، فيما توجه الصين الشباب العاطلين من العمل نحو حملات مقاطعة ذات طابع قومي، والاحتفالات بوعد شي بالنهضة الوطنية.

وفي الوقت ذاته ضاعفت روسيا والصين إنفاقهما العسكري خمسة أضعاف مقارنة بالولايات المتحدة وحلفائها منذ عام 2000، في تكرار لحالات سابقة حينما قامت قوى مأزومة مثل ألمانيا واليابان في فترة الكساد الكبير، والاتحاد السوفياتي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الـ 20، بإنفاق مواردها على التسلح، مراهنة على أنه بعد فقدانها القدرة على شراء النفوذ من خلال النمو، فيمكنها فرض هيمنتها بالقوة بدلاً من ذلك.

وتوفر الأسلحة الدقيقة والطائرات المسيرة للدول الصغيرة أدوات دفاعية جديدة، لكنها قد تجعل بوتين وشي يعتقدان أن الانتصارات السريعة ممكنة، ففي بيئة مغلقة على نفسها لا يدور فيها سوى أفكار الديكتاتور والآراء المتوافقة مع معتقداته، فإن ما يبدو انتحاراً في نظر الناس العاديين قد ينظر إليه على أنه قدر محتوم.

ويتمثل تهديد آخر في الانهيار المتسارع للدول المثقلة بالديون والتي تشهد نمواً سكانياً سريعاً، ففي القرن الـ 19 حولت الثورة الصناعية النمو السكاني إلى مكاسب اقتصادية من خلال نقل الفلاحين إلى المصانع لكن ذلك الطريق مغلق الآن، فقد أصبحت الصناعات التحويلية سلعة متداولة ومؤتمتة وتهيمن عليها الشركات القائمة، مما أبقى الوافدين المتأخرين عالقين في مجالات منخفضة القيمة، فنصيب أفريقيا جنوب الصحراء من العمالة الصناعية ما زال لا يتجاوز 11.5 في المئة، وهي نسبة بالكاد ارتفعت عما كانت عليه قبل ثلاثة عقود، أما حملة "صُنع في الهند" عام 2014 فوعدت بنهضة صناعية، لكن نصيب قطاع الصناعة من الناتج المحلي الإجمالي ظل عند نحو 17 في المئة، وانخفضت حصة هذا القطاع من فرص العمل، وفي الشرق الأوسط موّلت عائدات النفط تحديث المدن ولكنها لم تسهم في تحقيق تصنيع واسع النطاق. 

لقد جنَت دول فقيرة متعددة ثمار التقدم في متوسط ​​العمر المتوقع الذي أتاحته الحداثة ولكن من دون ثورة اقتصادية، مما حول النمو السكاني إلى عبء، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 3.3 مليار شخص يعيشون حالياً في بلدان تتجاوز فيها مدفوعات الفوائد على الديون حجم الاستثمارات في الصحة أو التعليم، ومنذ عام 2015 شهد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ركوداً في معظم أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط، وانهارت معدلات المدخرات والاستثمارات وتجاوزت نسبة البطالة بين الشباب 60 في المئة في بعض البلدان، وهذه الضغوط تغذي حالاً من الاضطراب، إذ تشهد حوالى ثلث الدول الأفريقية صراعات مسلحة، وتصاعدت وتيرة العنف الإسلاموي المتطرف في منطقة الساحل بصورة كبيرة منذ عام 2015، حيث تنشط جماعات متطرفة مثل "بوكو حرام" والفروع التابعة لتنظيم "القاعدة" وتنظيم "داعش" في أكثر من 12 دولة، ومع فرار الناس من هذه الفوضى ارتفعت معدلات الهجرة بصورة كبيرة، وحتى يونيو (حزيران) 2024 أحصت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أكثر من 120 مليون شخص نازح قسراً في جميع أنحاء العالم.

 

قد تؤدي دوامة فشل الدول إلى تفاقم تهديد ثالث وهو صعود النزعات المناهضة لليبرالية داخل الديمقراطيات نفسها، فبعد أن دفعت الحرب السورية بما يقارب مليون لاجئ إلى أوروبا، شهدت القارة صعوداً ملاحظاً للأحزاب القومية الإثنية، وقد حدث تحول مماثل في الولايات المتحدة وسط موجة هجرة غير مسبوقة على الحدود الجنوبية خلال إدارة بايدن، وانهار مستوى ثقة الجمهور في الحكومة فانخفض في الولايات المتحدة من نحو 80 في المئة في ستينيات القرن الـ 20 إلى حوالى 20 في المئة اليوم، بينما أدت الأتمتة وعدم المساواة إلى إضعاف الطبقات الوسطى وتأجيج الانقسامات القائمة على الهوية، وتستغل القوى الاستبدادية هذه الانقسامات، فروسيا ترعى الحركات المتطرفة وتدعمها، والصين تصدر أدوات المراقبة، وكلاهما يُغرق خصومهما الغربيين بالمعلومات المضللة.

لقد ازدهرت الديمقراطية الليبرالية تاريخياً في عصور النمو والفرص والوحدة ولكن من غير الواضح على الإطلاق ما إذا كانت قادرة على الصمود في عصر الركود والهجرة الجماعية والتخريب الرقمي، ومع تآكل الديمقراطية الليبرالية في الداخل يتفكك النظام الدولي الليبرالي في الخارج، وفي عالم يخلو من قوى صاعدة تتحول الولايات المتحدة إلى قوة عظمى مارقة تكاد لا تشعر بأي التزام تجاه أحد سوى نفسها، فخلال الحرب الباردة جمع الدور القيادي الأميركي بين شيء من الفضيلة وكثير من المصلحة الذاتية، وقد كان ثمن احتواء خصم صاعد هو حماية الحلفاء ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق الأميركية، وقد قبل الحلفاء علناً هيمنة الولايات المتحدة لأن الجيش الأحمر كان على مقربة منهم، ولأن الشيوعية كانت تجذب مئات الملايين من المؤيدين، ولكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي انهارت معه الحاجة إلى القيادة الأميركية، واليوم ومع غياب الخطر الأحمر ووجود نظام ليبرالي غامض يحتاج إلى من يدافع عنه، تبدو عبارة "زعيم العالم الحر" جوفاء حتى في آذان الأميركيين أنفسهم.

ونتيجة لذلك تتخلى الإستراتيجية الأميركية عن القيم والذاكرة التاريخية، وتحصر تركيزها على المال والدفاع عن الوطن، ويكتشف الحلفاء الآن معنى الأحادية الصريحة، إذ تتحول الضمانات الأمنية إلى ابتزاز، وتُفرض الاتفاقات التجارية بالتعرفات الجمركية، وهذا هو منطق قوة الإكراه البحتة نفسه الذي أسهم في اندلاع حربين عالميتين، وعواقب ذلك باتت واضحة للعيان، فالمؤسسات المتعددة الأطراف مشلولة وأنظمة الحد من التسلح تنهار والنزعات القومية الاقتصادية تتصاعد.

إن ما يلوح في الأفق ليس نظاماً متعدد الأقطاب تتشارك فيه القوى العظمى في حكم العالم بل هو عودة لبعض أسوأ جوانب القرن الـ 20، دول متعثرة تتجه نحو التسلح، وأخرى هشة تنهار، وديمقراطيات تتآكل من الداخل، والضامن المفترض للنظام ينكفئ نحو مصلحته الذاتية الضيقة.

جوانب إيجابية

ومع ذلك فإذا أمكن إدارة أخطار اليوم فقد يؤدي أفول القوى الصاعدة في نهاية المطاف إلى مستقبل أكثر إشراقاً، فعلى مدى قرون أسفر صعود القوى العظمى وسقوطها عن اندلاع أدمى الحروب في التاريخ، ومن دون ظهور منافسين جدد قد ينعم العالم أخيراً باستراحة من أكثر الدورات تدميراً على الإطلاق، دورة الصراع على الهيمنة، وكما أشار عالم السياسة غراهام أليسون فقد شهدت الأعوام الـ 250 الماضية 10 حالات تواجهت فيها قوة صاعدة مع قوة مهيمنة، وانتهى سبع من تلك الحالات بمجازر دامية، وقد يثار الجدل حول اختياره للحالات لكن النمط الأساس واضح، فقد أشعلت القوى الصاعدة حرباً كارثية مرة واحدة تقريباً في كل جيل.

إن عالماً يخلو من القوى الصاعدة لن ينهي الصراعات ولكنه قد يُزيل شبح تلك الحروب المدمرة للأنظمة، وسيستمر العنف بل قد يؤدي الركود وانهيار الدول إلى زيادة وتيرة الصراعات المحلية، لكن من غير المرجح أن تتسم هذه الاشتباكات بالنطاق العالمي والحماسة الأيديولوجية والامتداد الزمني عبر الأجيال والقدرة التدميرية الشاملة التي اتسمت بها صراعات الهيمنة، وقد يؤدي تناقص عدد السكان وتباطؤ النمو الاقتصادي إلى إضعاف الطموح والقدرة على غزو القارات، أو حتى على النهوض مجدداً بعد التعثر، وقد يُفضي عالم أقل ديناميكية أيضاً إلى صراع أكثر براغماتية بين الأنظمة الليبرالية والأنظمة الاستبدادية الفاسدة، بدلاً من الحروب الشاملة للفاشية والشيوعية التي انبثقت من اضطرابات التصنيع وسعت إلى إعادة تشكيل البشرية، ولن ينتهي التاريخ لكن ربما تُطوى أكثر فصوله كارثية.

وقد يتعزز هذا الميل إلى تجنب الصراعات الكبرى بما يسميه عالِم السياسة مارك هاس "سلام الشيخوخة"، فالمجتمعات المتقدمة في السن تواجه ارتفاعاً هائلاً في كُلف الرعاية الاجتماعية وتناقصاً في أعداد المجندين المؤهلين للخدمة العسكرية، وناخبين يميلون إلى تجنب الأخطار، فعشية الحرب العالمية الأولى كان متوسط ​​عمر سكان القوى الكبرى يقارب الـ 25، أما اليوم فهو يتجاوز الـ 40 في جميع القوى العظمى باستثناء الولايات المتحدة (التي يقل فيها المتوسط ​​قليلاً عن الـ 40)، وخلال عقد من الزمن سيشكل كبار السن ربع سكان هذه الدول أو أكثر، فقبل قرن من الزمان دخلت المجتمعات الشابة في حروب عالمية، أما في القرن الـ 21 فقد تكون القوى التي يغلب عليها كبار السن أكثر تعباً وحكمة من أن تجرب ذلك.

وإذا تبين أن عالماً بلا قوى صاعدة أكثر هدوءاً من الناحية الجيوسياسية فقد يكون الوضع الاقتصادي أيضاً أكثر إشراقاً من المتوقع، فحتى من دون ثورة صناعية أخرى تعمل التقنيات الجديدة على تحسين الحياة اليومية، وأصبحت البشرية أكثر صحةً وعِلماً من أي وقت مضى، وصحيح أن تباطؤ نمو الإنتاجية وشيخوخة السكان قد يؤثران سلباً في الناتج المحلي الإجمالي، لكنهما لا يمنعان حدوث ثورة أكثر هدوءاً في مستويات المعيشة، مما يخلق مستقبلاً تصبح فيه المجتمعات أكثر ثراء معرفياً وأكثر صحة بدنياً حتى مع انخفاض عدد سكانها.

ويكمن مصدر آخر للتفاؤل في التباين الديموغرافي الحالي، فالاقتصادات المتقدمة غنية برأس المال ولكنها تعاني نقصاً في الأيدي العاملة، بينما تتميز معظم دول العالم النامي، ولخاصة أفريقيا، بوفرة الأيدي العاملة وندرة رأس المال، ومن حيث المبدأ يمهد هذا لتقسيم جديد للعمل، إذ توفر المجتمعات المتقدمة في السن المدخرات والتكنولوجيا، بينما تقدم المجتمعات الأصغر سناً العمالة، وهو ما يخلق تآزراً يمكن أن يدعم النمو العالمي حتى مع تباطؤ نمو الاقتصادات الوطنية.

وتعد تدفقات التحويلات المالية وشراكات تطوير وتبادل المهارات والاستثمارات العابرة للحدود مؤشرات باكرة على هذه العلاقة الجديدة، فيما تسهل المنصات الرقمية عملية التنسيق، ومع ذلك فلا شيء من هذا يحدث تلقائياً، فسياسات التجارة والهجرة تتجه نحو الانغلاق، ولا يزال استيعاب تدفقات المهاجرين الكبيرة من دون زعزعة استقرار المجتمعات يمثل تحدياً كبيراً، من دون إدارة حكيمة تتمثل في قنوات هجرة منظمة وحدود آمنة وضمانات للعمال ونماذج جديدة للتعاون عن بُعد، فإن ما يمكن أن يكون وصفة للنمو قد يتحول إلى عكس ذلك.

إن الفرصة حقيقية لكن العقبات لا تقل عنها واقعية، والتنبؤ بالمستقبل مهمة محفوفة بالأخطار، فبينما يمكن قياس الديموغرافيا غالباً ما تفاجئنا التكنولوجيا والسياسة، وقد تبدو الحقائق الراهنة ساذجة بعد جيل أو حتى بعد بضعة أعوام، وما يمكن قوله بثقة هو أنه على مدى قرنين ونصف كانت السياسة العالمية مدفوعة بالصعود السريع للقوى العظمى، وأن القوى التي مكنت هذا الصعود آخذة في التراجع الآن، وهذا لا يضمن الاستقرار ولكنه يشير إلى تحول عميق، فالصراع المألوف بين القوى الناشطة والمحتضرة يقترب من نهايته، وهناك قصة أخرى لا تزال معالمها غامضة بدأت في التكشف.

 

مايكل بيكلي هو أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة تافتس، وزميل غير مقيم في "معهد المشروع الأميركي" ومدير برنامج آسيا في "معهد السياسة الخارجية".

مترجم عن فورين أفيرز، نوفمبر (تشرين الثاني) - ديسمبر(كانون الأول) 2025

اقرأ المزيد

المزيد من آراء