ملخص
تظاهر أكثر من 3 آلاف شخص السبت في تونس احتجاجاً على غلاء المعيشة وللمطالبة باحترام الحريات، استجابةً لدعوة أطلقتها منظمات من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل وأحزاب معارضة.
وحمل متظاهرون لافتات كُتب على بعضها "لا ديمقراطية دون حريات"، و"لا كرامة مع الفقر"، و"لا لتجريم العمل المدني والسياسي".
شهدت شوارع العاصمة التونسية يوم السبت 17 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، مسيرةً حاشدة ضمت آلاف المواطنين دعا اليها "الاتحاد العام التونسي للشغل" ومنظمات من بينها "رابطة حقوق الإنسان"، و"عمادة المحامين"، و"نقابة الصحافيين التونسيين". واعتُبرت هذه المسيرة الأكبر من نوعها منذ سنوات، وضمت خصوماً سياسيين في صف واحد، مما دفع مراقبون إلى الاعتقاد بأنها بداية سلسلة أخرى من الاحتجاجات في مناطق عدة في البلاد.
وانطلقت المسيرة من "بطحاء محمد علي"، معقل "اتحاد الشغل" قبل أن يجوبوا شوارع في العاصمة باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، المعروف بـ "شارع الثورة" الذي شهد التظاهرة المليونية التي أطلقت شرارة "الربيع العربي" في يناير (كانون الثاني) 2011.
وحمل متظاهرون لافتات كُتب على بعضها "لا ديمقراطية دون حريات"، و"لا كرامة مع الفقر"، و"لا لتجريم العمل المدني والسياسي".
وتندد المعارضة والمجتمع المدني بتراجع الحقوق والحريات في تونس. كما يحتج العديد من التونسيين على تدهور قدرتهم الشرائية، في ظل ارتفاع الأسعار واستمرار الصعوبات الاقتصادية.
وسار موكب التظاهرة في وسط العاصمة في ظل تدابير أمنية مشددة، إذ أُغلقت الشرطة مداخل عدة أمام السيارات والمشاة.
فهل نجحت مسيرة 17 أكتوبر الحالي في إعادة التونسيين إلى الشارع، وتوجيه حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي في ظل الأزمة الراهنة؟
رسائل قوية
في هذا الصدد يقول الباحث السياسي، مراد علالة، "بالفعل نجحت مسيرة 17 أكتوبر في إعادة التونسيين إلى الشارع والالتقاء مجدداً حول شعار ثورتهم 'شغل حرية كرامة وطنية'، والأبرز في تقديرنا هو نجاح السلطة المختزلة في شخص رئيس الجمهورية قيس سعيد في توحيد الطيف المدني والسياسي ضدها بعد أن فشلت في تحقيق وعودها التي كان سقفها مرتفعاً للغاية وتمسكت بالطريقة الأحادية في شؤون الحكم".
ويواصل علالة، "إنه نجاح جماهيري يعود للإجماع المجتمعي والمشاركة الواسعة فيه، وأيضاً لشرعية المطالب التي رُفعت والتي لم يعد يختلف حولها تونسيان، بما في ذلك مساندي للسلطة ومعارضيها. وهو ما يعطي شرعية ومصداقية لهذا التحرك ودفعاً لمنظميه ويزيد من التحديات ومن تضييق الخناق على السلطة". ويضيف، "يمكن القول هنا إن الرسائل كانت قوية وعديدة، أولها كما أسلفنا، النجاح الجماهيري والطابع المدني والسلمي، فالتجمع في بطحاء محمد علي أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل والتظاهر في شوارع العاصمة تم في هدوء وفي ظروف جيدة دون أي إشكال".
ويتابع علالة، "ثانياً، لم تكن المسيرة مقتصرة على التعبير عن مطالب فئوية أو نقابية بل كانت إطاراً التقت فيه معارضات اجتماعية وحقوقية وسياسية مختلفة وهو ما يؤشّر إلى تقاطع متعاظم بين المطالب الاجتماعية والنقابية والحقوقية من جهة، ومن جهة ثانية الاعتراض السياسي على خيارات السلطة المختزلة في شخص رئيس الجمهورية. ثالثاً، استعاد الاتحاد العام التونسي للشغل، رغم كل شيء، رفقة المنظمات المدنية الكبرى، دوره الوطني والاجتماعي وأمسك بزمام المبادرة في تحريك الشارع وتحريك الأحزاب في المربع الذي رسمه".
وختم علالة كلامه بالقول، "في المحصلة هي رسالة قوية مزدوجة إلى السلطة وإلى الرأي العام مفادها أن الاعتراض لا يقتصر على منظمة أو حزب أو قطاع اجتماعي بعينه، بل يمكن أن يجمع أحزاباً ومنظمات نقابية وحقوقية حول ملفات مشتركة وهي جميعها مقرّة العزم على التصعيد إذا لم يحصل التفاعل والتجاوب الذي هو في رؤيتها الطريق الأسلم لإخراج البلاد من الأزمة المركبة التي يقرّ بها الجميع".
كسر حالة الصمت
من جهتها قالت عضو مكتب نقابة الصحافيين التونسيين، جهان اللواتي، "نعم نجحت هذه المسيرة بحضور عدد محترم من المواطنات والمواطنين وكسرت حالة الصمت في الشارع"، مضيفة أنه "تم رفع شعارات على غرار 'شغل، حرية، كرامة وطنية'، وهو الشعار الذي لا يختلف عليه التونسيات والتونسيون إذ يطلق مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية من عمق معاناة الشارع التونسي".
وأضافت اللواتي، "سيدعو ائتلاف المنظمات في الأيام القادمة لمسيرات في الجهات وصولاً إلى إضراب عام في يناير/ كانون الثاني القادم".
وأوضحت أنه "بالنسبة للنقابة الوطنية للصحافيين التونسين فإن أهم المطالب المقدمة خلال هذه المسيرة التي دعينا إليها بمشاركة منظمات وطنية عدة، هي الحرية للزملاء في السجون، وفتح باب المناظرات في الإعلام العمومي بالنسبة للزميلات والزملاء من خرجي معهد الصحافة وعلوم الأخبار، لأنه لا يمكن لنظام يرفع شعار الدولة الاجتماعية أن يغلق أبواب الانتدابات لأصحاب الشهادات العليا".
وجاء في بيان صادر عن النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، "شاركت النقابة يوم 17 أكتوبر الجاري بتونس العاصمة في المظاهرة الوطنية التي دعا إليها الاطار التنسيقي، تحت الشعار المركزي 'شغل، حرية، كرامة وطنية'، في استعادة للروح النضالية التي حملها هذا الشعار منذ الثورة التونسية، باعتباره تعبيراً عن تطلعات التونسيين والتونسيات إلى العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية". وأضاف البيان، "وتأتي مشاركة النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين في هذا التحرك في سياق التأكيد على الترابط الوثيق بين حرية الصحافة وحرية التعبير والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعلى أن الدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية للصحافيين لا ينفصل عن النضال من أجل الحريات العامة وترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة والكرامة الوطنية".
"معارضة فاشلة في مواجهة منظومة أفشل"
في المقابل، يقول رئيس حزب "التحالف من أجل تونس"، سرحان الناصري، تعليقاً على المسيرة، إنها "معارضة فاشلة في مواجهة منظومة أفشل، وتونس تستحق أفضل".
ويوضح الناصري، "صحيح، الوضع في تونس اليوم سيئ جداً. البطالة، وتدهور المقدرة الشرائية، وأزمة الصحة والنقل والتعليم، وتراجع جودة الحياة، كلها مشاكل حقيقية لم تنجح المنظومة الحاكمة في معالجتها، ولم تتحقق الوعود التي انتظرها التونسيون، لكن هل يعني هذا أن البديل هو ذات الوجوه السياسية والأحزاب والمنظمات التي ساهمت، بدرجات ومسؤوليات مختلفة، في إيصال البلاد إلى أزماتها؟".
ويرى الناصري أن "المشهد اليوم في مسيرة 17 أكتوبر يطرح أكثر من سؤال: إخوان، ويساريون، وقوميون، ونقابيون يجمعهم شعار إسقاط النظام، رغم ما بينهم من تناقضات وصراعات تاريخية. اجتمع من كانوا في خنادق متقابلة، اجتمع قتلة بلعيد والبراهمي مع رفاقهما، واجتمع النقابيون مع مَن اعتدى عليهم من بلطجية لجان حماية الثورة، وقاموا بصب النفايات في بطحاء الاتحاد العام التونسي للشغل تحت عنوان الوحدة الوطنية، وكأن الشعارات وحدها كافية لمحو الخلافات ومراجعة المسؤوليات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتساءل الناصري "أي وحدة وطنية هذه التي لا تقوم على المصارحة والمحاسبة ومراجعة الأخطاء؟ وأي بديل يمكن أن تقدمه معارضة لم تقنع التونسيين بقدرتها على تجاوز فشل الماضي؟".
ويعتبر أن "من حق الشعب التونسي أن يغضب، ويرفض الواقع، ويطالب بالشغل والحرية والكرامة الوطنية. لكن من حقه أيضاً أن يرفض العودة إلى نفس المنظومة والوجوه التي فقدت ثقة التونسيين".
ويضيف أن "إسقاط نظام لا يكفي إذا كان البديل عاجزاً عن تقديم مشروع وطني واقعي، وعن الإجابة على أسئلة الاقتصاد والتشغيل والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية".
ويشبه سرحان الناصري "تاريخ 17 أكتوبر الحالي بـ 18 أكتوبر 2005 حين تأسست هيئة الحقوق والحريات وجمعت كل أطياف المعارضة آنذاك، يساريين و إسلاميين"، معتبراً أن "المعارضة تجدد شعاراتها، لكنها لم تجدد أفكارها ومشروعها ولا قدرتها على الإقناع".
ويأتي الاحتجاج في تونس في خضم أزمة اقتصادية متفاقمة وتدهور حاد في الخدمات العامة، من بينها الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء ونقص الأدوية وبعض المواد الأساسية. وتتهم منظمات حقوقية محلية ودولية الرئيس قيس سعيد بشن حملة متصاعدة ضد منظمات المجتمع المدني، والزج بصحافيين وقادة من المعارضة في السجن.