Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سلاح المسيرات الإيراني... القدرة واحتمال التعافي

تظل الصين شريان الحياة الرئيس لطهران في ما يتعلق بتوفير المعدات

أصبحت الطائرات المسيرة السلاح المفضل لدى طهران لتنفيذ ضربات إقليمية مستمرة (أ ف ب)

ملخص

 في ظل التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط واحتمال اندلاع جولة ثالثة من الحرب، تُطرح تساؤلات جدية حول القدرات الإيرانية المتبقية في مجال المسيرات، ودور الصين في بناء هذه القدرات، وعن كيفية تخطيط الولايات المتحدة وإسرائيل للتعامل معها.

يعكس اعتماد إيران المتزايد على الطائرات المسيرة تحولاً أوسع في استراتيجيتها العسكرية، إذ تسعى من خلالها إلى تعويض التفوق التقليدي للولايات المتحدة وإسرائيل عبر استخدام أسلحة منخفضة الكلفة نسبياً، يمكن إنتاجها بأعداد كبيرة، وإطلاقها لمسافات بعيدة، ونشرها في موجات منسقة.

وبالنسبة لطهران، لم تعد الطائرات المسيرة مجرد معدات تكميلية في ساحة المعركة، بل تحولت إلى أداة جوهرية للردع، وطريقة لفرض كلف مالية وعملياتية باهظة على خصوم يتفوقون عليها تقنياً.

وتكمن أهمية هذه الاستراتيجية في التفاوت الاقتصادي الجوهري بين الأسلحة الهجومية وأسلحة الدفاع، فبإمكان إيران إطلاق طائرات مسيرة هجومية زهيدة الكلفة نسبياً ضد خصوم يمتلكون شبكات رادار متطورة، وطائرات مقاتلة، وصواريخ اعتراضية، وأنظمة دفاع جوي متكاملة. وحتى في حال اعتراض إحدى هذه المسيرات، قد يضطر الطرف المدافع إلى استخدام صاروخ تبلغ كلفته أضعاف كلفة المسيرة المهاجمة.  

وفي ظل التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط واحتمال اندلاع جولة ثالثة من الحرب، تُطرح تساؤلات جدية حول القدرات الإيرانية المتبقية في مجال المسيرات، ودور الصين في بناء هذه القدرات، وعن كيفية تخطيط الولايات المتحدة وإسرائيل للتعامل معها.

 الاعتماد الواسع على الطائرات المسيرة

أكد الأسبوع الأول من الرد الإيراني خلال عملية "ملحمة الغضب" التي أطلقتها الولايات المتحدة في 28 فبراير (شباط) 2026، أن الطائرات المسيرة أصبحت السلاح المفضل لدى طهران لتنفيذ ضربات إقليمية مستمرة. ووفقاً لمجموعات البيانات المتاحة وعمليات التتبع مفتوحة المصدر لمسار الحرب، تعرضت الإمارات في الفترة ما بين 1 و8 مارس (آذار) الماضي، لهجوم شمل 1422 طائرة مسيرة إيرانية و246 صاروخاً، كما واجهت السعودية حملة مماثلة ركزت على استخدام الطائرات المسيرة ضد بنيتها التحتية للطاقة ومراكزها العسكرية.

وأظهرت عملية "ملحمة الغضب" قدرةً لافتة على كبح وتيرة الضربات الإيرانية بالطائرات المسيرة، فبحلول اليوم العاشر من العملية، قدّر المسؤولون الأميركيون أن نشاط إطلاق الطائرات المسيرة الإيرانية قد انخفض بنسبة 83 في المئة مقارنةً بمستوياته في بداية المواجهة، بالتزامن مع تراجع بنحو 90 في المئة في عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية، ويعد هذا الانخفاض مؤشراً مهماً على أن الهجمات المستمرة التي قادتها الولايات المتحدة ضد منصات الإطلاق الإيرانية قد عطلت بصورة حادة قدرة طهران على تنفيذ الطلعات، وتشغيل بنيتها التحتية للإطلاق.

 ومع ذلك تشير التحليلات الغربية إلى أن وتيرة الإطلاق تعتبر "متغيراً تدفقياً"، بحيث لا تعد وتيرة عمليات الإطلاق الإيرانية مؤشراً مباشراً على حجم مخزون منصات الإطلاق المتبقي لديها، فالتراجع بنسبة 83 في المئة في عدد عمليات الإطلاق لا يعني بالضرورة تدمير 83 في المئة من طائرات إيران المسيرة.

وعليه، أدت النجاحات الأولية لعملية "ملحمة الغضب" إلى كبح شديد في حجم عمليات الإطلاق الإيرانية، لكن هذه النجاحات لم تؤدِ بالضرورة إلى تدمير مماثل لمنظومة الطائرات المسيرة الإيرانية في جوهرها، وتشير الدروس المستفادة من الهجوم الروسي على أوكرانيا إلى أنه، في حين يمكن للضربات العميقة التي تستهدف مواقع إنتاج الطائرات المسيرة ومنصات إطلاقها أن تؤدي إلى خفض مؤقت في الوتيرة العملياتية للقوات، فإن تقويض القدرة الإنتاجية الصناعية لتلك القوات على المدى الطويل يظل تحدياً أكثر تعقيداً.

 ما قدرة سلاح المسيرات الإيراني على التعافي؟

بحسب خبراء غربيين، تطرح جهود إيران لإعادة بناء واستعادة قدراتها في مجال الطائرات المسيرة تحديات هيكلية مختلفة عن تلك التي تواجهها طهران في برنامجها للصواريخ الباليستية، فسواء كانت تعمل بمحركات نفاثة توربينية، أو مكبسية، فإن طائرات إيران المسيرة تعتمد على وحدات تحديد المواقع GNSS-INS، وأنظمة الطيار الآلي، وأجهزة كمبيوتر الطيران، والمحركات المؤازرة، والإلكترونيات التجارية، وهياكل الطائرات المركبة، والرؤوس الحربية، وهذه المدخلات مجزأة، وقابلة للاستبدال في كثير من الأحيان، وموزعة عبر منظمات عسكرية، وجامعات، وشركات واجهة، وورش عمل، وموردين أجانب. 

انطلاقاً من ذلك، من الممكن أن يتعافى نظام طهران اللامركزي للطائرات المسيرة بوتيرة أسرع من قدراتها الإنتاجية للصواريخ، وقد تستعيد إيران ترسانتها من الطائرات المسيرة في غضون أشهر، بينما من المرجح أن يظل تجديد ترسانتها الصاروخية أبطأ وأكثر عرضةً لاضطرابات سلاسل الإمداد.

إضافةً إلى ما ذكرناه، يُرجَح أن يكون التعافي العسكري الإيراني الحالي معتمداً بصورة كبيرة على الطائرات المسيرة، مع تطور بنية الضربات لتصبح مجهزة بالصواريخ في نهاية المطاف. كما من المرجح أن تجمع ترسانة إيران المجدَدة من الطائرات المسيرة بين العدد الكبير من المسيرات منخفضة الكلفة وعدد مختار من الطائرات المخترقة، حيث يمكن للطائرات المسيرة ذات المحركات المروحية أن تستنزف الدفاعات، بينما يمكن للطائرات النفاثة تقليص وقت الإنذار.

 الصين وسلسلة توريد الطائرات المسيرة

وفي إطار مساعي إيران لتعزيز قدراتها في مجال الطائرات المسيرة، تظل الصين شريان الحياة الرئيس لها في ما يتعلق بتوفير المعدات، إذ تُزود ​​بكين طهران بأكثر من 60 في المئة من المكونات الإلكترونية المستخدمة في عائلة طائرات "شاهد" المسيرة، إضافة إلى وحدات الملاحة، والأنظمة البصرية، والبطاريات، ومعدات التحكم الرقمي بالحاسوب، وكابلات الألياف الضوئية، كما توفر الصين لإيران غطاءً لعمليات الشراء من خلال شركات واجهة ووسطاء.
وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح "مُورَّد من الصين" لا يعني بالضرورة "مصنوعاً في الصين"، فعديد من المكونات الإلكترونية، والمحركات، وأجزاء الملاحة، والبطاريات، وأشباه الموصلات الموجودة في الطائرات المسيرة الإيرانية، هي في الأصل منتجات أميركية أو أوروبية أو يابانية، تصل إلى المصنعين الإيرانيين عبر موزعين وشركات تجارية صينية. وبذلك، تلعب الصين دوراً مزدوجاً، فهي مورد صناعي من جهة، وبوابة للالتفاف على العقوبات من جهة أخرى.

 ولا يقتصر الدعم الصيني على سلاسل التوريد فحسب، بل يمتد ليشمل "سلسلة الاستهداف" الإيرانية، فخلال عملية "ملحمة الغضب"، قامت شركة "ميزار فيجن"، وهي شركة صينية ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتحليل الجغرافي المكاني، بنشر صور لمواقع عسكرية أميركية، معززة بتقنيات الذكاء الاصطناعي ومصنفة بدقة. كما قدمت شركة صينية أخرى تُدعى "إيرث آي" صوراً من الأقمار الاصطناعية مباشرةً إلى طهران. وبحسب تقارير غربية، قامت شركة "تشانغ غوانغ"، وهي أول شركة صينية تجارية للأقمار الاصطناعية المخصصة للاستشعار عن بعد، بجمع صور لمنشآت تابعة للولايات المتحدة وحلفائها استجابةً لطلبات إيرانية للحصول على مثل هذه المعلومات.

 ما عدد الطائرات المسيرة التي يمكن لإيران إنتاجها شهرياً وسنوياً؟

لا يوجد أرقام استخباراتية موثقة ومعلنة تحدد حجم الإنتاج الشهري الفعلي لإيران في أعقاب ضربات عام 2026، وكل ما يتوفر هو عبارة عن بيانات تعود للأعوام الماضية، كالتي نشرها معهد "بلومزبري للاستخبارات والأمن" وأفادت عن انتاج إيران ما يعادل تقريباً 12 ألف مسيرة شهرياً أو 146 ألف سنوياً في حال استمرار الإنتاج بوتيرة ثابتة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أن تقديرات "معهد واشنطن" التي صدرت في مايو (أيار) 2026، أوضحت أن إيران قد تكون قادرة على استعادة قدرتها على تنفيذ عمليات إطلاق مكثفة للطائرات المسيرة بعيدة المدى في غضون فترة تراوح بين ستة و12 شهراً، وذلك بشرط بقاء شبكتها الصناعية الموزعة قيد التشغيل.

 كيف تخطط الولايات المتحدة وإسرائيل للتعامل مع الطائرات المسيرة الإيرانية؟

 تتجه الولايات المتحدة بصورة متزايدة نحو استخدام طائرات مسيرة اعتراضية وأسلحة أخرى منخفضة الكلفة للتصدي للطائرات من طراز "شاهد"، بدلاً من الاعتماد حصرياً على أنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة وعالية الكلفة.

وقد أفاد موقع "ديفنس نيوز" قبل بضعة أشهر بأن الجيش الأميركي بدأ في نشر نظام "ميروبس" لمواجهة الطائرات المسيرة، وهو نظام يعتمد على تقنيات جرى اختبارها في أوكرانيا، كما بدأ في توسيع نطاق الحصول عليه، بينما يجمع النهج الإسرائيلي بين البنية الدفاعية الجوية متعددة الطبقات، وبين المعلومات الاستخباراتية، والإنذار المبكر، وعمليات الاعتراض، والعمليات الهجومية التي تستهدف التهديدات قبل إطلاقها.

وتكمن الصعوبة في أن أي شبكة اعتراض، حتى وإن كانت فعالة، تواجه تحديات تتعلق بحجم الهجمات، والانتشار الجغرافي للأهداف، وضرورة الحفاظ على الذخيرة لمواجهة تهديدات أخرى.

 من هنا، تشترك الولايات المتحدة وإسرائيل في هدف عام واسع، لكن أولوياتهما العملياتية ليست متطابقة، فإسرائيل تسعى لحماية سكانها وبنيتها التحتية الحيوية من الهجمات القريبة، بينما يتعين على القوات الأميركية حماية قواعدها العسكرية وأفرادها وسفنها والدول الشريكة لها في منطقة أوسع بكثير.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير