هل تكفي القروي حملة انتخابية من 48 ساعة ليصبح رئيسا لتونس؟

"القبض عليه والإفراج عنه بهذه الطريقة فتح باب التشكيك بالقضاء"

يعيش التونسيون يوماً انتخابياً جديداً، فتوجّهوا إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم واختيار رئيس جديد للبلاد بعدما أفرزت نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية صعود المرشحَين قيس سعيد ونبيل القروي إلى الدور الثاني للمنافسة على مَن سيكون الرئيس العتيد للجمهورية التونسية، بعد انتخابات عام 2014 التي أوصلت الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي إلى سدة الرئاسة.
يوم طويل من الصمت الانتخابي سبق موعد الانتخابات، وشكلت مناظرة بين المرشحَين جرت ليل الجمعة، فرصةً أخيرة لهما لمحاولة استمالة المترددين ومساعدتهم في حسم خيارهم.

 

القروي يصوّت للمرة الأولى في 2019

 

وأدى المرشح القروي صباح اليوم الأحد، واجبه الانتخابي في مركز اقتراع في العاصمة، برفقة بزوجته سلوى السماوي التي شاركت بقوة في إدارة حملته الانتخابية أثناء وجوده في السجن. وهذه هي المرة الأول في العام الحالي التي يمارس فيها القروي حقه بالاقتراع، إذ لم يتمكن من المشاركة في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية ولا في الانتخابات التشريعية.

 
نسب مشاركة مشجعة
 

وتوافد الناخبون منذ ساعات الصباح إلى مراكز الانتخاب بأعداد مقبولة نسبياً، بعكس الانتخابات التشريعية حين كانت نسبة الإقبال ضعيفة جداً، حتى بعد ثلاث ساعات على بدء عملية الاقتراع. ووصلت نسبة المشاركة اليوم الأحد عند الساعة 11 صباحاً، إلى ما يقارب 18 في المئة من الناخبين التونسيين، وهو رقم يعكس اهتماماً شعبياً كبيراً بالانتخابات الرئاسية.
في هذا السياق، أوضح رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل بفون أن "عملية الاقتراع تتم في ظروف عادية، فيما تجاوزت نسبة مشاركة التونسيين المقيمين في الخارج الـ 12 في المئة، بينما لا يزال التصويت مستمراً اليوم في دول عدة من العالم".
ووصفت الناشطة في المجتمع المدني راضية بن عمار المشاركة في الفترة الصباحية بـ"الجيدة"، قائلةً لـ "اندبندنت عربية" بعد الإدلاء بصوتها، إن "هنالك كثافة في المشاركة تفوق بنسبة النصف ما كانت عليه في الانتخابات التشريعية التي جرت قبل أسبوع". وأوضحت أن مكتب الانتخاب الذي صوّتت فيه، غاب عنه المراقبون تماماً وأن نسبة الشباب والكهول كانت أكبر بكثير من نسبة كبار السن والمتقاعدين، ملاحِظةً أن وجوه الكثيرين كانت كئيبة وهم ينتظرون دورهم للإدلاء بأصواتهم وكأنهم ينظرون بخوف إلى المستقبل".


المواقف واضحة والمترددون أقلية
 

بين توقيفه لمدة شهر ونصف الشهر في السجن والإفراج عنه وموعد الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، 48 ساعة تحوّلت فيها الحملة الانتخابية للمرشح القروي إلى سباق مع الزمن، وإلى محاولة لإعادة تجميع أنصاره وإرسال خطاب مطمئن لهم، يشحذ هممهم ليصوّتوا له يوم الانتخابات.
ورأت الإعلامية ضحى طليق أن "القروي خاض حملة انتخابات غير متكافئة واحتجازه في السجن حرمه من، ليس فقط تكافؤ الفرص بين المرشحين، بل من مخاطبة أأأنصاره وتقديم مشاريعه ومقترحاته، وظهر بوضوح خلال المناظرة التلفزيونية مع منافسه قيس سعيد أن لديه مشاريع وأفكار برامج لم تُتَح له الفرصة للتعريف بها، بينما لم يتقدم منافسه بأفكار أو مشاريع".
واعتبرت طليق أن "التهم التي وُجِهت إلى القروي بغض النظر عن صحتها وسجنه، كانت حملةً مضادة له وتشويهاً ممنهجاً، ولم يحظ بحقه في خوض حملته الانتخابية بحرية وبشكل جدي، وما أعلنه منافسه قيس سعيد لجهة تعليق حملته الانتخابية كان مسرحيةً خدمته بشكل جيد، إذ تجنّد كل أنصاره لتنظيم حملة له، وكانت أكبر القوى السياسية الداعمة له، حركة النهضة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب، تُحضّر حملته الدعائية، وهذا يؤكد أن نبيل القروي حُرم من القيام بحملته وتحالفت قوى سياسية كبرى ضده لمنعه من ممارسة حقه بذلك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

إطلاق سراحه والدوافع السياسية لذلك

 

وفاجأ قرار إطلاق سراح القروي الجميع، بخاصة بعد سجالات حقوقية وقانونية بين فريق دفاعه وبين المحاكم التي رفضت كل طلبات الإفراج عنه بحجة عدم الاختصاص، وطرح تساؤلات كبيرة حول توقيت حدوث ذلك. واعتبر القاضي عمر الوسلاتي في تصريح لوسائل الإعلام أن الإفراج عن القروي كان مفاجئاً، خصوصاً بعد رفض محكمة التعقيب ذلك أكثر من مرة، مضيفاً أنّ "هذا يوضح أن هناك ارتباكاً جليّاً في ملف القروي، لماذا قُبض عليه ولماذا يُفرج عنه من جهة قضائية، رفضت إطلاق سراحه مرتين متتاليتين. ما حصل يُفقد ثقة الناس في القضاء، ويفتح باب تصديق أن إلقاء القبض عليه منذ البداية كانت له دوافع سياسية".
المحامي صلاح الحجري أكد ما تقدّم به القاضي الوسلاتي، معتبراً أن توقيف القروي في الأساس كان خاطئاً، لأن قاضي التحقيق الذي يتابع الملف لم يصدر قراراً باعتقاله، بل اكتفى بمنعه من مغادرة البلاد. وأضاف الحجري أن "هذه القضية والقرارات المتضاربة فيها، أدخلت الأجهزة القضائية في متاهة. فقبل أيام، أصدرت وزارة العدل بياناً ذكرت فيه أنها أجرت تحقيقاً ثبت من خلاله أن المسار الإجرائي لتوقيف القروي صحيح وبعد يومين، أصدرت دائرة في محكمة التعقيب قراراً بإطلاق سراحه، بعدما نظرت الجهات المختصّة ست مرات في طلبات مماثلة في غضون شهر، وهذا غير ممكن حدوثه لأي مواطن عادي. وخلق ذلك شكوكاً كبيرة تجاه استقلالية القضاء، بخاصة أن الجميع يتحدث عن توقيت إطلاق سراح القروي قبل 48 ساعة من انتهاء الحملة الانتخابية".

 

مفاجآت بعد انتهاء الانتخابات
 

يُجمع مراقبون كثر على أن نسبة التصويت قد تتجاوز نسبة الدور الأول. وبغض النظر عن النتائج، فإن احتمالات الطعن بنتائجها من جانب القروي تبدو كبيرة، بخاصة أنّه حُرم على مدى أكثر من شهر ونصف الشهر من حقه في التحرك وخوض حملته الانتخابية بما يضمن له تكافؤ الفرص مع منافسه قيس سعيد.
ولن يكون إعلان النتائج الرسمية في ساعة متقدمة هذه الليلة، نهاية المسلسل الانتخابي في تونس، بل بداية مرحلة جديدة من ردود الفعل، قد تكون لها نتائج كبيرة في المدى المنظور، تترك الباب مفتوحاً على احتمالات عدة.     

المزيد من العالم العربي