ملخص
استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في قرارات الاستهداف في إيران يثير تساؤلات أكثر من الإجابات
بالعادة لا يورط المجتمع العلمي الأميركي نفسه في مشكلات سياسية أو قانونية مباشرة بسهولة. لكن هذا المجتمع وجد نفسه هذه المرة في ورطة كبيرة بسبب حرب بلاده على إيران، والتي حملته عبئاً أخلاقياً كبيراً حاول التهرب منه. إذ كان مطالباً بشرح ما يحدث من أخطاء علمية فادحة قادت إلى مجازر بحق مدنيين وينظر فيها القضاء الأميركي. ومن جهة ثانية كان هو متورطاً أصلاً بمعركة تاريخية مع هذا القضاء بسبب اتهامه له بالقصور والعجز عن البت في القضايا العلمية.
فالمجتمع العلمي الأميركي اليوم في موقف لا يحسد عليه. إذ تستمر الحرب في ظل حديث "باهت" عن تحقيقات جارية في هذه المجازر لتحديد الجاني. فيما المجتمع العلمي الأميركي منقسم ومتخبّط، لأنه وبالتزامن مع ذلك كلّه عليه أن يخوض معركة جانبية مع قضاء بلاده. إذ شاءت الصدف غير السارة أن تحدث هذه المعركة الداخلية بينه وبين القضاء خلال حرب إقليمية طاحنة.
ليس من محاسن الصدف؟
لذلك، وبالنسبة للمجتمع العلمي الأميركي، ليس من محاسن الصدف أن تزامنت حرب الولايات المتحدة الأميركية على إيران مع اشتعال أتون معركة داخلية يخوضها هذا المجتمع ضد بعض القضاة في بلاده منذ ثلاثة عقود. وإذا افترضنا أن دافع أو سبب حرب أميركا على إيران بات معلوماً للجميع، فإنه وبالنسبة لكثيرين، تظل دوافع المعركة بين المجتمع العلمي الأميركي والقضاء الأميركي مجهولة تماماً. ولكن يمكن تلخيص هذه المعركة الجانبية التاريخية بين المجتمع العلمي الأميركي والقضاء في كون هذا المجتمع غير راض عن القضاء في بلاده بتاتاً. بل إنه يتهم كثيراً من القضاة الحاليين بالجهل، لكونهم لا يتمتعون بالخلفية العلمية الكافية التي تؤهلهم للحكم والبت في قضايا علمية معقدة معاصرة، أهمها المناخ والطاقة ومشكلات الذكاء الاصطناعي.
أولاً: الاتهام
ورد الاتهام الصريح من المجتمع العلمي الأميركي بقصور القضاء، ضمن مقالة رأي ساخرة بعنوان: "لست عالماً: لماذا يحتاج القضاة إلى فصل المناخ في الدليل المرجعي للأدلة العلمية؟". وجاءت هذه المقالة بقلم أربعة من جهابذة الطب والقانون وهم: ديفيد ل. فايغمان، إروين شيميرينسكي، بنجامين سانتر، ولين نادل. ونشرت المقالة في الـ11 من مارس (آذار) 2026 على موقع علمي أميركي بارز. وهي تشرح باستفاضة، ما يمكن وصفه بأنه معاناة مريرة للمجتمع العلمي الأميركي مع القضاء الأميركي "ذي الخلفية العلمية المحدودة"، والتي تعد بالنسبة لهذا المجتمع معاناة مستمرة منذ عقود.
وبيّن هؤلاء العلماء أنه وفي القضايا العلمية المعقّدة مثل قضايا الطاقة والمناخ ودور الذكاء الاصطناعي في الحروب والنزاعات، يعد لجوء القاضي ذا الخلفية العلمية المحدودة إلى "بدائل أقل كفاءة من الدليل المرجعي للأدلة العلمية الصادر عن المركز القضائي الفيدرالي مثل عمليات البحث على الإنترنت" جريمة بحد ذاتها.
ما هو الدليل المرجعي
يقول العلماء الأربعة عن الدليل المرجعي: "لأكثر من 30 عاماً، شكّل الدليل المرجعي للأدلة العلمية الصادر عن المركز القضائي الفيدرالي مرجعاً أساسياً للقضاة عند نظرهم في القضايا المتعلقة بالشهادات العلمية. إذ صدرت الطبعة الثالثة منه بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث في عام 2011، وغطّت هذه الطبعة مجالات كالطب الشرعي والصحة النفسية وعلم الأعصاب وعلم السموم. أما الطبعة الرابعة الصادرة في عام 2025، فقد وسّعت نطاق تغطيتها لتشمل فصولاً حول مواضيع جديدة كعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي فضلاً عن علوم المناخ".
وبسبب ما وصفه هؤلاء الكتّاب بأنه عدم الرجوع إلى الدليل المرجعي للأدلة العلمية الصادر عن المركز القضائي الفيدرالي، فإنه ومنذ 30 عاماً من عمر المجتمع العلمي الأميركي "يموت العدل والعلم في الظلام" أمام سطوة قضاة غير مؤهلين للحكم في قضايا علمية كبيرة.
وهنا يمكن استنباط سؤال العلماء بناء على هذا الاتهام الواضح والصريح وهو: هل القضاء الأميركي مؤهل للحكم في قضايا ذات بعد علمي مثل ما ارتكب في حرب إيران والمسائل المتعلقة بصورة مباشرة وجوهرية بالتقنيات الحديثة عموماً وعلوم الأسلحة المتطورة التي تتقاطع مع علوم أخرى أهمها علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مؤهلات عالية
وقبل الانتقال إلى مقالة ثانية مرتبطة بالموضوع ذاته حول الموثوقية والمساءلة في استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً في إيران، لا بد من إلقاء نظرة سريعة على مؤهلات العلماء الأربعة الذين وجّهوا هذا الاتهام الخطير لشريحة من القضاة الأميركيين.
إذ تشير المؤهلات العلمية العالية التي يحملونها إلى "وجاهة" الطعن في هذا النوع من القضاء غير المؤهلين علمياً. والكتّاب الأربعة وفق ما ورد عنهم في مواقع علمية هم: ديفيد إل. فايغمان، الذي يشغل منصب رئيس الجامعة وعميد كلية الحقوق في جامعة كاليفورنيا - سان فرانسيسكو، كذلك يحمل كرسي جون أف. ديغاردي المتميز في القانون. وهو أيضاً أستاذ في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو. ويكتب فايغمان بانتظام عن استخدام البحث العلمي في صنع القرارات القانونية. وإروين تشيميرينسكي وهو عميد كلية الحقوق في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وأستاذ متميز في القانون. له 22 مؤلفاً، من بينها كتب مرجعية ودراسات رائدة في القانون الدستوري، والإجراءات الجنائية والاختصاص القضائي الفيدرالي. فيما بنيامين سانتر هو أستاذ في كلية العلوم البيئية في جامعة إيست أنجليا، وهو عضو في الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة. وأخيراً لين نادل وهو أستاذ فخري في علم النفس والعلوم المعرفية في جامعة أريزونا.
لست عالماً
أمام كل هذه الخبرات العلمية، وجد قاض أميركي نفسه في ورطة كبيرة. إذ فشل في إصدار حكم في قضية علمية محددة. وفي هذا السياق، ورد في مقالة هؤلاء العلماء مثال على هذه المفارقة، ويقول الكتّاب الأربعة في هذا الشأن: "إن الحاجة إلى تعليم القضاة في العلوم واضحة جلية". ومن الأمثلة الدالة على ذلك أورد العلماء مثال قضية ماساتشوستس ضد وكالة حماية البيئة. وهي قضية رفعت أمام المحكمة العليا في عام 2007 وتتعلق بسلطة وكالة حماية البيئة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
ويضيف العلماء: "خلال المرافعة الشفوية، أشار القاضي أنتونين سكاليا خطأً إلى طبقة الستراتوسفير بدلاً من طبقة التروبوسفير. وفي ما يتعلق بتغيّر المناخ، فإن تحديد ما إذا كان المقصود طبقة الستراتوسفير أو طبقة التروبوسفير أمر بالغ الأهمية. صحّح أحد محامي ماساتشوستس خطأ سكاليا بلطف، فأجاب سكاليا: طبقة التروبوسفير، لا يهم، أخبرتكم سابقاً أنني لست عالماً. ولهذا السبب، بصراحة، لا أرغب في الخوض في قضية الاحتباس الحراري".
ثانياً: تساؤلات جوهرية
من جهة ثانية، كتب إيان رينولدز وفي تاريخ مقارب لمقالة العلماء الأربعة، وتحديداً في الـ10 من مارس 2026 على الموقع العلمي ذاته مقالة تحليلية بعنوان: "تساؤلات جوهرية حول الموثوقية والمساءلة في استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً في إيران". وتتحدث مقالته عن صعوبة الحكم البشري السليم في الحروب تحت الضغوطات وفي المواقف الحرجة، وتشير بشيء من التكتّم إلى كون الإنسان ما زال ذا مسؤولية في هذه الجرائم، وهو ما يعرف عسكرياً بـ"الرقابة البشرية الفعّالة في الحروب".
وإيان رينولدز هو باحث ما بعد الدكتوراه في مختبر المستقبل التابع لبرنامج الأمن الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ويحمل شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من كلية الخدمة الدولية في الجامعة الأميركية. ويركز بحثه على التقاطع بين التكنولوجيا والعلوم والأمن الدولي.
مشكلة غموض الشرح العلمي
من الملاحظ أن دراسة إيان تحمل كثيراً من الغموض في الشرح العلمي. ويعد الغموض في الشرح العلمي لإيان وغيره من الكتّاب المحايدين، سبباً في جعل كثيرين يتصورون أن المجتمع العلمي الأميركي يبالغ في حياديته، وأنه يريد أن يظل الجاني البشري في الحروب الحديثة عموماً وفي أحداث إيران تحديداً غامضاً أو مجهول الهوية.
أخطاء جسيمة
تؤكد البحوث الحديثة وفق إيان أيضاً: "أن تطوّر التقنيات لا يعني دقة إصابة الهدف، وحتى في سياق الأنظمة الآلية الأقل تطوراً، مثل نظام باتريوت للدفاع الصاروخي، والذي جرى نشره خلال عملية تحرير العراق، وقعت أخطاء جسيمة". ويضيف إيان: "وبمساعدة الذكاء الاصطناعي، شنّت الولايات المتحدة ضربات على ألف هدف إيراني في الساعات الـ24 الأولى من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط). وتظهر الحملة العسكرية الأميركية المستمرة في إيران، إلى جانب العمليات الأخيرة التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مدى اندماج أدوات الذكاء الاصطناعي في ممارسات الحرب. وعلى رغم استخدام هذه الأدوات الواسع، لا يزال من غير الواضح كيفية تقييم أدائها وموثوقيتها".
خطوات عملية
وأكد إيان في مقالته المتحفّظة والحذرة، على أنه "وبالنظر إلى المستقبل، فإن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في قرارات الاستهداف في إيران، يثير تساؤلات أكثر من الإجابات". وعلى رغم ذلك، يؤكد أن هناك خطوات عملية يمكن لصنّاع القرار اتخاذها لتحسين الوضع الراهن. أولها، أنه يجب على صنّاع القرار التعاون مع شركات الذكاء الاصطناعي والباحثين وغيرهم من أصحاب المصلحة لبناء بنية تحتية أفضل للتقييم. كذلك لا ينبغي اعتبار التطوّر التكنولوجي والسرعة العملياتية بديلاً عن الاستراتيجية والسياسة الفعالة. فحتى أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تطوراً لن تسهم في وضع أهداف واضحة وقابلة للتحقيق، وذلك بسبب وجود عامل الخطأ البشري.