ملخص
هل أصبحت ريادة الأعمال والوظائف المرتبطة بالـ"سوشيال ميديا" الاتجاه السائد عند قطاع كبير من الشباب مع عزوف عن الوظائف التقليدية؟
وظيفة مرموقة في واحدة من الشركات الكبرى في مكتب أنيق كان هذا حلماً لملايين البشر على مدى أعوام طويلة، إضافة إلى قطاع كبير كان يحلم منذ الصغر بأن يمتهن مهنة معينة مثل الطبيب أو المهندس أو الضابط وغيرها من الوظائف التقليدية المتعارف عليها.
في كل كلية جامعية كان هناك اتجاه عام للمهن التي تتيحها لخريجيها في المستقبل، فمن يدخل كلية التجارة على سبيل المثال يكون هدفه العمل في بنك أو كمحاسب في شركة، وحالياً قطاع كبير من المهتمين بدراسة التجارة والإدارة هو الاتجاه للمشاريع وريادة الأعمال ورفض فكرة الوظيفة التقليدية، وكان من يختار كلية الإعلام هدفه أن يعمل كصحافي أو مذيع في واحدة من القنوات التلفزيونية وحالياً كلا المجالين تراجع تماماً في خيارات الطلاب الملتحقين بكليات الإعلام، بخاصة الصحافة التي أصبح يتجه لها عدد محدود جداً من الطلاب وبعض أقسامها أغلقت في بعض الكليات.
الوضع ذاته في كليات كثيرة أصبحت الصورة التقليدية للوظائف المتعارف عليها لخريجيها موضع رفض كبير من الطلاب الذين أصبحت لهم حسابات أخرى.
ففي كل عصر كانت هناك صورة أو نموذج للوظيفة المرموقة المتفق عليها مجتمعياً، ففي مصر على سبيل المثال في بدايات القرن الـ20 كان الالتحاق بكليات الحقوق والطب والمعلمين هو السبيل ليكون الشخص على قمة الهرم الوظيفي في المجتمع، ولاحقاً خلال حقبة الخمسينيات والستينيات كانت الوظيفة الحكومية هي أمل الملتحقين بالجامعات من التخصصات كافة، ومع حقبة السبعينيات وبداية الانفتاح الاقتصادي رغب كثير من الناس في الاتجاه للأعمال التجارية بأنواعها باعتبار ما لمسوه من أنها تدر دخلاً وفيراً مقارنة بوظيفة الحكومة.
وبقيت المهن التقليدية تحظى بمكانتها وأضيفت إليها مهن جديدة مثل القطاعات العلمية الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيا والهندسة، والوظائف المرتبطة بالإعلام ومجالاته المتعددة، وخلال العقد الأخير ومع سيطرة التكنولوجيا تغير كل شيء وانقلب الهرم رأساً على عقب واختلفت صورة المهن وتقديرها عند الأجيال الجديدة ومن بينها "الجيل زد" الذي يلتحق جزء منه بالجامعات حالياً ويتأثر بهذا الوضع في اختياراته.
كيف يرى الطلاب سوق العمل وما هي توجهات جزء منهم في ما يتعلق بالوظائف وما هي تصوراتهم للمستقبل؟
يقول الطالب في الصف الأول إدارة أعمال مالك حسن "اخترت هذا المجال لأني أرى أن المستقبل لمجال المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال، وفكرة الوظيفة التقليدية وانتظار المرتب في آخر الشهر أرى أنها أصبحت غير ذات جدوى مثل زمن سابق وليست لدي نية لهذا الوضع الذي يستنزف العمر من دون طائل، أحاول تقوية نفسي بالدورات ودراسة هذا المجال".
بينما توضح فاتيما عمرو في الصف الثاني بكلية الفنون الجميلة "أنوي بعد تخرجي التخصص في تصميم الأزياء وبالفعل بدأت صفحة على الـ’سوشيال ميديا‘ على نطاق بسيط ووجدت أن دراسة الفنون ستساعدني باعتبار أن هذا المجال به جانب فني وإبداعي كبير، وخلال الإجازات الصيفية أحاول البحث والتعمق في مجال ريادة الأعمال حتى أكتسب خبرات في هذا المجال".
ويرى الطالب في كلية الطب عمر محمود أن "بعض المهن مثل الطب وكل المجالات العلمية ستظل لها أهمية وهي الطريق المضمون للنجاح، فالعلم هو المستقبل في العالم كله، وبالفعل بين أصدقائي أرى أن هناك اختلافاً في رؤيتهم لصورة المهن واتجاهاً لسلوك طريق يعتقدون بأنه الأسهل وعدم رغبة في بذل جهد أو الدخول في دراسة تحتاج إلى مجهود ولكن النجاح في هذا العصر يستند بالأساس إلى العلم مهما حاول بعضهم ادعاء غير ذلك".
وتقول سارة حسن طالبة بالثانوية العامة ستلتحق بكلية الإعلام "اخترت هذا المجال لأني أفضله وهو رغبتي الأولى منذ أعوام عدة ولكني لا أنوي دخول مجال الإعلام التقليدي مثل الصحافة المكتوبة أو أن أصبح مذيعة في التلفزيون ولكني أنوي الاتجاه إلى المنصات التي تقوم بإعداد تقارير الفيديو للـ’سوشيال ميديا‘ أو مجال إدارة الـ’سوشيال ميديا‘ للمؤسسات، فهذا ما يتناسب مع العصر الحالي".
الـ’سوشيال ميديا‘ والذكاء الاصطناعي أربكا سوق العمل
تغيرات متسارعة شهدتها سوق العمل خلال الأعوام الأخيرة وظهرت مهن جديدة لم يكُن لها وجود في أزمان سابقة، يرتبط جانب منها بالـ’سوشيال ميديا‘ مثل إدارة الصفحات والتسويق وإنتاج المحتوى للـ’سوشيال ميديا‘ بأنواعه المتعددة، وفي الوقت نفسه قلّص الاعتماد المفرط على التكنولوجيا كثيراً من الوظائف، كما أن هناك اتجاهاً كبيراً لتقدير المهن ذات الجانب الإبداعي بأنواعه المختلفة مثل التصوير والمونتاج وإنتاج المحتوى والقطاعات المرتبطة بالموضة والأعمال اليدوية، فكل هذه المجالات أصبحت جذابة وتحظى بالتقدير ولكنها لم تكُن تحظى بالمكانة نفسها سابقاً وكان نموذج الموظف التقليدي هو الأكثر تقديراً عند قطاعات كبيرة من الناس.
فبحسب تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام بعنوان "مستقبل الوظائف"، سيفقد العالم 92 مليون وظيفة في قطاعات مختلفة بحلول عام 2030 بسبب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، فيما توقع التقرير أن هناك قطاعات من الوظائف سيزداد الطلب عليها مثل متخصصي البيانات الضخمة ومهندسى التكنولوجيا المالية ومطوري البرمجيات ومتخصصي الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، إضافة إلى وجود طلب كبير على خدمات الرعاية والعاملين في مجالات الإرشاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعن الاعتبارات التي تحكم اختيارات الشباب للدراسة ومجال العمل الذي يطمح إليه مستقبلاً، يقول استشاري الإرشاد النفسي والأسري محمود علام "في زمن سابق كانت هناك وظائف نمطية وكانت هناك اعتبارات تحكم اختيار الطالب لمهنته المستقبلية، من بينها رغبته في أن يكون امتداداً للعائلة، فبعض العائلات نجد معظم أفرادها أطباء أو مهندسين أو أية مهنة أخرى فيتأثر بهم من طفولته، وهناك عامل آخر وهو ما كان يطلق عليه ’كليات القمة‘ وتنافس الناس على دخولها باعتبار أنها ستمنحهم مكانة مرموقة في المجتمع، وكانت آليات السوق وقتها تتطلب هذا، ولكن مع تضاعف الأعداد التي تلتحق بهذه الكليات فقدت قيمتها وميزتها النسبية حتى إن كان لا يزال الدخول إليها يتطلب مجموعاً مرتفعاً".
ويضيف أنه "خلال العقد الأخير ومع انتشار الـ’سوشيال ميديا‘ وأخيراً الذكاء الاصطناعي، حدث ارتباك كبير في سوق العمل وظهرت وظائف جديدة واختفت وظائف كانت قائمة وتغيرت مفاهيم الجيل الجديد الذي أصبح يبحث عن الربح بأقل مجهود ممكن، ولم تعُد المهن التقليدية أو المسارات الطويلة للدراسة تجذبه، خصوصاً أنه محاط بنماذج على الـ’سوشيال ميديا‘ تحقق نجاحات مادية طائلة من دون مجهود يذكر، وبالنهاية هي نجاحات وهمية لأنها لا تضيف أي شيء، وفي الوقت نفسه يجد هؤلاء الشباب أن جزءاً من معارفهم أو عائلتهم ممن سلكوا طريق العلم أو المسار الوظيفي التقليدي في مستويات مادية أقل بكثير".
وأوضح "بالنهاية لابد من التركيز على التعليم من بدايته لأنه أساس كل شيء ودور المدرسة في نشر الوعي والقيم شديد الأهمية ولكنه يكون غائباً في كثير من الأحيان، بالتالي يرغب الشباب في اتخاذ مسارات سهلة قد لا تكون لها قيمة أو إضافة حتى إن كانت مربحة".
لا يصلح الجميع لأن يكونوا رواد أعمال
وضمن استطلاع أجرته شركة "مورنينغ كونسلت" المتخصصة في الأبحاث عبر الإنترنت، تبين أن نحو 44 في المئة من العينة التي شملتها الدراسة يرون أن المسار المناسب لهم هو أن يصبحوا صناع محتوى على الـ"سوشيال ميديا".
بينما أجرى موقع "ميرور" البريطاني استطلاعاً للرأي لعيّنة من الشباب تراوح أعمارهم ما بين 18 و29 سنة حول رؤيتهم لطبيعة المهن التي يرغبون في ممارستها، فظهر أن هناك رغبة متزايدة في أن تتناسب المهنة مع الشخصية والشغف.
وكانت لدى نحو ثلث المشاركين (33 في المئة) رغبة في أن يصبحوا لاعبين محترفين، بينما اختار أكثر من نصفهم 56 في المئة العمل في مجال وسائل التواصل الاجتماعي، كما تجنب كثرٌ الوظائف المكتبية مفضلين الوظائف ذات طبيعة العمل الجيدة، بينما رغب أكثر من ثلث العينة (34 في المئة) في العمل لدى شركة تتمتع بشبكة دعم قوية للصحة النفسية.
في عالمنا العربي المتابع لتوجهات الشباب من "الجيل زد" يرى أن قطاعاً كبيراً منهم أصبحت ريادة الأعمال هي الاتجاه السائد بينهم وبالفعل حقق بعضهم نجاحات كبيرة وأسسوا مشاريع قائمة على أسس راسخة، إلا أن قطاعاً كبيراً يتخبط في هذا المجال لعدم الخبرة ولعدم اقتناعه بأنه يجب أن يبدأ بالعمل في المجال ذاته الذي يرغب فيه لاكتساب الخبرات ومن ثم الانطلاق في مجال العمل الحر.
استشاري ومدرب الموارد البشرية سامر عوض يقول "في ما يتعلق بمجال ريادة الأعمال، لا بد من أن تكون لدى الشخص مواصفات رائد الأعمال مثل المغامرة والقدرة على تحمل أعباء لا يستطيع تحملها الموظف العادي مثل الضغوط وتقلبات السوق، وفي الوقت نفسه لا بد من أن يكون رائد الأعمال يفهم في شيء معين، فنظرية أن يبدأ مشروع في مجال جديد وينجح أقل بكثير من أن يدخل مجالاً معروفاً بخطة مدروسة وينجح، فعدد المشاريع الصغيرة التي تفشل خلال الأعوام الثلاثة الأولى يكون كبيراً جداً، وبصورة عامة لا بد من أن تكون المشاريع قائمة على الفهم والخبرة، وبالنهاية النجاح لا يرتبط بالكلية أو بالمجموع في الثانوية العامة ولكن بالقدرة على توظيف المهارات المتاحة للشخص".
ويوضح عوض أن "العصر الحالي اختلف عن أعوام سابقة وأن التغير سريع جداً في سوق العمل عموماً، فالتعليم الجامعي التقليدي لا يزال يهتم بجانب المعرفة ولكن لا يوجد الاهتمام نفسه بالجانب التطبيقي الذي يرتكز على إكساب المهارات، وبعض الجامعات بدأت تدرك هذا الأمر وتهتم بمثل هذه النوعية من المواد، فينعكس ذلك على الطالب بصورة إيجابية، ولكن بعضهم لا يزال يقوم بتدريس المواد بالصورة التقليدية وبمناهج وأساتذة غير متطورين، مما يجعل الطالب لا يتحمس للدراسة ولا يكون مؤهلاً لسوق العمل، بخاصة إذا كان لا يستهدف الوظيفة بصورتها التقليدية".
ويضيف أن "البرامج الحديثة والشهادات الاحترافية أصبحت هي الأكثر فاعلية، فالطالب الذي يدخل إلى كلية التجارة على سبيل المثال يحتاج إلى دراسة مواد تطبيقية في هذا المجال ومواد تتعلق بريادة الأعمال والبرامج المحاسبية المرتبطة بالعصر الرقمي، وفي الوقت نفسه لا بد من أن يكون الطالب على دراية بطبيعة سوق العمل ومتطلباته منذ بداية التحاقه بالدراسة وأن يختار الكلية الأقرب لقلبه حتى يتفوق فيها، وفي الوقت نفسه أن يتناسب المجال مع المؤهلات الشخصية، فقد يكون التسويق مطلوباً على سبيل المثال ولكنه لا يتناسب مع طبيعة الشخص فلا يكون هو المجال المناسب له".