ملخص
الشركة التي ركزت في بدايتها على الاستثمار في التوسع وبالتالي في التوظيف، أصبحت في العامين الأخيرين تركز على زيادة الكفاءة التشغيلية.
منذ تطور الذكاء الاصطناعي قبل نحو عامين، تتصاعد المخاوف من أنه سيحل محل البشر في غالب الصناعات والمهن، وعلى رغم أن ذلك لم يحدث حتى الآن، وما زالت هناك شكوك حول تبني كل الشركات والأعمال للذكاء الاصطناعي في نشاطها، إلا أن تلك المخاوف لا تتراجع بل تزيد.
صحيح أن هناك تطوراً تكنولوجياً سابقاً أسهم في إحلال الآلة محل البشر، بخاصة في صناعات كثيرة مثل السيارات وغيرها، وهو الإنسان الآلي أو "الروبوت"، إلا أنه مع استخدام التكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي في الروبوتات، يخشى أن تحل فعلاً محل الأيدي العاملة البشرية تدريجاً حتى لا تصبح هناك وظائف للبشر الداخلين إلى سوق العمل.
تحتاج الروبوتات، وبرامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى بشر يشغلونها ويعملون على صيانتها، إلا أن ذلك يقتصر على فئة ممن لديهم خبرة تقنية فحسب، علاوة على أن أعداد العاملين ستنخفض بشدة، ناهيك بتوقف الشركات والأعمال عن توظيف عمالة جديدة تستوعب الزيادة في الباحثين عن عمل.
هذا الأسبوع نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً مطولاً عن توجه شركة "أمازون" للتجارة الإلكترونية لإحلال الروبوتات محل أكثر من نصف مليون عامل فيها، والشركة هي ثاني أكبر الشركات الأميركية في توظيف العمالة بعد شركة سلسلة محال التجزئة "وول مارت".
خطط الإحلال الآلي
لا تعتبر شركة "أمازون" واحدة من أكبر الشركات الأميركية والعالمية من حيث قيمتها السوقية فحسب، بل إن أهميتها للسوق الأميركية تكمن في أنها خلال نحو عقد من الزمان غيرت تقريباً طريقة تسوق الجمهور من الذهاب إلى الأسواق والمحال إلى الشراء عبر الإنترنت.
لكن الأهمية الأكبر للشركة أنها من أكبر الأعمال التي توفر وظائف للأميركيين وتنشط سوق العمل باستمرار، سواء بالوظائف الدائمة أم الموقتة أم التعاقدات للعاملين في مستودعاتها وشبكة التوصيل.
منذ عام 2018 حتى الآن تضاعفت القوة العاملة لشركة "أمازون" ثلاث مرات لتصل إلى 1.2 مليون عامل، إذ توظف الشركة أعداداً كبيرة في مستودعات التخزين والتصنيف، إضافة إلى عدد هائل من السائقين الذين تتعاقد معهم لتوصيل السلع والبضائع المشتراة عبر الإنترنت إلى الزبائن.
وطبقاً لوثائق ومذكرات داخلية اطلعت عليها الصحيفة، ومقابلات أجرتها، يخلص التقرير إلى أن الشركة يمكن أن تستغني عن توظيف 160 ألف عامل كانت تحتاج إلى تعيينهم بحلول عام 2027، وذلك نتيجة الإحلال الآلي في مستودعاتها واستخدام الروبوتات محل البشر.
ولدى الشركة خطط للإحلال الآلي في 75 في المئة من عملياتها في أقل من 10 سنوات، مما يعني الاستغناء عن مئات الآلاف من القوة العاملة البشرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أبلغ المديرون المسؤولون عن التحول الآلي مجلس إدارة الشركة العام الماضي أن بالإمكان الاستغناء عن العمالة البشرية واستخدام الروبوتات ضمن خطط التحول الآلي، وأن ذلك سيوفر مزيداً من الكلفة في الوقت الذي تتضاعف فيه المبيعات.
وتشير بعض الوثائق والمذكرات إلى أن ذلك يمكن أن يخفض أيضاً الأسعار للمستهلك بما يصل إلى نسبة 30 في المئة في بعض الأحيان.
ويستهدف التحول الآلي الوصول إلى هذا الهدف بحلول عام 2033، بما يعني أن الشركة لن تحتاج إلى توظيف ما يصل إلى 600 ألف عامل.
المسؤولية الاجتماعية للشركة
تحرص "أمازون"، مثلها مثل الشركات الكبرى التي تحقق عائدات وأرباحاً بالمليارات، على إبراز دورها المجتمعي في المناطق التي توجد بها مستودعاتها ومراكز نشاطها.
ولأنها تخشى من تأثير تلك الخطط للتحول الآلي في صورتها المجتمعية، فإنها تستبعد تماماً في كل منشوراتها الإشارة إلى "التحول الآلي" أو إلى "الذكاء الاصطناعي".
لكن الشركة بدأت بالفعل منذ فترة استخدام الروبوتات - والذكية منها أيضاً - في بعض المستودعات، بحيث لم يعد هناك عدد كبير من العاملين يتحركون في ممرات المستودع الطويلة للوصول إلى الطلب الذي يشترى عبر الإنترنت وحمله إلى مكان التحميل للتوصيل.
ومع أن ذلك لا يختلف كثيراً عن استخدام الروبوتات في بعض الأعمال في مصانع السيارات، إلا أنه في حال شركة مثل "أمازون" ليست هناك حاجة إلى عمالة فنية مثل صناعة السيارات، بالتالي فإن إحلال الروبوت محل البشر يعني في شركة التسوق الإلكتروني العملاقة إمكان الاستغناء عن مئات الآلاف من العاملين بسهولة، ويصبح المستودع ومواقع التشغيل المماثلة يعمل بالروبوت مع عدد قليل جداً من المشرفين من القوة العاملة البشرية، إضافة إلى فنيي صيانة الروبوتات.
من المهم أيضاً الإشارة إلى أن "أمازون" تطور منذ سنوات قدرات تكنولوجية، منها قطاع الحوسبة السحابية وقطاع تطوير برامج الكمبيوتر. وقد دخلت أخيراً بقوة في مجال الذكاء الاصطناعي، أي أن الشركة يمكنها أن تطور ذاتياً عملية الإحلال الآلي الذكي في أعمالها من دون الحاجة إلى تعاقدات مع شركات تكنولوجيا، مما يعني زيادة الكفاءة.
حاول مسؤولو الشركة الذين تحدثت إليهم الصحيفة التقليل من أهمية هذا التحول الآلي، بالإشارة إلى أن الشركة تعمل دوماً على زيادة الكفاءة من دون الإضرار بمسؤوليتها الاجتماعية، بما فيها انعكاس نشاطها على المجتمعات التي توجد بها مستودعاتها ومراكز أعمالها.
الشركة التي ركزت في بدايتها على الاستثمار في التوسع وبالتالي في التوظيف، أصبحت في العامين الأخيرين تركز على زيادة الكفاءة التشغيلية، أي ببساطة تقليل الكلفة وزيادة العائدات والأرباح مع رفع معدلات البيع والتسويق.
وتسهم عملية التحول الآلي في تحقيق ذلك، بحسب خطط ومذكرات المديرين المسؤولين عن التحول الآلي، لكنها في الوقت نفسه تعني التوقف عن التوظيف للعمالة البشرية، بل وربما تسريح عاملين، أو في الأقل عدم تعيين جدد مكان من يستقيل أو يتقاعد.
المشكلة الأكبر أن ما يحدث مع شركة "أمازون" يمكن أن يكون نموذجاً للشركات الأخرى، وهو ما سيؤدي إلى اتباع شركات كثيفة العمالة البشرية سياسة الإحلال الآلي والذكي محل البشر، وحينها سترتفع معدلات البطالة في سوق العمل بما يهدد بشبه اختفاء القوى العاملة البشرية لصالح الروبوتات والبرامج الإلكترونية الذكية.