ملخص
السفن التي وفرت لها "ماريتايم ميوتشوال" التأمين شحنت ما لا يقل عن 18.2 مليار دولار من النفط ومنتجات الطاقة الإيرانية و16.7 مليار دولار من منتجات الطاقة الروسية منذ دخول العقوبات حيز التنفيذ.
في عيد الميلاد الماضي أبحرت الناقلة "يوج" من ميناء تشينغداو الصيني بعد تفريغ مليوني برميل من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، وقرب القطب الشمالي كانت سفينة تحمل نفطاً روسياً تشق طريقها عبر البحار الجليدية متجهة إلى الهند، وعلى بعد 6 آلاف ميل أفرغت سفينة ثالثة حمولتها من النفط الإيراني قبالة سواحل ماليزيا.
كانت الناقلات الثلاث تملكها وتشغلها جهات مختلفة وتخدم عملاء مختلفين، لكنها كانت تشترك في أمر واحد: شركة تأمين صغيرة مقرها نيوزيلندا مدعومة من بعض أكبر شركات إعادة التأمين في العالم.
يدير شركة "ماريتايم ميوتشوال" البريطاني بول رانكن (75 سنة) وأفراد عائلته، لأكثر من عقدين قدمت الشركة التغطية التأمينية لكل شيء من القاطرات البحرية إلى العبارات وسفن الشحن، وساعدت أيضاً في تسهيل تجارة بمقدار عشرات المليارات من الدولارات في النفط الإيراني والروسي من خلال توفير التأمين الذي تحتاج إليه السفن، التي تلتف على العقوبات الغربية لدخول الموانئ، وذلك وفقاً لمراجعة أجرتها "رويترز" لآلاف السجلات البحرية والتأمينية ومئات الصفقات النفطية وقوائم العقوبات ومقابلات مع أكثر من 20 شخصاً على دراية بالشركة.
تنتمي سفن عدة إلى ما يسمى في عالم الشحن بـ"أسطول الظل" وهو عبارة عن ناقلات تحمل البضائع الخاضعة للعقوبات من دول مثل إيران وروسيا وفنزويلا، وتخفي نشاطها من خلال مواقع ووثائق وأسماء مزيفة.
أدت التغطية التأمينية لشركة "ماريتايم ميوتشوال" دوراً محورياً في مساعدة "أسطول الظل" على العمل، على رغم العقوبات التي تهدف إلى منع إيران من تمويل فصائل مسلحة مناهضة للغرب في الشرق الأوسط وتجفيف مصادر تمويل روسيا لحربها على أوكرانيا.
وتكشف تقارير "رويترز" أن الشركة، التي يقع مقرها الرئيس في مبنى إداري رمادي داكن في أوكلاند، قدمت في وقت ما التغطية التأمينية لما يقارب سدس ناقلات "أسطول الظل" التي فرضت عليها حكومات غربية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، عقوبات.
يقول مدير شركة "بلاكستون كومبلاينس سيرفيسز" للاستشارات المتعلقة بالعقوبات، المتخصص السابق في شؤون العقوبات في وزارة الخزانة الأميركية، ديفيد تانينباوم، معلقاً على نتائج "رويترز"، "هذا يجعلها من اللاعبين الكبار" في هذا القطاع، وأضاف "الأرقام تتجاوز بكثير تلك الخاصة بكثير من الجهات الفاعلة في أسطول الظل التي نتابعها وهي شركات رائدة في مجالها".
وفي وقت سابق، أفادت "رويترز" وموقع "لويدز ليست" للشحن بأن شركة "ماريتايم ميوتشوال" وفرت تغطية تأمينية لعدد محدود من الناقلات التي تلتف على العقوبات، وكشفا عن بعض تفاصيل ملكيتها وهيكلها المؤسسي، لكن هذا التقرير هو الأول الذي يوثق حجم استعانة "أسطول الظل" بخدمات "ماريتايم ميوتشوال" والشركات الغربية الكبرى التي تدعمها من خلال توفير إعادة التأمين اللازمة لمساعدتها في تغطية التعويضات الضخمة المحتملة.
وتحقق نيوزيلندا، بالتعاون مع شركاء من بينهم أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، في أنشطة "ماريتايم" وسط مخاوف من أنها ربما ساعدت في انتهاك العقوبات، وتقاعست عن الوفاء بالتزاماتها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفقاً لشخص مطلع مباشرة على الأمر، ولم ينشر أي تقرير عن هذا التحقيق من قبل.
وفي بيان لـ"رويترز" قالت الشركة إنها "تنفي بصورة قاطعة" أي تورط في سلوك ينتهك العقوبات الدولية السارية، وأكدت أنها تتبع "سياسات لا تتهاون مطلقاً" مع أي انتهاكات للعقوبات، وتعمل وفقاً "لمعايير امتثال صارمة تضمن الالتزام التام جميع القوانين واللوائح ذات الصلة".
ولم تعلق الشركة على التحقيق في نيوزيلندا، كذلك لم يرد رانكن، مؤسس الشركة، وعائلته على طلبات التعليق.
الشرطة تفتش مكاتب الشركة
في إطار تحقيقاتها في مزاعم انتهاك العقوبات الروسية، فتشت الشرطة في نيوزيلندا مقر شركة "ماريتايم ميوتشوال" في الـ16 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بحسب ما قال شخص ثانٍ مطلع على التحقيق.
وأفاد المصدر بأن عناصر من وحدة الجرائم المالية صادروا وثائق وسجلات خلال عمليات تفتيش في مكاتب الشركة في أوكلاند وكرايستشيرش، إضافة إلى منزل في أوكلاند، واستجوبت الشرطة ثلاثة أشخاص، لكن لم توجه أي تهم جنائية إليهم بعد.
لم تتمكن "رويترز" من تحديد هوية الأشخاص الثلاثة، وأكدت الشركة دخول الشرطة إلى مكتبها في أوكلاند في الـ16 من أكتوبر.
وفي بيان أرسل يوم الـ21 من أكتوبر لـ"رويترز"، قال فرع الشركة في نيوزيلندا إن مجلس إدارتها قرر في اليوم السابق عدم توفير التأمين لأي سفينة تصنفها شركة "ويندوارد" وموقع "لويدز ليست" المتخصصان في معلومات الشحن، ضمن "أسطول الظل"، أو لأي سفينة تنقل النفط الروسي أو المنتجات البترولية المكررة الروسية.
وقالت الشركة إن جميع أنشطة فرعها في نيوزيلندا متوافقة مع العقوبات وإنها اتخذت هذا القرار بسبب الأعباء الإدارية والرقابية الكبيرة التي تفرضها تغطية الناقلات.
ويعد تقديم خدمات مثل التأمين لسفينة مدرجة على القوائم السوداء الغربية انتهاكاً للعقوبات، وتحظر كثير من الحكومات الغربية تقديم خدمات تسهل نقل أو بيع أي منتجات نفطية روسية وإيرانية محظورة، حتى لو لم تكن السفينة نفسها خاضعة للعقوبات.
ولم تتوصل "رويترز" إلى أي استنتاجات مستقلة في شأن شرعية أنشطة شركة "ماريتايم ميوتشوال".
وكانت الشركة أبلغت "رويترز" في وقت سابق أنها تطبق إجراءات دقيقة للفحص والتحقق قبل التعاقد، تشمل التدقيق في مالكي السفن والمستفيدين النهائيين والسفن نفسها، وأضافت أن شروط التعاقد تنص على إلغاء التغطية التأمينية فوراً لأي سفينة أو مالك في حال الاشتباه في انتهاك العقوبات.
ولم تتمكن "رويترز" من التواصل مع مالك السفينة "يوج" التي كانت تعرف سابقاً باسم "مور"، ولم ترد الشركة المشغلة لها على أسئلة أرسلت عبر البريد الإلكتروني، ولم يستجب المسؤولون الحكوميون في روسيا وإيران لطلبات التعليق في شأن شركة "ماريتايم ميوتشوال"، وتؤكد روسيا أن العقوبات الغربية غير قانونية، وأشاد الرئيس فلاديمير بوتين بنجاح موسكو في التحايل عليها.
لا يقدم تحقيق "رويترز" عن "ماريتايم ميوتشوال" صورة كاملة عن عمليات الشركة، ولم تتمكن الوكالة من تحديد هوية مئات الناقلات التي يقال إن الشركة تغطيها.
وبخلاف معظم المنافسين لا تتيح "ماريتايم" للجمهور وسيلة للتحقق مما إذا كانت سفينة ما مشمولة بتغطيتها التأمينية، كذلك فإنها لا تشارك هذه المعلومات مع مزودي بيانات الشحن الرئيسين مثل "ستاندرد أند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس" و"لويدز ليست إنتليجنس".
ولم تعلق الشركة على سبب عدم نشرها قائمة بالسفن التي توفر لها التأمين أو عدم مشاركتها هذه المعلومات مع مزودي البيانات.
ولم تتمكن "رويترز" أيضاً من تحديد العملاء الذين ربما أوقفت "ماريتايم ميوتشوال" التعامل معهم بعد اعتبارهم منتهكين للعقوبات، ورفضت الشركة تزويد الوكالة بقائمة كاملة بالسفن التي ألغيت تغطيتها التأمينية.
لا يمكن الإبحار من دون تأمين
لا يغطي عرض التأمين الرئيس لشركة "ماريتايم ميوتشوال"، المعروف باسم تأمين الحماية والتعويض، السفينة أو حمولتها بل يغطي المسؤوليات القانونية التي قد تترتب على مالك السفينة في حال التسبب عن غير قصد بضرر للأشخاص أو الممتلكات أو البيئة.
في حين أن تغطية الحماية والتعويض للناقلات الصغيرة يمكن أن تكلف عشرات الآلاف من الدولارات سنوياً، تقول مصادر في القطاع إنها يمكن أن تتجاوز 200 ألف دولار للسفن القديمة والكبيرة، وذلك بحسب عوامل مثل عمر السفينة وحجمها ومالكها.
وقال تانينباوم إن تأمين الحماية والتعويض ضروري لتشغيل "سفن الظل"، وأضاف "من دونه، ستتوقف السفن بلا حراك في المياه، حتى الموانئ الإيرانية والروسية لن تسمح لسفينة غير مؤمنة بدخول مياهها الإقليمية".
كانت "رويترز" قد كشفت للمرة الأولى عن وثائق شحن تظهر أن شركة "ماريتايم ميوتشوال" قامت بتأمين ناقلات تحمل نفطاً خاضعاً للعقوبات أثناء تحقيق عن كيف تنقل إيران النفط الخام حول العالم نشر في يناير (كانون الثاني) الماضي.
ولا تتوفر قائمة كاملة بعملاء الشركة، لكن "رويترز" جمعت قائمة تضم 231 ناقلة نفط غطتها "ماريتايم ميوتشوال" منذ عام 2018، بالاعتماد على مصادر متنوعة: رسائل بريد إلكتروني من متداولين للنفط الإيراني سربها متسللون إلكترونيون وتذكر بالتفصيل شركات التأمين التي يتعاملون معها، وبيانات الموانئ والجمارك الروسية وقواعد بيانات الشحن ووثائق شركات ومصادر في القطاع، شاركت "رويترز" القائمة مع مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف وهو مركز أبحاث في هلسنكي يعنى بقطاع الطاقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن بين تلك السفن حدد مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف أن 130 منها كانت تحمل منتجات طاقة إيرانية أو روسية بعد فرض العقوبات على طهران في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 وعلى موسكو في ديسمبر (كانون الأول) 2022.
وباستخدام قواعد البيانات التجارية لصفقات النفط الفردية وأسعار النفط الخام، حسب المركز أن السفن التي وفرت لها "ماريتايم ميوتشوال" التأمين شحنت ما لا يقل عن 18.2 مليار دولار من النفط ومنتجات الطاقة الإيرانية و16.7 مليار دولار من منتجات الطاقة الروسية منذ دخول العقوبات حيز التنفيذ.
وغالباً ما كانت 30 ناقلة أو أكثر تغطيها الشركة تنقل منتجات طاقة إيرانية وروسية في يوم واحد، وفي الأول من أبريل (نيسان) 2024، بلغ عددها 41 ناقلة، وأعادت "رويترز" حسابات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف باستخدام قواعد البيانات نفسها.
لم تعقب شركة "ماريتايم ميوتشوال" على أرقام المركز، وفي بيانها، ذكرت الشركة أنها تحصل على شهادات تثبت امتثال السفن التي تحمل النفط الروسي للعقوبات الغربية.
وقالت لـ"رويترز": "لا يوجد تأمين لأي سفينة لا تلتزم بالكامل جميع أنظمة العقوبات المعمول بها أو التي تعرض الشركة لأخطار العقوبات... بما في ذلك السفن المذكورة في استفساركم، وكذلك أي سفينة تحمل نفطاً إيرانياً".
ولم تستجب "ماريتايم ميوتشوال" لطلبات مشاركة نسخ من الشهادات، وفي الـ15 من أكتوبر، أبلغت الشركة "رويترز" أنها تدرج الآن بنداً خاصاً بالعقوبات في جميع عروض التأمين يلزم عملاءها بضمان امتثال السفن "الكامل لأنظمة العقوبات المعمول بها".
وعثرت "رويترز" على هذه الصيغة في شهادة تأمين لسفينة بتاريخ مارس (آذار) الماضي، لكنها لم تجدها في وثائق مماثلة لسفن أخرى في أعوام 2022 و2023 ويناير 2024.
القائمة السوداء للغرب
قالت شركة "ماريتايم ميوتشوال" لـ"رويترز" في أبريل إنها توفر التأمين لنحو 6 آلاف سفينة. وأوضحت الشركة أن ناقلات النفط، وهي سفن مصممة لنقل البضائع السائلة كالنفط الخام، تشكل نحو ثمانية في المئة من إجمال هذا العدد، أي 480 ناقلة تقريباً.
توصلت مراجعة أجرتها "رويترز" إلى أن كثيراً من السفن التي غطتها الشركة أصبحت الآن خاضعة للعقوبات.
وبحسب شركة "بول ستار غلوبال"، وهي شركة بيانات ومعلومات عن الملاحة البحرية، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى عقوبات على 621 ناقلة تابعة لـ"أسطول الظل" حتى الـ31 من يوليو (تموز) الماضي.
باستخدام قاعدة بيانات "سي سيرشر" التابعة لموقع "لويدز ليست" وقواعد بيانات العقوبات الرسمية، وجدت "رويترز" أن 97 ناقلة نفط خاضعة للعقوبات كانت تتمتع بتغطية تأمينية من "ماريتايم ميوتشوال"، بما في ذلك 48 ناقلة كانت مشمولة بتأمينها في اليوم الذي أدرجتها فيه حكومة غربية واحدة في الأقل في قوائم العقوبات، ولم تتمكن "رويترز" من تحديد ما إذا كانت الناقلات المتبقية كانت تتمتع بتأمين الشركة عند إدراجها في القائمة السوداء.
وعندما طلب منها التعليق على النتائج، قالت الشركة إنها ألغت تأمين 92 سفينة منذ عام 2022 بسبب خضوعها للعقوبات.
ولم تتمكن "رويترز" من التحقق من هذا الرقم إذ رفضت الشركة تقديم قائمة كاملة بالناقلات التي وفرت لها التأمين.
في إحدى الحالات فرضت واشنطن عقوبات على ناقلة النفط "فنغهوانغ"، المملوكة لشركة في هونغ كونغ، في الـ24 من فبراير (شباط) الماضي، وبعد أسبوع واحد وعقب وصولها إلى ميناء ناخودكا شرق روسيا، أعلنت السفينة المعروفة سابقاً باسم "فينيكس 1" أنها تتمتع بغطاء تأميني من شركة "ماريتايم ميوتشوال"، وفقاً للبيانات.
وقالت الشركة إنها بدأت التأمين على الناقلة في الـ14 من فبراير الماضي، وألغت التغطية بعد 10 أيام عندما تعرضت الناقلة للعقوبات.
كما هو معتاد بالنسبة إلى شركات التأمين البحري تضم سياسات "ماريتايم ميوتشوال" بنداً خاصاً بالعقوبات، ينص على أنها لن تغطي المطالبات أو العملاء إذا عرضها ذلك لخطر انتهاك العقوبات.
وفي بيانها لـ"رويترز" قالت الشركة إن التغطية التأمينية تلغى تلقائياً إذا اعتبرت السفينة خاضعة لعقوبات.
وجدت "رويترز" أيضاً أن 126 شركة خاضعة للعقوبات - سواء بصورة مباشرة أو عبر شركات تابعة - كانت تمتلك أو تشغل ناقلات نفط تغطيها "ماريتايم ميوتشوال" في وقت ما، وفرضت العقوبات على 61 منها بينما كانت "ماريتايم ميوتشوال" تغطي سفينة واحدة في الأقل من سفنها.
وفي المجمل وجدت "رويترز" أن سبع ناقلات نفط أعلنت أنها مؤمنة من "ماريتايم ميوتشوال" بعد إدراجها في قوائم العقوبات وفقاً لبيانات الموانئ الروسية.
أفادت إحدى هذه السفن، وهي الناقلة "صن سي" التي كانت تعرف سابقاً باسم "تشيمبولك تورتولا"، بأنها حاصلة على بوليصة تأمين من الشركة بدأت بعد أشهر من فرض العقوبات عليها، وذلك بحسب بيانات الموانئ الروسية وتقارير لـ"رويترز".
وذكرت الشركة أنها بدأت تأمين "صن سي" في مايو (أيار) 2023، أي بعد أكثر من شهرين من فرض واشنطن عقوبات عليها، بسبب خطأ إداري، وأضافت أنها ألغت البوليصة عند اكتشاف الخطأ بعد شهر.
لم تتمكن "رويترز" من الاتصال بمالكي ومشغلي الناقلتين "صن سي" أو "فنغهوانغ"، المعروفة سابقاً باسم "مينيرفا زينيا"، إذ تعذر الوصول إليهم أو لم يردوا على الأسئلة التي أرسلت لهم بالبريد الإلكتروني.
ونظراً إلى رفض الشركة تقديم تفاصيل عن الناقلات التي وفرت لها التأمين، لم تتمكن "رويترز" من التحقق من صحة جميع وثائق التأمين التي عثرت عليها، وكان كثير من وثائق التأمين الخاصة بالناقلات التي حددتها "رويترز" وعددها 231، انتهت صلاحيتها، لذا لم يتسن التحقق منها، لأن قواعد بيانات سجلات الشحن الرسمية لا تتيح الوصول إلى البوالص المنتهية.
ومع ذلك تمكنت "رويترز" من التحقق من صحة وثائق سبع ناقلات أكدت أن الشركة هي الجهة المسؤولة عن توفير التأمين لها وكانت جميعها صحيحة وفقاً لقواعد البيانات الرسمية للسجلات.
ولا تحظر العقوبات الغربية تصدير النفط الروسي، شرط بيعه بأقل من السقف السعري المحدد البالغ 60 دولاراً للبرميل عام 2022، ثم خفضته معظم الحكومات الغربية إلى 47.60 دولار في سبتمبر (أيلول)، ويهدف هذا السقف إلى تقليص تمويل روسيا للحرب في أوكرانيا، مع ضمان استمرار تدفق النفط الروسي لتفادي ارتفاع أسعار الطاقة العالمية.
ولم تتمكن "رويترز" من التأكد بصورة قاطعة مما إذا كان هذا السقف قد جرى تجاوزه في كل شحنة روسية حملتها ناقلات تغطيها "ماريتايم ميوتشوال"، ومع ذلك أظهرت وثائق وقواعد بيانات حكومية أن 30 ناقلة خضعت للعقوبات - بسبب نقلها شحنات روسية بأسعار أعلى من الحد الأقصى - كانت مشمولة بتغطية تأمينية من الشركة يوم خضوعها للعقوبات.
وقالت الشركة لـ"رويترز": "أي سفينة تحمل نفطاً روسياً تخضع لتقييم دقيق ويتم الحصول على الشهادات اللازمة لضمان امتثالها لسقف أسعار النفط الذي حددته مجموعة السبع"، وذلك قبل بيانها في الـ21 من أكتوبر الذي أكدت فيه أنها لن تغطي بعد الآن السفن التي تحمل منتجات النفط الروسية.
وتتطلب الإرشادات الخاصة بسقف أسعار النفط الروسي من شركات التأمين الحصول على شهادات من الأطراف المشاركة في كل صفقة نفطية تفيد بالتزامهم هذا السقف السعري.
يقول متخصصون في القطاع إن ضمان امتثال العملاء لقواعد العقوبات يمثل تحدياً، وذكر رئيس منتدى سياسات الاتحاد الدولي للتأمين البحري نيل روبرتس "أنت تعتمد على كلامهم، وهذا أمر صعب جداً بالنسبة إلى شركات التأمين التي لا تشارك مباشرة في هذه الصفقات ولا تعرف بالسعر الفعلي للعقد".
وأشار مدير كبير في إحدى شركات الوساطة التأمينية الكبرى إلى أن عمليات التحقق قد تتطلب من الشركات توظيف فرق "لمراقبة كل سفينة من بين آلاف السفن التي نتعامل معها بصورة مستمرة".
وبحسب منظمة "غلوبال فيشينغ ووتش" غير الربحية التي تراقب النشاط البشري في البحار، فإن السفن التي تغطيها شركة "ماريتايم ميوتشوال"، والتي تحمل النفط الإيراني أو الروسي، حاولت في كثير من الأحيان إخفاء تحركاتها.
وحددت المنظمة 274 حالة بين عام 2021 ومنتصف عام 2025، قامت فيها سفن تغطيها الشركة بتعطيل نظام التعريف الآلي الذي يظهر مواقعها، أو التلاعب به لإرسال بيانات تتبع مزيفة، وهي أساليب تضليل شائعة تستخدمها طواقم السفن لإخفاء أنشطتها، ولم تعلق "ماريتايم ميوتشوال" على تحليل منظمة "غلوبال فيشينغ ووتش".
وقال بيورن بيرجمان المحلل في المنظمة "يبدو الأمر مفاجئاً بالنسبة إليَّ أن شركة من دولة تتعاون مع العقوبات الأميركية والأوروبية توفر التأمين لهذا العدد الكبير من السفن التي تتعمد إخفاء مواقعها".
وتلزم المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة السفن الكبيرة في الرحلات الدولية استخدام نظام التعريف الآلي، مع بعض الاستثناءات لأسباب تتعلق بالسلامة، إلا أن بيرجمان أشار إلى أن تطبيق هذا النظام يقع على عاتق الدول التي تصدر شهادات تسجيل رسمية للسفن.
أخطار العقوبات على شركات إعادة التأمين
مثل غيرها من شركات التأمين على الحماية والتعويض، تقوم شركة "ماريتايم ميوتشوال" بتقليل أخطار التعويضات الكبيرة الناتجة من الحوادث من خلال إعادة التأمين، وهو نظام تدفع بموجبه شركات التأمين جزءاً من أرباحها إلى شركات تأمين أخرى مقابل مساعدتها في تغطية أي مطالبات.
ووفقاً للتوجيهات الصادرة عن كثير من الحكومات الغربية يتعين على شركات إعادة التأمين الامتثال للعقوبات، وذكر الشريك الإداري في "إلدويك للمحاماة"، وهي شركة في لندن متخصصة في العقوبات، وليد طاهرخلي، أن شركات إعادة التأمين التي تتعامل مع "ماريتايم ميوتشوال" قد تواجه إجراءات قانونية أو تنظيمية من جانب السلطات إذا ثبت أنها ساعدت في تغطية سفن خالفت العقوبات الدولية، وينطبق الأمر نفسه على الوسطاء الذين يساعدون "ماريتايم ميوتشوال" في ترتيبات إعادة التأمين.
وبحسب الموقع الإلكتروني لـ"ماريتايم ميوتشوال"، فإن الشركة تعتمد في إعادة التأمين على شركات تابعة لسوق "لويدز لندن"، إحدى كبرى أسواق التأمين في العالم، التي تضم أكثر من 50 عضواً من شركات التأمين.
وتشمل قائمة أعضاء "لويدز" الذين استعانت بهم "ماريتايم ميوتشوال"، أكبر شركة إعادة تأمين في العالم وهي مجموعة "ميونيخ ري" الألمانية ونظيرتها الألمانية "هانوفر ري" وشركتا "أم أس أملين" و"أتريوم" البريطانيتان، بحسب مصادر مطلعة في سوق إعادة التأمين.
وذكر مصدر مطلع لـ"رويترز" أن شركة التأمين البريطانية - الأميركية الكبرى "إيون" وشركة "لوكتون" الأميركية عملتا كوسيطتين لـ"ماريتايم".
وأكدت شركة "أتريوم" أنها تقدم خدمات إعادة التأمين لـ"ماريتايم ميوتشوال"، وذكرت شركة الوساطة "إيون" أن الشركة من عملائها، وأعلنت "أم أس أملين" أنها كانت تتعاون مع "ماريتايم" لكنها أنهت علاقتها معها، من دون تقديم تفاصيل.
رفضت شركة "هانوفر ري" التعليق وأكدت التزامها الامتثال للعقوبات الدولية وأن عقودها تتضمن بنوداً تمنع تغطية أي كيانات خاضعة للعقوبات.
ورفضت مديرة الشؤون القانونية والتنظيمية في رابطة سوق "لويدز"، أرابيلا راماج، التعليق عندما سئلت عن تقديم خدمات إعادة التأمين لـ"ماريتايم ميوتشوال"، وقالت إن الرابطة لا تنظم عمل شركات إعادة التأمين، وليست لديها صلاحية الاطلاع على عقودها أو أنظمة فحص العقوبات الخاصة بها.
ورفضت "لويدز لندن" و"ميونيخ ري" التعليق، وأكدت "لوكتون" أنها تولي أهمية كبيرة لالتزاماتها المتعلقة بالامتثال للعقوبات، لكن لا يمكنها التعليق على عملاء محددين.
إيران
أسس رانكن، المتخصص المخضرم في مجال التأمين البحري، شركة "ماريتايم ميوتشوال" بأوكلاند عام 2004، وفي العام التالي اتهمت اليابان الشركة بتوفير التأمين لسفن كورية شمالية، وفقاً لبرقية دبلوماسية أميركية مسربة.
ووفقاً لبرقية لاحقة، قال رانكن لمسؤول نيوزيلندي عام 2006، إن الشركة لم تعد تؤمن السفن الكورية الشمالية، ونشر موقع "ويكيليكس" البرقيتين، ولم تعلق "ماريتايم ميوتشوال" على محتوى البرقيتين الأميركيتين.
لم تستجب بعثة كوريا الشمالية لدى الأمم المتحدة في نيويورك لطلب التعليق، وأكدت وزارة النقل اليابانية أنها لم تتخذ أي إجراءات خاصة ضد الشركة.
مجموعة "ماريتايم ميوتشوال" شركة عائلية، يضم فريق العمل ابنتي رانكن، كلير وسارة، وصهره ستيفن جويس، وفقاً لموقع الشركة الإلكتروني وحسابها على "لينكدإن" وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورانكن وزوجته أجنيس وكلير وجويس جميعهم يديرون شركة "ماريتايم مانجمنت أدمنستريشن سيرفيسز"، وهي شركة في جيرنزي مسجلة في سجلات الشركات البريطانية بصفتها المدير القانوني للشركة البريطانية التابعة لـ"ماريتايم باسيفيك إنشورانس سيرفيسز". ولم يستجب أي من أفراد عائلة رانكن لطلبات التعليق.
ووفقاً لستة أشخاص مطلعين على الشركة كانت معظم أعمال "ماريتايم ميوتشوال" تركز في البداية على تأمين السفن القديمة والأساطيل الصغيرة بأقساط تأمين أقل من الشركات الكبرى التي تعرف عادة في القطاع باسم "الأندية".
لكن تركيز الشركة تغير لاحقاً، أفادت ثمانية مصادر في قطاع الشحن على دراية بأنشطة "ماريتايم ميوتشوال" أنها تخصص جزءاً كبيراً من أعمالها لـ"أسطول الظل".
ولدى "ماريتايم ميوتشوال" شركتان تابعتان في دبي: "أم أم إي سرفيسز" و"ماريتايم ريإنشوارنس"، وأفاد ثلاثة أشخاص بأن الشركة تنفذ جزءاً كبيراً من أعمالها المتعلقة بـ"أسطول الظل" هناك، ولم تستجب السلطات الإماراتية لطلب التعليق.
في عام 2016، قبل عامين من إعادة فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقوبات على إيران، كانت شركة "ماريتايم ميوتشوال"، التي أطلق عليها بعض العملاء اسم "نادي الحماية والتعويض النيوزيلندي"، تسعى إلى جذب الشركات الإيرانية.
وفي ذلك العام ظهر عرض توضيحي عن الشركة على الموقع الإلكتروني لشركة الشحن الإيرانية "شيراز مارين" يروج لمقرها الرئيس في نيوزيلندا ويستعرض خبرتها الممتدة منذ عقود.
وبحسب رسالة على الموقع نفسه تحمل شعار "ماريتايم ميوتشوال" وتوقيع "رانكن"، فوضت الشركة النيوزيلندية "شيراز مارين" بالترويج لها في إيران وبترشيح عملاء للحصول على تغطية تأمينية اعتباراً من الـ23 من يناير 2017.
ولم تستجب شركة "شيراز مارين" لرسائل البريد الإلكتروني التي تطلب التعقيب.
أعاد ترمب فرض العقوبات الأميركية على شحنات النفط الإيرانية في نوفمبر 2018، ومع سعي الدول الغربية إلى خنق صادرات النفط من إيران ثم روسيا لاحقاً، ارتفعت إيرادات "ماريتايم ميوتشوال" بصورة كبيرة.
ووفقاً لبيانات الشركة، فعلى مدى 11 عاماً حتى عام 2018، ارتفعت مبيعاتها التأمينية 9.5 في المئة سنوياً في المتوسط لتصل إلى 14.2 مليون دولار، لكن منذ عام 2019، بعد فرض واشنطن عقوبات على إيران، قفزت إيراداتها بمعدل سنوي بلغ 41 في المئة، لتسجل 108.5 مليون دولار العام الماضي.
بلغ نمو الإيرادات ذروته عند 60 في المئة عام 2023، وهو أول عام كامل بعد فرض العقوبات الغربية على روسيا، كذلك ارتفعت صادرات النفط الإيرانية إلى 42 مليار دولار في ذلك العام، لتقترب من مستويات ما قبل سريان العقوبات، وفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وفي الـ30 من سبتمبر 2023، نشرت شركة الشحن الإيرانية "شيراز مارين" منشوراً باللغة الفارسية على صفحتها على "إنستغرام" جاء فيه أنها "الممثل الرسمي لنادي الحماية والتعويض النيوزيلندي في إيران".
ورداً على أسئلة "رويترز"، نفت "ماريتايم ميوتشوال" بشدة سعيها إلى الحصول على أي أعمال مع "أسطول الظل"، وأوضحت أن أحد أهم دوافع نمو إيراداتها عام 2019 هو الزيادة الكبيرة في عدد السفن الضخمة التي تغطيها بعدما رفعت شركات إعادة التأمين التي تتعامل معها القيود المفروضة على حجم السفن التي يمكنها تأمينها.
ولم تتمكن "رويترز" من تحديد أي حالات قامت فيها الشركة بسداد تعويضات تأمين عن مطالبات تتعلق بسفن خاضعة للعقوبات أو ملاكها، أو عن سفن قامت بنقل منتجات طاقة روسية أو إيرانية.
نيوزيلندا تبدأ تحقيقاً
على مدى عقدين من الزمن ظلت الشركة بعيدة من سلطة هيئات تنظيم قطاع التأمين في نيوزيلندا، لأنها لم تحصل على ترخيص رسمي يخولها بيع التأمين داخل البلاد أو التعامل مع كيانات مقرها هناك.
لكن في الثامن من أكتوبر 2024 تلقى محافظ البنك المركزي النيوزيلندي رسالة بالبريد الإلكتروني من أحد أعضاء قطاع النقل البحري في البلاد، طلب فيها بالتحقيق مع "ماريتايم ميوتشوال" لأن شركة التأمين تستغل موقعها في نيوزيلندا "لإضفاء الاحترام" على أنشطتها.
رد البنك في اليوم التالي "نؤكد تسلم الرسالة، الفريق هنا سيطلعكم على المستجدات".
عرضت الرسالة على "رويترز" بشرط عدم الكشف عن هوية مرسلها.
وقال مصدر مطلع على التحقيق لـ"رويترز" إن البنك المركزي وجهات أخرى يحققون الآن مع الشركة في شأن مخاوف من أنها ربما سهلت انتهاك العقوبات وتقاعست عن اتخاذ التدابير المناسبة للحماية من تمويل الإرهاب، وقدمت نفسها بصورة مضللة على أنها شركة تأمين خاضعة للمعايير التنظيمية في نيوزيلندا.
ولم تعلق الشركة على التحقيق أو مخاوف السلطات.
انضمت نيوزيلندا إلى التحالف الغربي الذي يفرض سقفاً سعرياً على النفط الروسي في فبراير 2024، وعلى رغم أن نيوزيلندا لا تستهدف النفط الإيراني على وجه التحديد، فقد أعادت فرض العقوبات على طهران هذا الشهر التي تتطلب من أي شخص يتعامل مع إيران، بما في ذلك قطاع النفط، توخي الحذر.
وقال متحدث باسم وزير الخارجية النيوزيلندي إنه لن يقدم تفاصيل في شأن عدم الامتثال المزعوم للعقوبات على موسكو، لكنه أكد أن الهيئات تتواصل مع شركة "ماريتايم ميوتشوال" في شأن "المسائل التنظيمية".
وذكرت وزارة الخارجية أنها تتوقع "الامتثال من جميع الأفراد والشركات والمنظمات النيوزيلندية، بغض النظر عن مواقعهم أو الخدمات التي يقدمونها"، ورفض متحدث باسم البنك المركزي التعليق على أنشطة البنك في مجال إنفاذ القانون.
وبحسب مصدر على دراية مباشرة بالتحقيق، يعمل المحققون في نيوزيلندا مع شركاء دوليين آخرين، بما في ذلك أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة.
لم تستجب وزارة الخزانة الأميركية، وكذلك مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لها، وهو الجهة المسؤولة عن تطبيق العقوبات الاقتصادية والتجارية على إيران وروسيا، لطلبات التعليق، وأحجمت وزارة العدل الأميركية والاتحاد الأوروبي عن التعقيب، وأفادت وزارة الخارجية والتجارة الأسترالية بأنها على دراية بالمخاوف المتعلقة بشركة "ماريتايم ميوتشوال"، لكنها لن تعلق على مسائل الامتثال للعقوبات.
ولم ترد وزارة الخزانة البريطانية عند سؤالها عما إذا كانت تجري تحقيقاً في شأن "ماريتايم ميوتشوال"، ورفضت الوزارة طلباً من "رويترز" للحصول على معلومات في شأن امتثال الشركة للعقوبات البريطانية المفروضة على إيران وروسيا.
وقالت إن نشر المعلومات سيكون له تأثير سلبي مباشر في علاقات بريطانيا مع أعضاء التحالف الذي يفرض قيوداً على أسعار النفط الروسي، إضافة إلى دول أخرى، وأضافت أن الكشف قد يسهم في توضيح حجم التهرب من العقوبات الروسية والإيرانية.
وقالت وزارة الخزانة البريطانية "نشر هذه التفاصيل قد يسهل على جهات ذات نيات إجرامية التحايل أو التهرب" من العقوبات.
ولم ترد الوزارة على طلبات لاحقة للحصول على توضيحات إضافية.